بسم الله الرحمن الرحيم يسر جمعية مودة أن تقدم لكم صورا من حياة الصحابة لعبد الرحمن رأفة الباشا رحمه الله ربيد بن مسعود الثقافي رضي الله عنك ها هو ذا خليفة رسول الله أبو بكر الصديق موسدا على فراشه مترقبا قضاء الله فيه بعد أن ثقلت عليه وطأة المرض وها هم أولئ أهل المدينة يترددون على بيت خليفة المسلمين وجلين مشفقين وفيما كان الصديق على حالته هذه دعا خليفته من بعده وقال يا عمر إني لأرجو أن أموت في يومي هذا فإذا أنا مت فلا تصبحن حتى تندب الناس إلى قتال الفرس ثم بعث من يستجيب لك منهم مددا لجيش المسلمين المقاتل هناك ولا تشغلنكم عن أمر دينكم مصيبة مهما جلت ثم ما لبث أن أسلم الروح قبل مغيب شمس ذلك اليوم وارى الفاروق صاحبه التراب ليلة وما إن طلع الصباح حتى كان أول عمر قام به أنه ندب الناس لقتال الفرس ورغبهم في ذلك أشد الترغيب لكنه فوجئ بأنه لم يستجيب له منهم أحد وذلك لشدة خشيتهم من الفرس وكثرة ما سمعوه عن بأسهم وبطشهم فلما كان اليوم التالي دع الناس كرة أخرى فلم يلبه منهم أحد فلما كان اليوم الثالث ندبهم مرة ثالثة فلم ينتدب له منهم أحد فلما كان اليوم الرابع خرج إلى الناس ضيق الصدر كاسف البال ودعاهم إلى قتال الفرس فقام إليه أبو عبيد بن مسعود الثقافي وقال يا أمير المؤمنين لقد سمعنا دعوتك وأطعنا أمرك وأنا أول من يستجيب لك ومع أولادي وأهلي وعشيرتي فانفرجت أسارير عمر رضي الله عنه ودبت الحمية في صدور الرجال فأقبلوا على الانضمام إلى الجيش الغازي في سبيل الله ولما اكتمل جمع المسلمين قال قائل منهم لعمر بن الخطاب ولي على الجيش أحد السابقين إلى الإسلام من المهاجرين أو الأنصار فهم أرفع الناس قدرة وأعظمهم شأنا فقال لا والله إنما رفع قدرهم وعظم شأنهم سبقهم إلى الصالحات ومسارعتهم إلى لقاء أعداء الله فإذا تثاقلوا عن الجهاد في سبيل الله وخف إليه أحد غيرهم كان هو السابق من دونهم والأولى بالرياسة عليهم والله لا أؤمر عليهم إلا أول المسلمين استجابة لداعي الجهاد ثم دعى أبا عبيد بن مسعود الثقفي وعقد له الراية على جيش المسلمين المتوجه لحرب الفرس مضى أبو عبيد بجيشه البالغ خمسة آلاف مجاهد ومعه أخوه وأولاده الثلاثة وزوجته وكان كلما مر بحي من أحياء العرب حضهم على الجهاد ورغبهم في الاستشهاد فما زال الجيش ينمو ويكبر حتى بلغ عشرة آلاف مجاهد وصلت أنباء جيش المسلمين القادم بقيادة أبي عبيد إلى مسامع الفرس فحشدوا جنودهم وعبأوا قواهم وعزموا على أن يضربوا المسلمين ضربة قاضية لا تقوم لهم بعدها قائمة وجعلوا على قيادة جيشهم عظيما من عظمائهم يدعى جابان وجعلوا على ميمنته فارسا من مشاهر فرسانهم يقال له مردان إلتقى الجمعان في النمارق ودارت بينهما رحى معركة طحون أبدى فيها جيش المسلمين بقيادة أبي عبيد من ضروب البسالة والبذل ما زلزل أقدام الفرس وألحق بهم الهزيمة المنكره ومزقهم شر ممزق فوقع جابان قائد الجيش في أسر جندي من جنود المسلمين يدعى مطر بن فضة التيمي ووقع مردان في أسر جندي آخر يدعى أكتل بن شماخ العكلي فقتل أكتل أسيره أما جابان فقد أدرك أن آسره لم يعرف فجعل يتذلل له ويظهر له الضعف والعجز وتقدم السن ويسأله أن يؤمنه على نفسه ويمنيه بما يشاء من العطاء فأشفق عليه مطر وأمنه وأطلق سراحة لكن جابان ما كاد يتخلص من بين يدي آسره حتى عرفه جند المسلمين وقبضوا عليه وأتوا به إلى قائد الجيش أبي عبيد وقالوا هذا جابان قائد جيش الفرس ولقد أمنه أحد جنود المسلمين وهو لا يعرفه ثم أشاروا عليه بقتله فقال والله لا أقتله بعد أن أمنه فالمسلمون كالجسد الواحد ما لزم بعضهم فقد لزمهم جميعا وأطلق سراحة استسلم الجند المنهزمون لأبي عبيد وصالحوه على أن يدفعوا له الجزية وجاءوا له بنفائس الطعام والأخبصة والأخبصة هي نوع من الحلوى فلما وضعوها بين يديه أعرض عنها وقال هل أكرمتم جند المسلمين جميعا بمثل ما تكرمونني به فقالوا إن ذلك لم يتيسر لنا اليوم وسنفعله غدا فقال ارفعوه فلا