بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ حَيَاةُ السَّلَفُ بَيْنَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ التخفي وكتمان الأعمال الصالحة الحرص على الخمول وعدم البروز والظهور عَنْ بُرَيْدَةَ بْنِ الحُصَيْبِ رضي الله عنه قال شَهِدْتُ خَيْبَرُ وَكُنْتُ فِي مَنْ صَعَدَ الثُّلْمَةِ فَقَاتَلْتُ حَتَّى رُؤِيَ مَكَانِي وَعَلَيَّ ثَوْبٌ أَحْمَرٍ فَمَا أَعْلَمُ أَنِّي رَكِبْتُ فِي الْإِسْلَامِ ذَمْبًا أَعْظَمَ عَلَيَّ مِنْهِ أي الشهرة وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا أتى عليه أمداد أهل اليمن سألهم أفيكم أويس بن عامر حتى أتى على أويس فقال أنت أويس بن عامر قال نعم قال من مراد ثم من قرن قال نعم قال فكان بك برص فبرأت منه إلا موضع جرهم قال نعم قال لك والدة قال نعم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن من مراد ثم من قرن كان به برص فبرأ منه إلا موضع جرهم له والدة هو بها بر لو أقسم على الله لأبره فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل فاستغفر لي فاستغفر له فقال له عمر أين تريد قال الكوفة قال ألا أكتب لك إلى عاملها قال أكون في غبراء الناس أحب إلي وكان بشر بن منصور رحمه الله يصلي يوما فأطال الصلاة ورأى رجلا ينظر إليه ففطن له بشر فقال للرجل لا يعجبك ما رأيت مني فإن إبليس قد عبد الله مع الملائكة كذا وكذا وذكر لمسلم ابن يسار رحمه الله قلة التفاته في الصلاة فقال وما يدريكم أين قلبي وعن الأعمش قال كان إبراهيم نخعي رحمه الله يتوقى الشهرة فكان لا يجلس إلى الإسطوانة وكان إذا سئل عن مسألة لم يزد عن جواب مسألته فأقول له في الشيء يسأل عنه أليس فيه كذا وكذا فيقول إنه لم يسألني عن هذا وكان جوابني التميمي يرتعد عند الذكر فقال له إبراهيم النخعي إن كنت تملكه فما أبالي ألا أعتد بك وإن كنت لا تملكه فخالفت من هو خير منك وقال إبراهيم النخعي رحمه الله إن كانوا لا يكرهون إذا اجتمعوا أن يخرج الرجل أحسن ما عنده وقال أيوبن السختياني رحمه الله ذكرت وما أحب أن أذكر وعن إبراهيم ابن أدهم وأيوبن السختياني رحمه الله قال ما صدق الله عبد أحب الشهرة قال الذهبي رحمه الله علامة المخلص الذي قد يحب شهرة ولا يشعر بها أنه إذا عوتب في ذلك لا يحرد ولا يبرئ نفسه بل يعترف ويقول رحم الله من أهدا إلي عيوبي ولا يكن معجبا بنفسه لا يشعر بعيوبها بل لا يشعر أنه لا يشعر فإن هذا داء مزمن وقال سفيان الثوري رحمه الله أحب أن أعرف الناس ولا يعرفوني وقال الحسن كنت مع عبد الله بن المبارك رحمه الله يوما فأتينا على سقاية والناس يشربون منها فدنا منها ليشرب ولم يعرفه الناس فزحموه ودفعوه فلما خرجا قال لي ما العيش إلا هكذا يعني حيث لم نعرف ولم نوقر وقال عبدة بن سليمان المروزي كنا سرية مع ابن المبارك رحمه الله في بلاد الروم فصادفنا العدو فلما التق الصفان خرج رجل من العدو فدعا إلى البراز فخرج إليه رجل فقتله ثم آخر فقتله ثم آخر فقتله ثم دعا إلى البراز فخرج إليه رجل فطارده ساعة فطعنه فقتله فازدحم إليه الناس فنظرت فإذا هو عبد الله بن المبارك وإذا هو يكتم وجهه بكمه فأخذت بطرف كمه فمددته فإذا هو هو فقال وأنت يا أبا عمر ممن يشنع علينا وقال الفضيل بن عياض رحمه الله إن قدرت ألا تعرف ففعل وما عليك إن لم يثن عليك وما عليك أن تكون مذموما عند الناس إذا كنت عند الله محمودا وعن سحنون رحمه الله قال كان بعض من مضى يريد أن يتكلم بالكلمة ولو تكلم بها لن تفع بها خلق كثير فيحبسها ولا يتكلم بها مخافة المباهاة وكان أبو العالية رحمه الله إذا جلس إليه أكثر من أربعة قام فتركهم وقال بشر بن الحارث رحمه الله لا يجد حلاوة الآخرة رجل يحب أن يعرفه الناس وعن الحسن البصري رحمه الله قال إن كان الرجل ليكون فقيه جالسا مع القوم فيرى بعض القوم أن به عيا وما به منعي إلا كراهية أن يشتهر وقال رحمه الله إن كان الرجل لقد جمع القرآن وما يشعر به جاره وإن كان الرجل لقد فقه الفقه