قصص الأنبياء عليهم السلام صلاة الله عقبها سلام على خير الخلائق أجمعين أولو عزمين مقابهم رفيع ونور للمدات المقدمة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد أخي المستمع الكريم أنظر من حولك تلفت يمينا وشمالا قلب ناظريك في هذا الكون الفسيح ترى خلقا عظيما هذه السماء فوقنا كالسقف الممدود قد حوت بين جنباتها آلاف الملايين من النجوم والكواكب وترا فيها الشمس والقمر يجريان بحساب دقيق لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وهذه الأرض تحتنا ومن حولنا نسلك فيها سبلا فجاجا ما بين جبالها وأوديتها وبحورها وأنهارها وسهلها ووعرها صحار وغابات أشجار مختلفة الألوان والمذاقات وأنواع مختلفة من الحيوانات ولو نظرنا نظرة تأمل بسيطة إلى أنفسنا لرأينا العجب العجاب كيف يعمل هذا الجسد البشري بهذه الدقة العالية قلب ينبض بلا توقف ودم يجري بلا تعثر وسمع وبصر وأعضاء داخلية تعمل بلا أثر لا بد لهذا الخلق من خالق ولا بد لهذا الكون من مالك مدبر وصاحب الفطرة السليمة لا يخفى عليه أن الله سبحانه وتعالى خالق كل شيء سؤيل أعرابي كيف عرفت الله تعالى فقال الأثر يدل على المسير والبعرة تدل على البعير سماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج وبحار ذات أمواج ألا تدل على السميع البصير قال الله تعالى ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولون الله فأنا يؤفكون الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له إن الله بكل شيء عليم ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولون الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون وقال الشاعر تأمل في نبات الأرض وانظر إلى آثار ما صنع المليك عيون من لجين شاخصات بأبصار هي الذهب السبيك على قضو بالزبرجد شاهدات بأن الله ليس له شريك عندما خلق الله الخلق لم يكن ذلك منه عبثا وإنما خلقهم لحكمة سامية وأمر عظيم قال تعالى وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون نعم هذا هو المغزى من خلق الجن والإنس لكي يعبد الله تعالى والعبادة هي كل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة ولكن كيف لنا أن نعرف ما يحب الله ويرضى من الأقوال والأعمال وقبل ذلك كيف لنا أن نعرف من هو الله وما هي أسماؤه وصفاته وبماذا أمرنا وعن ماذا نهانا كيف نتقرب إليه وكيف نتجنب سخطه وعقابه كل هذه الأسئلة وغيرها لا يمكن للعبد الضعيف أن يعرف إجاباتها إلا إذا دله الله عليها لذا كان من رحمة الله تعالى بنا أن أرسل إلينا رسلا يدلونا عليه ويخبرونا عن أسمائه وصفاته وعن ما يحب وما لا يحب ويبلغونا عنه أوامره لنأتمر بها ونواهيه لنجتنبها ويعلمونا كيف نعبده ونحن نقوم بفعله ونضعه على الوجه الصحيح وما جزاء المطيع منا إن أطاع وما جزاء العاصي إن هو عصى لنكون على بينا ولئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل قال الله تعالى رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما ومن منطلق عزته وحكمته سبحانه أن جعل هؤلاء الرسل من البشر عاداتهم كعادة بقية البشر يأكلون ويشربون ويمشون في الأسواق وقد جعل الله في كل أمة من الأمم رسولا يتكلم بلسانهم ليبين لهم رسالة ربهم والحكمة من هذا ظاهرة وذلك ليتمكن الناس من الأخذ عنهم والاقتداء بهم ولو كان الرسل من غير البشر لما حصلت الفائدة من إرسالهم وذلك لاختلاف الخلقة والطباع إذن حاجة الناس إلى الرسل حاجة ملحة بل هي أهم الضروريات وألح الحاجات للبشرية أهم من غذائهم الذي فيه حياة أبدانهم فحاجة الناس إلى الشريعة التي فيها حياة الروح أعظم من حاجتهم إلى الطعام قال ابن القيم رحمه الله منها هنا تعلم اضطرار العباد فوق كل ضرورة إلى معرفة الرسول إلى معرفة الرسول وما جاء به وتصديقه فيما أخبر به وطاعته فيما أمر فإنه لا سبيل إلى السعادة والفلاح لا في الدنيا ولا في الآخرة إلا على أيدي الرسل ولا سبيل إلى معرفة الطيب والخبيث على التفصيل إلا من جهتهم ولا ينال رضى الله البتة إلا على أيديهم فالطيب من الأعمال والأقوال والأخلاق ليس إلا هديهم وما جاءوا به فهم الميزان الراجح الذي على أقوالهم وأعمالهم وأخلاقهم توزن الأقوال والأخلاق والأعمال وبمتابعتهم يتميز أهل الهدى من أهل الضلال فالضرورة إليهم أعظم من ضرورة البدن إلى روحه والعين إلى نورها والروح إلى حياتها فأي ضرورة وحاجة فرضت فضرورة العبد وحاجته إلى الرسل فوقها بكثير وما ظنك بمن إذا غاب عنك هديه وما جاء به طرفة عين فسد قلبك وصارك