بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ كُنُوزُ السِّيرَةِ المُآخَاتُ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ثم آخر رسولُ صلى الله عليه وسلم بين المُهاجِرينَ والْأَنْصَارِ وذلك في دارِ أنسِ ابنِ مالك وكانوا تسعينَ رجلاً نصفُهم من المُهاجِرين ونصفُهم من الأنصار آخى بينهم على المُواساة وأنهم يتوارثون بعد الموت دون ذوي الأرحام وذلك إلى أن أنزل الله تبارك وتعالى بعد بدر وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض فرجع التوارث إلى الأقارب ومعنى هذا الإخاء أن تذوبع صبيات الجاهلية فلا حمية إلا للإسلام وأن تسقط فوارق النسب واللون والوطن فالقضية قضية تقوى واتباع ولما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة آخى بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع فقال سعد لعبد الرحمن بن عوف إني أكثر الأنصار مالا فأقسم مالي نصفين ولي أمرأتان فانظر أعجبهما إليك فسمها لأطلقها فإذا انقضت عدتها تزوجها فقال عبد الرحمن بن عوف بارك الله في أهلك ومالك أين سوقكم فدلوه على سوق بنيقينقاع فمن قلب إلا ومعه فضل من إقط وسم ثم تابع الغدو ثم جاء يوما وبه أثر صفرة فقال النبي صلى الله عليه وسلم مهيم أي مالأمر قال تزوجت قال كمسقت إليها قال نواتا من ذهب وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قالت الأنصار للنبي صلى الله عليه وسلم إقسم بيننا وبين إخواننا النخيل فقال لا فقالوا فتكفون المؤنة ونشرككم في الثمرة قالوا نعم سمعنا وأطعنا وهذا يدلنا على أمرين اثنين أيضا أولا سخاء الأنصار كما قال الله تبارك وتعالى والذين تبوء الدار والإيمان من قبلهم يحبون منهاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوقشح نفسه فأولئك هم المفلحون ثانيا يظهر لنا كذلك موقف المهاجرين وذلك أنهم لم يستغلوا طيبة الأنصار ولذلك لم يقبل عبد الرحمن بن عوف عرض سعد بن الربيع ولم يقبل المهاجرون عرض الأنصار أن يقاسموهم نخيلهم كنوز السيرة مؤاخات النبي صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه اشتهرت رواية في كتب التاريخ أن النبي صلى الله عليه وسلم لما آخى بين المهاجرين والأنصار أخذ بيد علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال هذا أخي ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء من ذلك قال ابن كثير رحمه الله أما مؤاخات النبي صلى الله عليه وسلم وعلي فإن من العلماء من ينكر ذلك ويمنع صحته ومستنده في ذلك أن هذه المؤاخات إنما شرعت لأجل ارتفاق بعضهم من بعض وليتألف قلوب بعضهم على بعض فلا معنى لمؤاخات النبي صلى الله عليه وسلم لأحد منهم ولا مهاجري لمهاجري آخر كما ذكر من مؤاخات حمزة وزيد بن حارثة اللهم إلا أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم لم يجعل مصلحة علي إلى غيره فإنه كان ممن ينفق عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من صغاره في حياة أبيه أبي طالب وقد نص الشيخ الإسلام ابن تيمية والحافظ العراقي على أنه لم يصح في هذا شيء كنوز السيرة معاهدات مع اليهود بعد ذلك عقد النبي صلى الله عليه وسلم المعاهدات مع اليهود الذين كانوا يعيشون في المدينة وهم لم يدخلوا في الإسلام فعقد معهم النبي صلى الله عليه وسلم معاهدة ترك لهم فيها مطلق الحرية في الدين والمال ولم يتجه إلى سياسة الإبعاد من المدينة بل تركهم فيها وفي هذه الفترة أرسلت قريش إلى المسلمين تقول لا يغرنكم أنكم أفلدتم منا إلى يثرب فسنأتيكم ونستأصلكم ونبيد خضراءكم في عقر داركم فعن عائشة رضي الله عنها قالت سهر الرسول صلى الله عليه وسلم مقدمه المدينة ليلة فقال ليت رجلا صالحا من أصحابي يحرسني قالت وبينما نحن كذلك سمعنا خشخشة سلاح فقال من هذا قال سعد بن أبي وقاص فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما جاء بك فقال وقع في نفسي خوف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئت أحرسه فدعى له رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نام وهذا من توفيق الله تبارك وتعالى له كنوز السيرة بدء السرايا كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرس ليلا حتى أنزل الله تبارك وتعالى والله يعصمك من الناس فأخرج الرسول صلى الله عليه وسلم رأسه من القبة فقال يا أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله وهذا يبين شدة اليقين بالله جل وعلا وكان الله عز وجل قد أمر نبيه بالصبر والكف عن المشركين حتى أذن الله تبارك وتعالى بالقتال والدفاع بقوله جل وعلا أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلمون وإن الله على نصرهم لقدير وبعد هذا الإذن من الله بالقتال بدأت السرايا وكان من هذه السرايا سرية نخله وذلك أنه في السنة الثانية من الهجرة بعث الرسول صلى الله عليه وسلم عبد الله بن جحش الأسدي إلى مكان يقال له نخله في 12 رجلا من المهاجرين كل اثنين يعتقبان على بعير وكان الرسول صلى الله عليه وسلم كتب له كتابا وأمره ألا ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه فسار عبد الله بن