رياض الصالح من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم باب المراقبة عن أنس رضي الله عنه قال إنكم لتعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر كنا نعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات رواه البخاري وقال الموبقات المهلكات أدق من الشعر يضرب مثلاً للدقة والقلة من فوائد الحديث الاستخفاف بالذنب يدل على قلة الخشية من الله تعالى وهو أمارة نفاق على العكس من استعظامه فإنه يدل على كمال الخشية وعظيم المراقبة لله تعالى في الحديث تحذير من ركون المرء إلى أعماله فيعجب بها ويستخف بالمعاصي فإن محقرات الذنوب تحيط به فيلق الله ولا يقدر على الفكاك منها فتوبقه وتهلكه أعلم الناس بالله تعالى بعد الأنبياء وأكملهم ورعاً وأشدهم خشية هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقد كانوا يرون الأمور التي استهونها غيرهم مهلكات لعظم شهودهم جلال الله وكمال معرفتهم به فهم الصحابة لكتاب الله وسنة رسوله هو المعتبر لأنه سبيل المؤمنين فمن سار على نهجهم نجا ومن حاد هلك وأهلك عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله تعالى يغار وغيرة الله تعالى أن يأتي المرء ما حرم الله عليه متفق عليه والغيرة أصلها الأنفة من فوائد الحديث ينبغي على العبد أن يبتعد عن المعاصي لأنها تسبب غضب الله تعالى الله سبحانه يكره الكفر والفسوق والعصيان عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول إن ثلاثة من بني إسرائيل أبرص وأقرع وأعمى أراد الله أن يبتليهم فبعث إليهم ملكا فأتى الأبرص فقال أي شيء أحب إليك قال لون حسن وجلد حسن ويذهب عني الذي قد قذرني الناس فمسحه فذهب عنه قذره وأعطي لون حسنا قال فأي المال أحب إليك قال الإبل أو قال البقر شك الراوي فأعطي ناقة عشرا فقال بارك الله لك فيها فأتى الأقرع فقال أي شيء أحب إليك قال شعر حسن ويذهب عني هذا الذي قذرني الناس فمسحه فذهب عنه وأعطي شعر حسنا قال فأي المال أحب إليك قال البقر فأعطي بقرة حاملا وقال بارك الله لك فيها فأتى الأعمى فقال أي شيء أحب إليك قال أن يرد الله إلي بصري فأبصر الناس فمسحه فرد الله إليه بصره قال فأي المال أحب إليك قال الغنم فأعطي شاتاً والدا فأنتجها ذاني وولد هذا فكان لهذا واد من الإبل ولهذا واد من البقر ولهذا واد من الغنم ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيئته فقال رجل مسكين قد انقطعت بي الحبال في سفري فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال بعيراً أتبلغ به في سفري فقال الحقوق كثيرة فقال كأني أعرفك ألم تكن أبرص يقدرك الناس فقيراً فأعطاك الله فقال إنما ورثت هذا المال كابراً عن كابر فقال إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت وأتى الأقرع في صورته وهيئته فقال له مثل ما قال لهذا ورد عليه مثل ما رد هذا فقال إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت وأتى الأعمى في صورته وهيئته فقال رجل مسكين وبن سبيل إن قطعت بي الحبال في سفري فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك أسألك بالذي رد عليك بصرك شاتاً أتبلغ بها في سفري فقال قد كنت أعمى فرد الله إلي بصري فخذ ما شئت ودع ما شئت فوالله ما أجهدك اليوم بشئ أخذته لله عز وجل فقال أمسك ما لك فإنما