بسم الله الرحمن الرحيم خير القرون مواقفاً ومثالاً تبع الرسول إذا سعى أو قالاً جمعية مودة تقدم صور من حياة التابعين للدكتور عبد الرحمن رأفة الباشا رحمه الله الربيع بن خثيم رحمه الله قال هلال بن إساف لضيفه منذر الثوري ألا أمضي بك يا منذر إلى الشيخ لعل لنا نؤمن ساعة فقال منذر بلى فوالله ما أقدمني الكوفة إلا الرغبة في لقاء شيخك الربيع بن خثيم والحنين للعيش ساعة في رحى بإيمانه ولكن هل استأذنت لنا عليه فقد قيل لي إنه منذ أصيب بالفالج لزم بيته وانصرف إلى ربه وعزف عن لقاء الناس فقال هلال إنه لك ذلك منذ عرفته الكوفة إن المرض لم يغير منه شيئا فقال منذر لا بأس ولكنك تعلم أن لهاؤلاء الأشياء أمزجة رقيقة فهل ترى أن نبادر الشيخ فنسأله عن ما نريد أم نلتزم الصمت فنسمع منه ما يريد فقال هلال لو جلست مع الربيع بن خثيم عاما بأكمله فإنه لا يكلمك إذا لم تكلم ولا يبادرك إذا لم تسأله فهو قد جعل كلامه ذكرا وصمته فكرا فقال منذر فلنمض إليه إذا على بركة الله ثم مضى إلى الشيخ فلما صار عنده سلما وقال كيف أصبح الشيخ فقال أصبح ضعيفا مذنبا يأكل رزقه وينتظر أجله فقال له هلال لقد أملك فتطبيب حاذق أفتأذن بأن أدعوه لك فقال يا هلال إني لأعلم أن الدواء حق ولكني تأملت عادا وثمود وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا ونظرت في حرصهم على الدنيا ورغبتهم في متاعها وقد كانوا أشد منا بأسا وأعظم قدرة وقد كان فيهم أطباء وفيهم مرضا فللمداوي بقي وللمداوى ثم تنهد الربيع تنهد عميقا وقال ولو كان هذا هو الداء لتداوينا منه فاستأذن منذر وقال فمداء إذا يا سيد الشيخ فقال الداء الذنوب فقال منذر وما الدواء فقال الدواء الاستغفار فقال منذر وكيف يكون الشفاء فقال بأن تتوب ثم لا تعود ثم حدق فينا وقال السرائر السرائر عليكم بالسرائر التي تخفى على الناس وهن على الله تعالى بواد أي ظاهرة التمسوا دواءهن فقال منذر وما دواءهن فقال الشيخ التوبة النصوح ثم بكى حتى بللت دموعه لحيته فقال له منذر أتبكي وأنت أنت فقال هيهات لما لا أبكي وقد أدركت قوما نحن في جنبهم لصوص يريد الصحابة رضوان الله عليهم قال هلال وفيما نحن كذلك إذ دخل علينا ابن الشيخ فحيا وقال يا أبتي إن أمي قد صنعت لك خبيصا وجودته وإنه ليجبر قلبها أن تأكل منه فهل آتيك به فقال هاته فلما خرج ليحضره طرق الباب سائل فقال أدخلوه فلما صار في صحن الدار نظرت إليه فإذا هو رجل كهل ممزق الثياب قد سال لعابه على ذقنه وبدا من ملامح وجهه أنه معتوه فما كدت أرفع بصري عنه حتى أقبل ابن الشيخ بصحفة الخبيص فأشار إليه أبوه أن ضعها بين يدي السائل فوضعها بين يديه فأقبل عليها الرجل وجعل يلتهم ما فيها التهام ولعابه يسيل فوقها فما زال يأكل حتى أتى على ما في الصحفة كله فقال له ابنه رحمك الله يا أبتي لقد تكلفت أمي وصنعت لك هذا الخبيص وكنا نشتهي أن تأكل منه فأطعمته لهذا الرجل الذي لا يدري ماذا أكل فقال يا بني إذا كان هو لا يدري فإن الله يدري ثم تلا قوله جل وعز لن تنال البر حتى تنفقوا من ما تحبون وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم وفيما هو كذلك إذ دخل عليه رجل من ذوي قرباه وقال يا أبا يزيد قتل الحسين بن فاطمة عليه وعلى أمه السلام فقال إنا لله وإنا إليه راجعون ثم تلا قوله تعالى قل اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة عالم الغيب والشهادة أن تتحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون لكن الرجل لم يشفه كلامه فقال له ما تقول في قتله فقال أقول إلى الله إيابهم وعلى الله حسابهم قال هلال ثم إني رأيت وقت الظهر قد اقترب فقلت للشيخ أوصني فقال لا يغرنك يا هلال كثرة ثناء الناس عليك فإن الناس لا يعلمون منك إلا ظاهرك وعلم أنك صائر إلى عملك وأن كل عمل لا يبتغى به وجه الله يضمحل فقال له منذر وأوصني أنا أيضا جزيت خيرا فقال يا منذر اتق الله فيما علمت وما استؤثر عليك بعلمه فكله إلى عالمه يا منذر لا يقل أحدكم اللهم إني أتوب إليك ثم لا يتوب فتكون كذبة ولكن ليقل اللهم تب علي فيكون دعاء وعلم يا منذر أنه لا خير في كلام إلا في تهليل الله وتحميد الله وتكبير الله وتسبيح الله وسؤالك من الخير وتعوذك من الشر وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر وقراءة القرآن فقال له منذر لقد جالسناك فما سمعناك تتمثل بالشعر وقد رأينا بعض أصحابك يتمثلون به فقال ما من شيء تقوله هنا إلا كتب وقرأ عليك هناك وأنا أكره أن أجد في كتابي بيت شعر يقرأ علي يوم يقوم الحساب ثم التفت إلينا جميعا وقال أكثروا من ذكر الموت فهو غائبكم المرتقب فقال الغائب إذا طالت غيبته أو شكت أوبته وترقبه ذوه ثم استعبر وقال ماذا نصنع غدا إذا دكت الأرض دكا دكا وجاء ربك والملك صفا صفا وجيأ يومئذ بجهنم قال هلال وما كاد الربيع ينتهي من كلامه وكذن للظهر فأقبل على ابنه وقال هيا نجب داعي الله فقال لنبنه أعينوني على حمله إلى المسجد جزيتم خيرا فرفعناه فوضع يمناه على كتف ابنه ويسراه على كتفي وجعل يتهادا بيننا ورجلاه تخطان على الارض خطا فقال له منذر لا يزيد لقد رخص الله لك فلو صليت في بيتك فقال إنه كما تقول ولكني سمعت المنادي ينادي حي على الفلاح حي على الفلاح فمن سمع منكم المنادي يدعوه إلى الفلاح فليجبه ولو حبوى وبعد فمن الربيع ابن خثيم هذا وهو علم من أعلام التابعين وأحد الثمانية الذين انتهى إليهم الزهد في عصرهم عربي الأصل مضري الأرومة أي أن أصله ينتهي إلى مضر يلتقي مع رسول الله صلوات الله وسلامه عليه في جديه إلياس ومضر نشأ منذ نعومة أضفاره في طاعة الله وفطم نفسه منذ حفاثتها على تقواه كانت أمه تنام في الليل ثم تصحو فتجد ابنها اليافع ما زال صافا في محرابه سابحا في مناجاته مستغرقا في صلاته فتناديه وتقول يا بني يا ربيع ألا تنام فيقول كيف يستطيع النوم من جن عليه الليل وهو يخشى أي هجوم الخصوم فتتحدر الدموع على خدي الشيخة العجوز وتدعو له بالخير ولما شب الربيع ونمى شب معه ورعه ونمت بنموه خشيته من الله ولقد أرق أمه كثرة تضرعه وشدة نحيبه في عتمات الليل والناس نيام حتى ظنت به الظنون