بسم الله الرحمن الرحيم يسر جمعية مودة أن تقدم لكم صور من حياة الصحابيات للدكتور عبد الرحمن رأفة الباشا رحمه الله صفية بنت عبد المطلب رضي الله عنها من هذه السيدة الجزلة الرزان التي كان يحسب لها الرجال ألف حساب من هذه الصحابية الباسلة التي كانت أول امرأة قتلت مشركا في الإسلام من هذه المرأة الحازمة التي أنشأت للمسلمين أول فارس سل سيفا في سبيل الله إنها صفية بنت عبد المطلب الهاشمية القرشية عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم اكتنف المجد صفية بنت عبد المطلب من كل جانب فأبوها عبد المطلب ابن هاشم جد النبي وزعيم قريش وسيدها المطاع وأمها هالة بنت وهب أخت آمنة بنت وهب والدة الرسول وزوجها الأول الحارث بن حرب أخو أبي سفيان بن حرب زعيم بني أمية وقد توفي عنها وزوجها الثاني العوام بن خويلد أخو خديجة بنت خويلد سيدة نساء العرب في الجاهلية وأولى أمهات المؤمنين في الإسلام وبنها الزبير بن العوام حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم أفبعد هذا الشرف شرف تطمح إليه النفوس غير شرف الإيمان لقد توفي عنها زوجها العوام بن خويلد وترك لها طفلا صغير هو الزبير فنشأته على الخشونة والبأس وربته على الفروسية والحرب وجعلت لعبه في بري السهام وإصلاح القسي ودأبت على أن تقذفه في كل مخوفة وتقحمه في كل خطر فإذا رأته أحجم أو تردد ضربته ضربا مبرحا حتى إنها عوتبت في ذلك من قبل أحد أعمامه حيث قال لها ما هكذا يضرب الولد إنك تضربينه ضرب مبغضة لا ضرب أم فارتجزت قائلة من قال قد أبغضته فقد كذب وإنما أضربه لكي يلب ويهزم الجيش ويأتي بالسلب ولما بعث الله نبيه بدين الهدا والحق وأرسله نذيرا وبشيرا للناس وأمره بأن يبدأ بذوي قرباه جمع بني عبد المطلب نساءهم ورجالهم وكبارهم وصغارهم وخاطبهم قائلة يا فاطمة بنت محمد يا صفية بنت عبد المطلب يا بني عبد المطلب إني لا أملك لكم من الله شيئا ثم دعاهم إلى الإيمان بالله وحظهم على التصديق برسالته فأقبل على النور الإلهي منهم من أقبل وأعرض عن سناه من أعرض فكانت صفية بنت عبد المطلب في الرعيل الأول من المؤمنين المصدقين عند ذلك جمعت صفية المجد من أطرافه سؤدد الحسب وعز الإسلام انضمت صفية بنت عبد المطلب إلى موكب النور هي وفتاها الزبير بن العوام وعانت ما عاناه المسلمون السابقون من بأس قريش وعنتها وطغيانها فلما أذن الله لنبيه والمؤمنين معه بالهجرة إلى المدينة خلفت السيدة الهاشمية وراءها مكة بكل ما لها فيها من قيوب الذكريات وضروب المفاخر والمآثر ويممت وجهها شطر المدينة مهاجرة بدينها إلى الله ورسوله وعلى الرغم من أن السيدة العظيمة كانت يومئذ تخطو نحو 60 من عمرها المديد الحافل فقد كان لها في ميادين الجهاد مواقف ما يزار يذكرها التاريخ بلسان ندي بالإعجاب رطيب بالثنى وحسبنا من هذه المواقف مشهدان اثنان كان أولهما يوم أحد وثانيهما يوم الخندق أما ما كان منها في أحد فهو أنها خرجت مع جند المسلمين في ثلة من النساء جهادا في سبيل الله فجعلت تنقل الماء وتروي العطاش وتبري السهام وتصلح القسي وكان لها مع ذلك غرض آخر هو أن ترقب المعركة بمشاعرها كلها ولا غرو فقد كان في ساحتها ابن أخيها محمد رسول الله وآخوها حمزة ابن عبد المطلب أسد الله وابنها الزبير ابن العوام حواري نبي الله وفي المعركة قبل ذلك كله وفوق ذلك كله مصير الإسلام الذي اعتنقته راغب وهاجرت في سبيله محتسبة وأبصرت من خلاله طريق الجنة ولما رأت المسلمين ينكشفون عن رسول الله إلا