الكثير وما يشعر به الناس وإن كان الرجل ليصل الصلاة الطويلة في بيته وعنده الزور وما يشعرون به ولقد أدركنا أقواما ما كان على ظهر الأرض من عمل يقدرون على أن يعملوه في سر فيكون على نية أبدا ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يسمع لهم صوت إن كان إلا همسا بينهم وبين ربهم عز وجل وذلك أن الله تعالى يقول أدعو ربكم تضرعا وخفية وذلك أن الله تعالى ذكر عبدا صالحا فرضي قوله فقال إذ نادى ربه نداء خفية وقال الشافعي رحمه الله لوددت أن الخلق يتعلمون مني ولا ينسب إلي منه شيء وعن حسان بن عطية رحمه الله قال صلاة الرجل عند أهله من عمل السر وقال ابن المبرد رحمه الله أخبرت عن القاضي على الدين بن اللحام أنه قال رحمه الله ذكر لنا مرة الشيخ يعني الحافظ بن رجب رحمه الله مسألة فأطنب فيها فعجبت من ذلك ومن إتقانه لها فوقعت بعد ذلك بمحضر من أرباب المذاهب وغيرهم فلم يتكلم فيها الكلمة الواحدة فلما قام قلت له أليس قد تكلمت فيها بذلك الكلام قال إنما أتكلم بما أرجو ثوابة وقد خفت من الكلام في هذا المجلس كتمان الأعمال الصالحة قال الزبير بن العوام رضي الله عنه من استطاع أن تكون له خبيأة من عمل صالح فليفعل وبكى حذيفة بن اليمان رضي الله عنه في صلاته فلما فرغ التفت فإذا رجل خلفه فقال لا تعلمن هذا أحدا وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه إذا كان يوم صوم أحدكم فليصبح دهينا مترجلا وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة ونحن ستة نفر بيننا بعير نعتقبه فنقبت أقدامنا ونقبت قدماي وسقطت أظفاري وكنا نلف على أرجلنا الخراق فسميت غزوة ذات الرقاع لما كنا نعصب من الخراق على أرجلنا قال أبو بردة وحدث أبو موسى بهذا الحديث ثم كره ذاك وقال ما كنت أصنع بأن أذكره كأنه كره أن يكون شيء من عمله أفشاه وأتى أبو أمامة رضي الله عنه على رجل في المسجد وهو ساجد يبكي في سجوده ويدعو ربه فقال أبو أمامة أنت أنت لو كان هذا في بيتك وكان عمر بن قيس رحمه الله إذا حضرته الركة يحول وجهه إلى الحائط ويقول لجلسائه ما هذا الزكام وكان أيوب استختياني رحمه الله يقوم الليل يخفي ذلك فإذا كان قبيل الصبح رفع صوته كأنه إنما قام تلك الساعة وكان ابن المبارك رحمه الله إذا رقى فخاف أن يظهر ذلك من قام وربما أخذ في حديث آخر وكان حسان بن أبي سنان رحمه الله يحضر مسجد مالك بن دي نار رحمه الله فإذا تكلم مالك بكى حسان حتى يبل ما بين يدي لا يسمع له صوت وقال محمد بن واسع رحمه الله لقد أدركت رجالا كان الرجل يكون رأسه مع رأس امرأته على وسادة واحدة قد بلّ ما تحت خده من دموعه لا تشعر به امرأته ولقد أدركت رجالا يقوم أحدهم في الصف فتسيل دموعه على خده ولا يشعر به الذي إلى جانبه ودخل رجل على إبراهيم النخعي رحمه الله وهو يقرأ في المصحف فغطاه وقال لا يرى هذا أني أقرأ فيه كل ساعة وعن أبي حازم وبشر بن الحارث رحمهم الله قال أكتم حسناتك كما تكتم سيئاتك وعن عبد الله بن داوود الخريبي رحمه الله قال كانوا يستحبون أن يكون للرجل خبيئة من عمل صالح لا تعلم به زوجته ولا غيرها وعن الحسن البصري رحمه الله قال إن كان الرجل ليجلس المجلس فتجيئه عبرته فيردها فإذا خشي أن تسبقه قام وقال أيضا رحمه الله يبن آدم إن لك قولا وعملا وسرا وعلانية وعملك أولى بك من قولك وسرك أولى بك من علانيتك الحذر من تصنع الزهد والخمول وصالح الأعمال عن علقمة رحمه الله قال كنا عند عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فأتي بشراب فقال ناول القوم فقالوا نحن صيام فقال لكني لست بصائم ثم قرأ يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار وقال عبد الله بن المبارك رحمه الله كن محبا للخمول كراهية الشهرة ولا تظهر من نفسك أنك تحب الخمول فترفع نفسك فإن دعواك الزهد من نفسك لأنك تجر إلى نفسك الثناء والمدحة وقال أيوب السختياني رحمه الله ليتق الله رجل فإن زهد فلا يجعلن زهده عذابا على الناس فلأن يخفي الرجل زهده خير من أن يعلنه