الحوت إذا فارق الماء ووضع في المقلا فحال العبد عند مفارقة قلبه لما جاء به الرسل كهذه الحال بل أعظم ولكن لا يحس بهذا إلا قلب حي وما لجرح بميت إيلام انتهى كلامه والنبوة والرسالة اختيار واصطفاء من الله تعالى الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس إن الله سميع بصير ولا يحق لأحد الاعتراض على اختيار الله تعالى فهؤلاء الأنبياء والرسل هم أطهر البشر قلوبا وأصدقهم إيمانا وأقواهم عبادة وأذكاهم عقولا وأحسنهم أخلاقا وأكملهم دينا وأقواهم صبرا وأعظمهم رحمة وأكملهم أجساما وأحسنهم صورة وأصدقهم حديثا وهم مع ذلك كغيرهم من البشر يفعلون ما يفعل سائر البشر كالزواج والأكل والشرب ويصيبهم ما يصيب البشر من الأعراض كالمرض والجوع والألم وغير ذلك ومن رحمة الله تعالى لهم ما من أمة إلا خلى فيها نذير من عند الله وكانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء والرسل ويكون أحيانا في القرية الواحدة أكثر من رسول كما قال تعالى في سورة ياسين فكذبوا هما فعززنا بثالث فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون من هنا نعلم أن عدد الأنبياء والرسل كثير وذلك لكثرة من سبقنا من الأمم وكثرة من بعثوا إليهم وقد سأل أبو ذر رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم عدد الرسل فقال جم غفير ثلاثمائة وبضعة عشر واسأله عن عدد الأنبياء فقال مائة وأربعة وعشرون ألف نبي والفرق بين النبي والرسول هو أن النبي هو الذي يوحي إليه الله تعالى بوحي فيخبر بما أوحى الله إليه ويعمل من قبله فإن أرسل مع ذلك إلى قوم أو بلد ليبلغ رسالة الله إليهم أو جاء بشرع جديد من عند الله فهو رسول وعلى هذا فكل رسول النبي وليس العكس ونحن نؤمن على التفصيل بجميع الأنبياء والرسل الذين ذكرهم الله تعالى في كتابه وعشرون نبيا أو جاء ذكرهم في سنة النبي صلى الله عليه وسلم ونؤمن بأن هناك من الأنبياء والرسل غير من عرفنا فنؤمن بهم على الإجمال قال تعالى ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك لا نفرق بين أحد منهم في التصديق ونؤمن بأن بعضهم أفضل من بعض كما قال تعالى تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض وأفضلهم الخمسة أولو العزم وهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام أجمعين وسنأتي على سير من قص الله علينا في القرآن الكريم في هذه السلسلة المباركة إن شاء الله مستلهمين من قصصهم الدروس والعبر بما استطعنا ووفقنا الله إليه فالله تعالى يقول فقصص القصص لعلهم يتفكرون فذكر قصص الأنبياء عبادة ودروس مستفادة ومنهج سوي يسير فيه العارفون بالله وسنذكر بعض الإسرائيليات مما لا حرج بذكره أو فيه فائدة وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج وقال أيضا لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وما أنزل علينا وقبل البدء بذكر قصص الأنبياء الكرام يحسن بنا أن نذكر بعض خصائصهم التي اختصهم الله تعالى بها فمن ذلك أنهم اختصوا بالوحي من الله تعالى وأنهم جميعا من الذكور الأحرار قال تعالى وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى ومن خصائصهم أنهم معصومون من الوقوع في الكبائر وقد يقعون في الصغائر ولكن لا يقرون عليها ولا يداومون بل يقلعون عنها ويستغفرون ويكون حالهم بعد التوبة خيرا من قبلها واختصوا أيضا بأن أعينهم تنام ولا تنام قلوبهم وأنهم لا يحتلمون في المنام وأن لهم دعوة مستجابة وأنهم يخيرون عند الموت وأنهم يقبرون حيث يموتون وأن الأرض لا تأكل أجسادهم وأنهم لا يورثون الأموال ما تركوه يكون صدقة وأن لكل واحد منهم حوضا يوم القيامة ترده أمته وفي دراسة قصص الأنبياء عليه السلام فوائد عديدة من أهمها أخذوا الدروس والعبار من قصصهم كما قال تعالى لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب وفيها تثبيت لقلب النبي صلى الله عليه وسلم وأمته قال تعالى وكلا نقص عليك من أمباء الرسول ما نثبت به فؤادك ولنعلم أن دعوة منع الأنبياء واحدة فهم إخوة لعلات بمعنى أن دينهم واحد وشرائعهم مختلفة والدين عند الله الإسلام ولعل من أهم الفوائد من دراسة قصص الأنبياء هو معرفة أساليبهم في الدعوة وصبرهم على أقوامهم والاقتداء بهم في ذلك كما قال تعالى أولئك الذين هدى الله فبهداهم مقتده نسأل الله تعالى أن يوفقنا في هذه السلسلة المباركة وأن يرزقنا حسن الاستماع وحسن الاتباع والله الموفق والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين كنتم مع قصص الأنبياء