ابتليتم فقد رضي الله عنك وسخط على صاحبيك متفق عليه والناقة العشرى هي الحامل وقوله أنتج وفي رواية فنتج معناه تولى نتاجها والناتج للناقة كالقابلة للمرأة ولد هذا أي تولى ولادتها وهو بمعنى نتج في الناقة فالمولد والناتج والقابلة بمعنى لكن هذا للحيوان وذاك لغيره وقوله إن قطعت بي الحبال أي الأسباب وقوله لا أجهدك معناه لا أشق عليك في رد شيء تأخذه أو تطلبه من مالي وفي رواية البخاري لا أحمدك معناه لا أحمدك بترك شيء تحتاج إليه كما قالوا ليس على طول الحياة ندم أي على فوات طولها أقرع هو من ذهب شعر رأسه من آفة يبتليهم أي يختبرهم قذرني أي كرهني الناس وتباعدوا عني فلا بلاغ البلاغ هو ما يتوصل به إلى الشيء المطلوب كابرا عن كابر أي أبا عن جد من فوائد الحديث جواز التحدث عن الأمم الماضية وبخاصة بني إسرائيل فقد كانت فيهم الأعاجيب وجوب شكر النعم وعدم كفرانها سبب في البركة والنماء فضل الصدقة والحث على الرفق بالضعفاء وإكرامهم وتبليغهم مآربهم من أقبح الصفات البخل فإنه حمل ذينك الشخصين على نسيان نعمة الله تعالى عليهما وجحدها البخل والكذب موجبان لغضب الله تعالى وسخطه كما حصل للأبرص والأقرع الصدق والكرم من الصفات الحميدة وقد اتصف بهما ذلك الأعمى فحمله على الشكر والجود فنال بذلك مرضاة الله تعالى الجزاء عند الله تعالى على ما يظهر من عمل الإنسان وبحسب نيته التوجيه والإرشاد بالقصة لأن تأثيرها أبلغ في النفوس جواز السؤال بالله كما فعل الملك مع الأقرع والأبرص والأعمى البركة إذا حلت في شيء جعلت القليل كثيرا والعكس بالعكس الشكر الخالص لله تعالى يتجلى في اعتراف العبد بفضل الله عليه بقلبه ولسانه وبادرة إلى الإنفاق في سبيل الله قال تعالى لإن شكرتم لأزيدنكم عن أبي يعلى شداد بن أوسر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها لنا على الله الأماني رواه الترمذي قال الترمذي وغيره من العلماء معنا دان نفسه حاسبها الكيس العاقل الحازم العاجز الضعيف التارك لما يجب فعله من فوائد الحديث وجوب الأخذ بالحزم مع النفس ومحاسبتها الاستعداد لما بعد الموت بالعمل الصالح من سار خلف شهوات نفسه ضل وأضل عدم الركون إلى الأمان الكاذبة والأوهام الخادعة فإن الله تعالى يثيب الناس بما عملوا لا بما تمنوا من غير عمل عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من حسن إسلام المر تركه ما لا يعنيه رواه الترمذي من حسن إسلام المر أي من علامة كماله واستقامته تركه ما لا يعنيه أي يترك ما لا يحتاجه ولا ضرورة إليه بحكم الشرع لا بحكم الهوى وطلب النفس من فوائد الحديث على الإنسان أن يشتغل بما فيه صلاحه معاشاً ومعاداً ويعرض عما عدا ذلك مما لا يحتاج إليه ولا ينتفع به بل قد يضره ويؤذيه على الإنسان أن لا يتطفل بشؤون غيره فإن ذلك من كمال الاستقامة على الدين عن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يسأل الرجل فيما ضرب امرأته رواه أبو داود وغيره من فوائد الحديث ينبغي المحافظة على الأسرار التي تكون بين الزوجين لا يسأل الرجل فيما ضرب امرأته لأنه قد يكون لأسباب يستحيا من ذكرها أو مما يجب كتمه ويترك ذلك إلى الزوج وإلى مراقبته لله تعالى إذا رفعت الأمور إلى القضاء وحتاج الأمر إلى السؤال والجواب صح ذلك لإقامة الحق وإصلاح ذات البين رياض الصالحين