قليلا منهم ووجدت المشركين يوشكون أن يصلوا إلى النبي ويقضوا عليه طرحت سقاءها أرضا وهبت كاللبؤة التي هوجم أشبالها وانتزعت من يد أحد المنهزمين رمحة ومضت تشق به الصفوف وتضرب بسنانه الوجوه وتزأر في المسلمين قائلة ويحكم أن هزمتم عن رسول الله فلما رآها النبي عليه الصلاة والسلام مقبلة خشي عليها أن ترى أخاها حمزة وهو صريع وقد مثل به المشركون أبشع تمثيل فآشار إلى ابنها الزبير قائلة المرأة يا زبير فأقبل عليها الزبير وقال يا أمه إليك يا أمه فقالت تنحى لا أم لك فقال إن رسول الله يأمرك أن ترجعي فقالت ولما إنه قد بلغني أنه مثل بأخي وذلك في الله فقال له الرسول خل سبيلها يا زبير فخلى سبيلها ولما وضعت المعركة أوزارها وقفت صفية على أخيها حمزة فوجدته قد بقر بطنه وأخرجت كبده وجدع أنفه وصلمت أذناه وشوها وجهه فاستغفرت له وجعلت تقول إن ذلك في الله لقد رضيت بقضاء الله والله لأصبرنا ولأحتسبن إن شاء الله كان ذلك موقف صفية بنت عبد المطلب يوم أحد أما موقفها يوم الخندق فله قصة مثيرة سداها الدهاء والذكاء ولحمتها البسالة والحزم فإليك خبرها كما وعدته كتب التاريخ لقد كان من عادة رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عزم على غزوة من الغزوات أن يضع النساء والذرار في الحصون خشية أن يغضر بالمدينة غادر في غيبة حماتها فلما كان يوم الخندق جعل نساءه وعمته وطائفة من نساء المسلمين في حصن لحسان بن ثابت ورثه عن آبائه وكان من أمنع حصون المدينة مناعة وأبعدها منالا وبينما كان المسلمون يرابطون على حواف الخندق في مواجهة قريش وأحلافها وقد شغلوا عن النساء والذرار بمنازلة العدو أبصرت صفية بنت عبد المطلب شبحا يتحرك في عتمة الفجر فأرهفت له السمع وأحدت إليه البصر فإذا هو يهودي أقبل على الحصن وجعل يطيف به متحسسا أخباره متجسسا على من فيه فأدركت أنه عين لبني قومه جاء ليعلم أفي الحصن رجال يدافعون عن من فيه أم إنه لا يضم بين جدرانه غير النساء والأطفال فقالت في نفسها إن يهود بني قريضة قد نقضوا ما بينهم وبين رسول الله من عهد وظاهروا قريشا وأحلافها على المسلمين وليس بيننا وبينهم أحد من المسلمين يدافع عننا ورسول الله ومن معه مرابطون في نحور العدو فإن استطاع عدو الله أن ينقل إلى قومه حقيقة أمرنا سبل يهود النساء واسترق الثرار وكانت الطامة على المسلمين عند ذلك بادرت إلى خمارها فلفته على رأسها وعمدت إلى ثيابها فشدتها على وسطها وأخذت عمودا على عاتقها ونزلت إلى باب الحصن فشقته في أنات وحذق وجعل الترقب من خلاله عدو الله في يقظة وحذر حتى إذا أيقنت أنه غدا في موقف يمكنها منه حملت عليه حملة حازمة صارمة وضربته بالعمود على رأسه فطرحته أرضا ثم عززت الضربة الأولى بثانية وثالثة حتى أجهزت عليه وأخمدت أنفاسه بين جنبي ثم بادرت إليه فاحتزت رأسه بسكين كانت معها وقذفت بالرأس من أعلى الحصن فطفق يتدحرج على سفوحه حتى استقر بين أيدي اليهود الذين كانوا يتربصون في أسفله فلما رأى اليهود رأس صاحبهم قال بعضهم لبعض قد علمنا إن محمدا لم يكن ليترك النساء والأطفال من غير حماة ثم عادوا أدراجهم رضي الله عن صفية بنت عبد المطلب فقد كانت مثلا فذل للمرأة المسلمة ربت وحيدها فأحكمت تربية وأصيبت بشقيقها فأحسنت الصبر عليه واختبرتها الشدائد فوجدت فيها المرأة الحازمة العاقلة الباسلة ثم إن التاريخ كتب في أنصع صفحاته إن صفية بنت عبد المطلب كانت أول مرأة قتلت مشركا في الإسلام صفية أول مرأة قتلت مشركا دفاعا عن دين الله