رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم باب تحريم العقوق وقطيعة الرحم قال الله تعالى فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم وقال تعالى والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار وقال تعالى وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا عن أبي بكرة نفيع بن الحارث رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ثلاثا قلنا بلى يا رسول الله قال الإشراك بالله وعقوق الوالدين وكان متكئا فجلس فقال ألا وقول الزور وشهادة الزور فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت متفق عليه من فوائد الحديث الذنوب تتفاوة في العظم بحسب مفاسدها الترهيب الشديد من عقوق الوالدين وقول الزور محبة الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ويؤخذ منه إشفاق التلميذ على شيخه إذا رآه منزعجا وتمني عدم غضبه استحباب إعادة الكلام والموعضة ثلاثا لتفهم استحباب زعاج وانفعال الواعظ في موعضته والخطيب في خطبته ليكون ذلك أبلغ في الوعي عنه والزجر عن فعل ما ينهى عنه فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب على صوته وحمر وجهه كأنه منذر جيش أما التماوت في الوعض فمدعات إلى النعاس والله في الحديث دليل على انقسام الذنوب إلى كبائر وصغائر وعلم أن مجانبة الكبائر تكفير للصغائر كما قال تعالى إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم جواز أن يبدأ العالم أصحابه بالسؤال وعن عبدالله بن عمر بن العاص رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الكبائر الإشراك بالله وعقوق الوالدين وقتل النفس اليمين الغموس رواه البخاري اليمين الغموس التي يحلفها كاذبا عامدا سميت غموسا لأنها تغمس الحالفا في الإثم من فوائد الحديث زيادة على ما ذكر في الحديث السابق أفاد هذا الحديث تحريم قتل النفس بغير حق الكبائر أكثر مما ذكر لكن المقام يقتضي ذلك فذكر أشدها ضررا وأبلغها خطرا بيان أن الأيمان أقسام منها اليمين الغموس وهي شهادة الزور ومنها اليمين المنعقدة ومنها يمين اللغو وعن عبدالله بن عمر بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من الكبائر شتم الرجل والديه قالوا يا رسول الله وهل يشتم الرجل والديه قال نعم يسب أبى الرجل فيسب أبى ويسب أمة فيسب أمة متفق عليه وفي رواية إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه قيل يا رسول الله كيف يلعن الرجل والديه قال يسب أبى الرجل فيسب أبى ويسب أمة فيسب أمة من فوائد الحديث تحريم شتم الوالدين وبيان عظم حق الأبوين من عقوق الوالدين تعريضهما للسب والإهانة أو تسبيب ذلك لهما الحديث دليل على قاعدة درئ المفاسد وأنها مقدمة على جلب المصالح وقاعدة سد الذرائع قاعدة عظيمة في الدين إهمالها يؤدي إلى الفساد في الأرض من تسبب في فعل كان كفاعله خيرا أو شرا العمل في سد الذرائع وجلب المنافع يكون بالغالب يجوز أن يسب الرجل الآخر أباه ويجوز أن لا يفعل لكن الغالب أن يجيبه بنحو قوله لأنها لحظة غفلة وساعة يتمكن فيها الشيطان من الإنسان إلا من رحم الله جواز مراجعة التلميذ لشيخه فيما يقول مما يشكل عليه وعن أبي محمد جبير بن مطعم الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يدخل الجنة قاطع قال سفيان في روايته يعني قاطع رحم متفق عليه من فوائد الحديث التحذير الشديد من قطع الأرحام وأنها سبب في العذاب الشديد الذي يحول بين المرء ودخول من استحل قطيعة الرحم عالما بحرمتها لم يدخل الجنة أبدا وعن أبي عيسى المغيرة ابن شعبة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله تعالى حرم عليكم عقوق الأمهات ومنعا وهات ووأد البنات وقيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال متفق عليه قوله منعا معناه منع ما وجب عليه وهات طلب ما ليس له ووأد البنات معناه دفنهن في الحياة وقيل وقال معناه الحديث بكل ما يسمعه فيقول قيل كذا وقال فلان كذا مما لا يعلم صحته ولا يظنها وكفى بالمر كذبا أن يحدث بكل ما سمع وإضاعة المال تبذيره وصرفه في غير الوجوه المأذون فيها من مقاصد الآخرة والدنيا وترك حفظه مع إمكان الحفظ وكثرة السؤال فيما لا حاجة إليه من فوائد الحديث تحريم عقوق الأمهات وكذلك الآباء وخص الأمهات بالذكر لضعفهن وشدة حاجتهن ولأن الإحسان إليهن مقدم على الإحسان للآباء حرمة منع حقوق العباد حرمة أخذ ما ليس لك فيه حق المجادلة والمشاحنة والأسئلة التي لا فائدة فيها ولا يترتب عليها خير أو دفع ضر النهي عن التبذير وإضاعة المال تحريم دفن الأولاد أحياء وإنما خص البنات لأنه هو الأغلب والشائع في حياة العرب قبل الإسلام فتوجه النهي إليه هذا الحديث أصل في معرفة الحسن الخلق وهو يستتبع جميع الأخلاق الجميلة باب فضل بر أصدقاء الأبي والأم والأقارب والزوجة وسائر من يندب إكرامه عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن أبر البر أن يصل الرجل ود أبي وعن عبد الله ابن دينار عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما أن رجلا من الأعراب لقيه بطريق مكة فسلم عليه عبد الله ابن عمر وحمله على حمار كان يركبه وأعطاه عمامة كانت على رأسه قال ابن دينار فقلنا له أصلحك الله إنهم الأعراب وعن ابن عمر إن أبا هذا كان ودا لعمر بن الخطاب رضي الله عنه وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن أبر البر صلة الرجل أهل ود أبي وفي رواية عن ابن دينار عن ابن عمر أنه كان إذا خرج إلى مكة كان له حمار يتروح عليه ركوبًا راحلًا، وعمامةٌ يشدُّ بها رأسَه فبيناه يوماً على ذلك الحمار إذ مرَّ به أعرابي فقال ألست فلان ابن فلان؟ قال بلى فأعطاه الحمار فقال إركب هذا وأعطاه العمامة وقال أشدد بها رأسك فقال له بعض أصحابه غفر الله لك أعطيت هذا الأعرابي حمارًا كنت تروح عليه وعمامةً كنت تشدُّ بها رأسك فقال إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن من أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه بعد أن يولي وإن أباه كان صديقًا لعمر رضي الله عنه روا هذه الروايات كلها مسلم أبر البر أي أكمله وأبلغه الود أي المحبة والمودة والصداقة الأعراب جمع أعرابي وهم أهل البادية يتروح عليه أي يستريح عليه مل أي سئم وضجر بعد أن يولي أي بعد أن يموت من فوائد الحديث من بر الوالدين أن تصل أصدقاؤهم وأصحابهم بعد موتهم ولو بالقليل فمن لم يجد فبالزيارة أو الكلمة الطيبة تعليم أدب الدعاء في قولهم غفر الله لك وأصلحك الله من تمام البر والصلة الإنفاق على أصدقاء والدين بأخص ماله وما يرضاه لنفسه كثرة فضائل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما فمنها شدة وفائه وحبه لأبي ووصل أحبائه بعد موته واستجابته لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنفاقه من طيب ماله وأيثاره غيره على نفسه في وصف أصحاب ابن عمر رضي الله عنهما للأعراب بأنهم يرضون باليسير دلالة على تأثر الإنسان ببيئته فالأعراب أهل كفاف فلذلك يقنعون باليسير وعن أبي أسيد مالك بن ربيعة الساعدي رضي الله عنه قال بينا نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل من بني سلمة فقال يا رسول الله هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما فقال نعم الصلاة عليهما والاستغفار لهما وإنفاذ عهدهما من بعدهما وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما وإكرام صديقهما رواه أبو داوود من فوائد الحديث اغتنام فرصة وجود الأبوين أو أحدهما ليبرهما من بر المرء لوالده الدعاء والاستغفار لهما رعاية شؤون الوالدين في حياتهما ومماتهما أما في حياتهما فبالقيام على شؤونهما وأما في مماتهما فتنفيذ وصيتهما المشروعة وصلة أرحامهما التي هما سبب فيها وإكرام صديقهما وأصحابهما الحرص على تربية الأولاد تربية صالحة تعود بالنفع على الوالدين في الحياة والممات وعن عائشة رضي الله عنها قالت ما غرت على أحد من نساء النبي صلى الله عليه وسلم ما غرت على خديجة رضي الله عنها وما رأيتها قط ولكن كان يكثر ذكرها وربما ذبح حشاه ثم يقطعها أعضاء ثم يبعثها في صدائق خديجة فربما قلت له كأن لم يكن في الدنيا إلا خديجة فيقول إنها كانت وكانت وكان لي منها ولد متفق عليه وفي رواية وإن كان ليذبح الشاء فيهدي في خلائلها منها ما يسعهن وفي رواية كان إذا ذبح الشاة يقول أرسلوا بها إلى أصدقاء خديجة وفي رواية قالت استأذنت هالة بنت خويلد أخت خديجة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرف استئذان خديجة فارتاح لذلك فقال اللهم هالة بنت خويلد من فوائد الحديث فيه فضائل أم المؤمنين خديجة بنت خويلد رضي الله عنها فقد صدقت برسول الله صلى الله عليه وسلم وأعانته بمالها وحرضته على الثبات وكانت من السابقين الأولين حسن وفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم لذكرى زوجته الأولى التي آزرته وعزرت من الخصال المحببة في المرأة الصالحة أن تكون ودودا ولودا فلذلك أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالزواج منها ثبوت الغير أنها غير مستنكرة من النساء الفاضلات فهذه عائشة رضي الله عنها التي كانت تغار منها نساء النبي صلى الله عليه وسلم رضي الله عنهم فإذا بها تغار من خديجة رضي الله عنها كثرة الذكر تدل على كثرة المحببة ولذلك كان شعار المحبين لله رب العالمين أنهم من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال خرجت مع جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه في سفر فكان يخدمني فقلت له لا تفعل فقال إني قد رأيت الأنصار تصنع برسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا آليت على نفسي ألا أصحب أحدا منهم إلا خدمته متفق عليه آليت أي أقسمت شيئا أي أمرا عظيما من فوائد الحديث تواضع صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفضلهم إكرام من أحسن للنبي صلى الله عليه وسلم ولو كان أصغر سنا منه توقير الكبير واحترامه فضائل الأنصار وسبقهم وخدمتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم رياض الصالحين