حاجة لنا به ثم دمعت عيناه وقال بئس المرء أبو عبيد إن هو صحب جنود المسلمين من ديارهم وانتزعهم من بين أهلهم وأولادهم ثم استأثر من دونهم بشي لا والله لا آكل شيئا مما أتيتم به ولا مما أفاء الله به علينا من الغنائم إلا ما يأكل أوسط جندي من جنود المسلمين فرفعوه جمع أبو عبيد الغنائم وكان في جملة ما غنمه نوع من فاخر التمر يدعى النرسيان وذلك نسبة إلى نرسي ابن خالة الملك وإنما نسب إليه لأنه استأثر بزراعته وحضرها على غيره من الناس وكان ملك فارس يخص نفسه بهذا النوع الفريد من التمر فلا يأكله أحد إلا هو وأسرته ومن شاء أن يكرمه بهدية منه فوزعه أبو عبيد على فلاح الفرس الذين كانوا يغرسونه ويجنونه ولا يذوقونه وبعث بخمسه إلى بيت مار المسلمين في المدينة وكتب إلى عمر بن الخطاب يقول إن الله أطعمنا مطاعم كانت الأكاسرة تحميها وتختص بها من دون رعيتها فأحببنا أن تروها يا أمير المؤمنين لتشكر الله تعالى على إنعامه وإفضاله بلغت أنباء الهزيمة المنكرة التي حلت بالفرس مسامع كبيرهم رستم وعرف ما حل بجابان وقائد ميمنته فاستشاط غضبا وكبر عليه أن تنهزم جيوش الفرس المظفرة أمام هذه القلة القليلة من العرب الحفاة العراة فجمع خاصته وقال لهم أي العجم أشد بأسا على العرب فيما ترون فقالوا إنه بهمن ذو الحاجب فقال أصبتم ثم استدعى بهمن وعقد له اللواء على ثمانين ألفا من أشداء المقاتلين وجعل في جيشه عشرين فيلا لم تر العين أضحم منهم ولا أقوى فسار بهمن بهذا الجيش اللجب حتى نزل على شاطئ الفرات الشرقي بالقرب من موقع الكوفة أما أبو عبيد فقد توجه بجنده وعسكر على ضفة النهر المقابلة لمعسكر الفرس فكتب بهمن إلى أبي عبيد يقول إما أن تعبروا إلينا ولا نمد لكم يدا بسوء عند عبوركم وإما أن نعبر إليكم كذلك فقال أبو عبيد لمن حوله لا يكون الفرس أجرأ منا على الموت وعزم على العبور على الرغم من معارضة كثير من رجاله لما عزم عليه وأعلم الفرس بذلك وفي الليلة التي سبقت العبور رأت زوجة أبي عبيد فيما يراه النائم أن رجلا هبط من السماء ومعه إبريق فيه شراب فسقى منه زوجها وآخاه وأولاده الثلاثة فلما قصت رؤياها على أبي عبيد قال لها بشراكي فقد كتبت لي الشهادة أنا وأخي وأولادي ثم وقف في جنده وقال أيها الناس إن قتلت فأمروا عليكم أخي حكما فإن قتل فأمروا ولدي وهبا فإن قتل فأمروا أخاه مالكا فإن قتل فأمروا أخاه جبرا فإن قتل فأمروا المثنبن حارثة الشيباني ثم أمر المسلمين بالعبور فصدعوا بالأمر وطفقوا يتدفقون نحو الشاطئ الشرقي من النهر كما يتدفق السيل وعبروه فوق جسر نصبوه هناك ولما التق الجيشان على أرض المعركة فوجئ المسلمون بالفيلة التي تتقدم جيش الفرس وقد ثبتت على ظهورها ورقابها أغصان كثيفة من سعف النخل وعلقت عليها أجراس كبيرة مجلجلة فبدى كل فيل منها كأنه جبل مشجر يمشي على الأرض فهابها جنود المسلمين الذين لم يكن لهم عهد بها من قبل وأجفلت منها خيولهم فأيقن أبو عبيد بأنه لا بد له من أن يقضي على الفيلة وفرسانها حتى يحقق لجيشه النصر فنادى بجنود المسلمين أن أقبلوا على الفيلة وقطعوا أحزمتها وقلبوا الرجال من فوقها وطعنوها في مقاتلها وهنذا ماض أمامكم وما إن أتم كلامه حتى أقبل على الفيل الأكبر فقطع حزامه وأرض الفارس الذي على ظهره لكن الفيل ما لبث أن ضربه بخرطومه ضربة ألقته على الأرض ثم داس عليه بيديه وصرعه توالى على القيادة من بعد أبي عبيد أخوه الحكم فخر صريعا شهيدا فتلاه ابنه الأكبر فلحق بأبيه وعمه فتلاه ابنه الثاني فلحق بهم أيضا فتلاه ابنه الثالث فآل إلى ما آل إليه أبوه وأخواه وعمه فتحققت رؤيا زوجة أبي عبيد وصح تأويله لها حيث كتبت الشهادة لهم جميعا لم يحقق المسلمون في هذه الواقعة التي دعيت بوقعة الجسر ما كانوا يرجونه من نصر غير أنهم ملأوا قلوب أعدائهم رعبا وشحنوا أفئدتهم رهبة وخوفا ولقد كانت وقعة الجسر حدثا خطيرا كبيرا له ما بعده ذلك أن يوم القادسية الأبلج الأغر لم يكن عن يوم الجسر ببعيد