فصارت تناديه قائلة من الذي أصابك يا بني لعلك أتيت جرما لعلك قتلت نفسا فقال نعم يا أمه لقد قتلت نفسا فقالت في لهفة ومن هذا القتيل يا بني حتى نجعل الناس يسعون إلى أهله لعلهم يعفون عنك والله لو علم أهل القتيل ما تعاني من البكاء وما تكابد من السهر لرحموك فقال لا تكلم أحدا فإنما قتلت نفسي لقد قتلتها بالذنوب ولقد تتلمد الربيع بن خثيم على عبد الله بن مسعود صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقرب الصحابة هديا وسمتا من النبي صلوات الله وسلامه وقد تعلق الربيع بأستاذه تعلق الوليد بأمه وأحب الأستاذ تلميذه حب الأبي لوحيده فكان الربيع يدخل على ابن مسعود من غير إذن فإذا صار عنده لم يؤذن لأحد بالدخول عليه حتى يخرج الربيع وكان ابن مسعود يرى من صفاء نفس الربيع وإخلاص قلبه وإحسان لأبادته ما يملأ فؤاده أسا على تأخر زمانه عن النبي صلوات الله وسلامه عليه وحرمانه من صحبته وكان يقول له يا أبا يزيد لو رأاك رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحبك كما كان يقول له ما رأيتك مرة إلا ذكرت المخبتين ولم يكن عبد الله ومسعود مغاليا في ذلك فقد بلغ الربيع ابن خثيم من الخشية والورع والتقوى مبلغا قلما سمى إليه أحد من طبقته وأوثرت عنه في ذلك أخبار ما تزال تزهو بها صفحات التاريخ من ذلك ما رواه أحد أصحابه قال صحبت الربيع ابن خثيم عشرين سنة فما سمعته يتكلم إلا بكلمة تصعد وتلا قوله جل وعز إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه وأخبر عنه عبد الرحمن ابن عجلان قال بدت عند الربيع ليلة فلما أيقن أني دخلت في النوم قام يصلي فقرأ قوله جل وعز أم حسب الذين اجترحوا لن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون فمكث ليلته يصلي بها يبدأها ويعيدها حتى طلع عليه الفجر وعيناه تسحان الدموع سحا وللربيع في خوف الله وخشيته أخبار كثيرة من ذلك ما رواه طائفة من أصحابه قالوا خرجنا يوما بصحبة عبدالله ابن مسعود ومعنا الربيع ابن خثيم فلما صرنا على شاطئ الفرات مررنا بأتون كبير قد سعرت ناره فتطاير شررها وتصاعدت ألسنة لها بها وسمع زفيرها وقد ألقيت في الأتون الحجارة لتحترق حتى تصبح كلسا فلما رأى الربيع النار توقف في مكانه وعرته رعدة شديدة وتلا قوله جل وعز إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيضا وزفيرا وإذا رأوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوهنا لك ثبورا ثم سقط مغشيا علي فرابطنا معه حتى أفاق من غشته ومضينا به إلى بيته وبعد فقد ظل الربيع ابن خثيم حياته كلها يترقب الموت ويستعد للقائه فلم احتضر جعلت بنته تبكي فقال ما يبكيك يا بني وقد أقبل على أبيك الخير ثم اسلم روحه إلى بارئها يا أبا يزيد لو رأاك رسول الله صلى الله عليه وسلم نأحبك عبد الله ابن مسعود فاقفا ومثالا تبع الرسول لا سعى أو طالا كانوا هنا يسقون غيما حياتنا فما مو فينا ذكرهم يتعالا رحلوا وألقوا في الظمير سؤالا هل مثلهم نجم سما وتلالا ملأوا الحياة مفاخرا بالفعلهم وزهت بهم دنيا الأنا