جحش ثم قرأ الكتاب بعد يومين فإذا فيه إذا نظرت في كتابي هذا فامضي حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف فترصد بها عير قريش وتعلم لنا من أخبارهم فقال عبد الله بن جحش عندما قرأ الكتاب سمعا وطاعة ثم أخبر أصحابه بذلك وأنه لا يستكرههم فمن أحب الشهادة فلينهض ومن كره الموت فليرجع وأما أنا فناهض فنهضوا كلهم ولكن في أثناء الطريق وضل سعد بن أبي وقاص وعثبة بن غزوان بعيرا لهما كانا يعتقبانه فتخلفا في طلبه وسار عبد الله بن جحش حتى نزل بنخلة فمرت عير لقريش تحمل زبيبا وأدما وتجارة وفيها عمر بن الحضرمي وعثمان ونوفل ابن عبد الله بن المغيرة والحكم بن كيسان فتشاور المسلمون وقالوا نحن في آخر يوم من رجب الشهر الحرام فإن قاتلناهم انتهكن الشهر الحرام وإن تركناهم دخل الحرم والأشهر الحرم أربعة ثلاثة سرد وواحد فرد والثلاثة السرد هي ذو القعدة وذو الحجة ومحرم والواحد الفرد رجب هذه أشهر محرمة منذ أن خلق الله السماوات والأرض إلى يومنا هذا قال تعالى إن عدة الشهور عند الله اثنى عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة وعلموا أن الله مع المتقين فهم أدركوا هذه العير في آخر يوم من رجب ورجب من الأشهر الحرم فإذا أخذوا ما عندهم من مال وقاتلوهم فقد قاتلوا في الشهر الحرام وإن تركوهم دخلوا إلى البلد الحرام مكة فوقعوا بين ثلاث حالات الحالة الأولى أن يقاتلوهم في الشهر الحرام الحالة الثانية أن يتركوهم حتى يدخلوا مكة ويقاتلونهم غدا في الأشهر الحلال ولكن في المكان الحرام الحالة الثالثة وهي أن لا يقاتلوهم في الشهر الحرام ولا يُقاتِلُوهم في البلد الحرام ولكن تفلُتُ العير وتدخُلُ إلى مكة وتنجُو وكان كفار قريش كما هو معلوم قد أخذوا أموال المسلمين بل أخذوا دورهم وآذوا من آذوا وقتلوا آخرين فكان أخذ العير نوعا من رد بعض الحقوق وللإنسان أن يرد حقه ممن ظلمه ولو وصل الأمر إلى القتال فتشاور المسلمون ثم اجتمعوا على اللقاء فرمى أحدهم عمر بن الحضرمي فقتله وأسروا عثمان والحكم بن كيسان وأفلت منهم نوفل وقدموا بالعير والأسيرين إلى مدينة النبي صلى الله عليه وسلم وقد عزلوا من ذلك الخمس وذلك كان أول خمس في الغنيمة وهذان كان أول أسيرين وذاك كان أول قتيل في الإسلام فلما وصلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبروه بما حدث أنكر النبي صلى الله عليه وسلم ما فعلوه وقال ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام ثم أوقف النبي صلى الله عليه وسلم أي تصرف في العير والأسيرين أما قريش فبدأوا يتكلمون في النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقالوا إنه أحلى ما حرم الله وأكثروا في القيل والقال حتى أنزل الله تبارك وتعالى الوحي يدافع به عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قال الله تبارك وتعالى يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل يقول الله تبارك وتعالى للمشركين أنتم تنكرون على المسلمين أن قتلوا رجلا في الشهر الحرام ونحن نوافقكم على أن هذا العمل لا يجوز ولكن أنتم يا من تعيبونهم في هذا انظروا ماذا تفعلون يقول الله تبارك وتعالى وصد عن سبيل الله أي الذي تفعلونه وكفر به والمسجد الحرام أي وصد عن المسجد الحرام وإخراج أهله منه وهو طرد المسلمين من مكة وإخراجهم بالتهديد والتعذيب أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل أي فتنة الناس عن دينهم أكبر من قتلهم فكانت هذه الآية مما طيب الله تبارك وتعالى بها قلوب المؤمنين فكأن الله جل وعلا يقول لهم ليس هؤلاء من لهم أن يعيبوا عليكم ذلك لأن فعلهم أكبر من فعلكم بكثير عند ذلك أطلق النبي صلى الله عليه وسلم سراح الأسيرين وأدد دية عن المقتول إلى أوليائه في شهر شعبان من السنة الثانية من الهجرة أمر الله تبارك وتعالى بتحويل القبلة من بيت المقدس إلى المسجد الحرام بقوله بقول لك في السماء فلنولي انك قبلة ترضاها فولي وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولو وجوهكم شطرة فحولت القبلة في صلاة الظهر أو في صلاة العصر والأكثر على أنها في صلاة العصر فإنه أول من صلى إلى مكة البراء بن معرور رضي الله عنه في بيعة العقبة الثانية لما خرجوا إلى مكة أدركتهم الصلاة والمدينة موقعها بين مكة وبيت المقدس فمن أراد أن يصلي إلى بيت المقدس فلا بد أن يعطي مكة ظهرة ومن أراد أن يصلي إلى مكة لا بد أن يعطي بيت المقدس ظهرة فصلوا إلى بيت المقدس أما البراء بن معرور رضي الله عنه فصل إلى مكة فاستغرب أصحابه منه فلما قضى الصلاة قالوا ويحك ماذا فعلت قال والله إني كرهت أن أجعل هذه البنية في ظهري فقالوا ويحك إن النبي صلى الله عليه وسلم يصلي إلى بيت المقدس قال لا أدري فتركوه فلما وصلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أخبروه فالتفت إليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال قد كنت على قبلة لو صبرت وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتمنى أن تكون مكة هي القبلة وكان في مكة يجعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس قنوز السيرة