بسم الله الرحمن الرحيم يسر جمعية مودة ان تقدم لكم صورا من حياة الصحابة لعد الرحمن رأفة الباشا رحمه الله أبو الدردا رضي الله عنه نهض عويمر بن مالك الخزرجي المكناب أبو الدردا من نومه مبكرا ومضى إلى صنمه الذين صبه في أشرف مكان من بيته فحياه وضمخه بأنفس ما حواه متجره الكبير من الطيب ثم ألقى عليه ثوبا جديدا من فاخر الحرير أهداه إليه بالأمس أحد التجار القادمين عليه من اليمن ولما ارتفعت الشمس غادر أبو الدردا منزله متوجها إلى متجره فإذا شوارع يثرب وطرقاتها تضيق بأتباع محمد وهم عائدون من بدر وأمامهم أفواج الأسرى من قريش فزور عنهم لكنه ما لبث أن أقبل على فتا منهم ينتمي إلى الخزرج وأسأله عن عبد الله بن رواحة فقال له الفتا الخزرجي لقد أبلى في المعركة أكرم البلاء وعاد سالما غانما وطمأنه عليه ولم يستغرب الفتا سؤال أبو الدردا عن عبد الله بن رواحة لما كان يعلم الناس جميعا من أواصل الأخوة التي كانت تربط بينهما ذلك لأن أبو الدردا وعبد الله بن رواحة كانا متآخيين في الجاهلية فلما جاء الإسلام اعتنقه بن رواحة وأعرض عنه أبو الدردا لكن ذلك لم يقطع ما بين الرجلين من وثيق الأواصر إذ ظل عبد الله بن رواحة يتعهد أبو الدردا بالزيارة ويدعوه إلى الإسلام ويرغبه فيه ويأسف على كل يوم يمضي من عمره وهو مشرك وصل أبو الدردا إلى متجره وتربع على كرسيه العالي وجعل يبيع ويشتري ويأمر غلمانه وينهاهم وهو لا يعلم شيئا مما يجري في منزله ففي ذلك الوقت كان عبد الله بن رواحة يمضي إلى بيت صاحبه أبو الدردا وقد عزم على أمر فلما بلغ البيت رأى بابه مفتوحا وأبصر أم الدردا في فنائه فقال السلام عليك يا أمة الله فقالت وعليك السلام يا أخا أبو الدردا فقال أين أبو الدردا فقالت ذهب إلى متجره ولا يلبث أن يعود فقال أتأذنين فقالت على الرحب والسعه وأفسحت له الطريق ومضت إلى حجرتها وانشغلت عنه بإصلاح شأن بيتها ورعاية أطفالها دخل عبد الله بن رواحة إلى الحجرة التي وضع فيها أبو الدردا يصنمه وأخرج قدوما أحضره معه ومال على الصنم وجعل يقطعه وهو يقول ألا كل ما يدعى مع الله باطل ألا كل ما يدعى مع الله باطل فلما فرغ من تقطيعه غادر البيت دخلت أم الدردا إلى الحجرة التي فيها الصنم فصعقت حين رأته قد غدا أجذاذا ووجدت أشلاءه مبعثرة على الأرض وجعلت تلط مخديها وهي تقول أهلكتني يا بن رواحة أهلكتني يا بن رواحة لم يمضي غير قليل حتى عاد أبو الدردا إلى منزله فرأى مرآته جارسة عند باب الحجرة التي فيها الصنم وهي تبكي وتنشج وعلامات الخوف منه بادية على وجهها فقال ما شأنك قالت أخوك عبد الله بن رواحة جاءنا في غيبتك وصنع بصنمك ما ترى فنظر إلى الصنم فوجده حطاما استشاط غضبا وهم أن يثأر له لكنه ما لبث قليلا حتى هدأت ثائرته وسكت عنه غضبه ففكر فيما حدث ثم قال لو كان في هذا الصنم خير لدفع الأذى عن نفسه ثم انطلق من توه إلى عبد الله بن رواحة ومضى ياما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعلن دخوله في دين الله كان آخر أهل حيه إسلاما آمن أبو الدرداء منذ اللحظة الأولى بالله ورسوله إيمانا خالط كل ذرة في كيانه وندم ندما كبيرا على ما فاته من خير وأدرك إدراكا عميقا ما سبقه إليه أصحابه من فقه لدين الله وحفظ لكتاب الله وعبادة وتقوى ادخروهما لأنفسهم عند الله وزم على أن يستدرك ما فاته بالجهد الجاهد وأن يواصل كلال الليل بكلال النهار حتى يلحق بالركب ويتقدم عليه فانصرف إلى العبادة صرافة متبتل وأقبل على العلم إقبال ضمآن وأكب على كتاب الله يحفظ كريماته ويتعمق فهم آياته ولما رأى التجارة تنغص عليه لذة العبادة وتفوت عليه مجالس العلم تركها غير متردد ولا آسف وقد سأله في ذلك سائل فأجاب لقد كنت تاجرا قبل عهدي برسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أسلمت أردت أن أجمع بين التجارة والعبادة فلم يستقم لي ما أرد فتركت التجارة وأقبلت على العبادة والذي نفس أبي الدرداء بيده ما أحب