خلاصة مفاهيم أهل السنة صورتان للإنحراف في فهم القدر أولاً، الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي والكفر وقد قال تعالى فيهم سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون فأكذبهم الله في دعواهم تلك وهؤلاء وأمثالهم مكابرون ومتناقضون في دعواهم ولا يمكنهم اضطرادها في كل أمر فلو أساء إليهم مسيء بضرب أو سل بحق ثم احتج عليهم بأن ذلك موجب القضاء والقدر لم يقبلوا منه ذلك بل سيغضبون منه أشد الغضب وسينافحون عن حقهم المسلوب فيا عجباً كيف يحتجون بالقدر على المعاصي وما يسخط الله ولا يرضون من أحد أن يحتج به في مقابلة سخطهم عليه لما يغلط به عليهم ثانياً الجمود والتواكل حيث اتخذ بعض المسلمين في العصور المتأخرة الإيمان بالقدر مبرراً واهياً لعجزهم وانهيارهم ورضاهم بالفساد والمهانة متناسين أن أقدار الله إنما تجري عليهم في الأصل وفق سنن الله الثابتة التي تربط المسببات بأسبابها فكان ذلك العجز والتواكل هو المنفذ الرئيس لتسر بالفكر العلماني إلى واقع الأمة المسلمة وسيطرته على مقاليد الأمور فيها وقد سمى مالك بن نبي هذا العجز وقبول الذل بقابلية الاستعمار وسماه المودودي قابلية الاستعباد ولا شك أن الحق في هذا الأمر يكون كما ذكرنا من قبل في التوازن بين العمل بكل ما في الوسع لدفع المحذور حتى نصل إلى منتهى الاستطاع ثم الاستسلام لما يقدره الله لإيماننا به وهذا يعني فعل الأسباب التي سخرها الله لنا ومدافعة أقدار الله عز وجل بأقداره مادام هناك إمكان للمدافعة كما قال تعالى ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين فإذا لم تجد المدافعة أو لم يكن ذلك في الإمكان فالواجب الصبر على قضاء الله وقدره مع اليقين بأن وراء ذلك خيرا ومصلحة ورحمة ينبغي بذل الجهد في التماسها وتسخيرها للخير والإصلاح وتغيير أحوال الناس بمحاسبة النفوس وإزالة أسباب المصيبة إيمانا بقول الله تعالى إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغير ما بأنفسهم وبهذا يتضح جليا الفرق بين التوكل والتواكل حيث التوكل هو عمل القلب وعبوديته اعتمادا على الله وثقةا به والتجاءا إليه وتفويضا إليه ورضا بما يقضيه مع قيام المرء بالأسباب المأمور بها والتواكل عجز وتعقيل للأسباب وتفريق فيها زعما أنه من التوكل والإيمان بالقدر