أن يكون لي اليوم حانوت على باب المسجد فلا تفوتني صلاة مع الجماعة ثم أبيع وأشتري فأربح كل يوم ثلاثمائة دينار ثم نظر إلى سائله وقال إني لا أقول إن الله عز وجل حرم البيع ولكني أحب أن أكون من الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله لم يترك ابو الدرداء التجارة فحسب وإنما ترك الدنيا وأعرض عن زينتها وزخرفها واكتفى منها بلقمة خشنة تقيم صلبة وثوب صفيق يستر جسده فقد نزل به جماعة في ليلة شديدة القر قاسية البرد فأرسل إليهم طعاما ساخنا ولم يبعث إليهم باللحف فلما هموا بالنوم جعلوا يتشاورون في أمر اللحف فقال واحد منهم أنا أذهب إليه وأوكلمه فقال له آخر دعه فأبى ومضى حتى وقف على باب حجرته فرآه قد اضطجع وامرأته جالسة قريبا منه ليس عليها وعليه إلا ثوب خفيف لا يقي من حر ولا يصون من برد فقال الرجل لابو الدرداء لا راك بتة إلا كما نبيت نحن أين متاعكم فقال لنا دار هناك نرسل إليها تباعا كل ما نحصل عليه من متاع ولو كن استبقينا في هذه الدار شيئا منه لبعثنا به إليكم ثم إن في طريقنا الذي سنسلكه إلى تلك الدار عقبة كأودة المخف فيها خير من المثقل فأردنا أن نتخفف من أثقالنا علنا نجتاز ثم قال للرجل أفهمت فقال نعم فهمت وجزيت خيرا وفي خلافة الفاروق رضوان الله عليه أراد من أبو الدرداء أن يلي له عملا في الشام فأبى فآصر عليه فقال إذا رضيت مني أن أذهب إليهم لأعلمهم كتاب ربهم وسنة نبيهم وأصلي بهم ذهبت فرضي منه عمر بذلك ومضاه إلى دمشق فلما بلغها وجد الناس قد أولعوا بالترف وانغمسوا في النعيم فهاله ذلك ودع الناس إلى المسجد فاجتمعوا عليه فوقف فيهم وقال يا أهل دمشق أنتم الإخوان في الدين والجيران في الدار والأنصار على الأعداء يا أهل دمشق ما الذي يمنعكم من مودتي والاستجابة لنصيحتي وأنا لا أبتغي منكم شيئا فنصيحتي لكم ومؤنتي على غيركم ما لأرى علماءكم يذهبون وجهالكم لا يتعلمون وأراكم قد أقبلتم على ما تكفل لكم به الله عز وجل وتركتم ما أمرتم به ما لأراكم تجمعون ما لا تأكلون وتبنون ما لا تسكنون وتؤملون ما لا تبلغون لقد جمعت الأقوام التي قبلكم مؤملت فما هو إلا قليل حتى أصبح جمعهم بورا وأملهم غرورا وبيوتهم قبورا هذه عاد يا أهل دمشق قد ملأت الأرض مالا وولدا فمن يشتري مني تركة عادني اليوم بدرهمين فجعل الناس يبكون حتى سمع نشيجهم من خارج المسجد ومنذ ذلك اليوم طفق أبو الدردائي أم مجالس الناس في دمشق ويطوف بأسواقهم فيجيب السائل ويعلم الجاهل وينبه الغافل مغتنما كل فرصة مستفيدا من كل مناسبة فها هو ذا يمر بجماعة قد تجمهروا على رجل وجعلوا يضربونه ويشتمونه فأقبل عليهم وقال مالخبر قالوا رجل وقع في ذنب كبير قال أرأيتم لو وقع في بئر أفلم تكونوا تستخرجونه منه قالوا بلى قال لا تسبوه ولا تضربوه وإنما عضوه وبصروه واحمدوا الله الذي عافاكم من الوقوع في ذنبه قالوا أفلا نبغضه قال إنما أبغض فعله فإذا تركه فهو أخي فأخذ الرجل ينتحب ويعلن توبته وهذا شاب يقبل على أبي الدرداء ويقول أوصني يا صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول له يا بني اذكر الله في السراء يذكرك في الضراء يا بني كن عالما أو متعلما أو مستمعا ولا تكن الرابع فتهلك أي الجاهل يا بني ليكن المسجد بيتك فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول المساجد بيت كل تقي وقد ضمن الله عز وجل لمن كانت المساجد بيوتهم الروح والرحمة والجواز على الصراط إلى رضوان الله عز وجل وهؤلاء جماعة من الشبان جلسوا على الطريق يتحدثون وينظرون إلى المارين فيقبل عليهم ويقول يا بني صومعة الرجل المسلم بيته يكف فيه نفسه وبصره وإياكم والجلوس في الأسواق فإنه يلهي ويلغي وفي أثناء إيقامة أبي الدرداء بذمشق بعث إليه واليها معاوية بن أبي سفيان يخطب ابنته الدرداء لابنه يزيد فأبى أن يزوي جهاله وأعطاها لشاب من عامة المسلمين رضي دينه وخلقه فسار ذلك في الناس وجعلوا يقولون خطب يزيد بن معاوية بنت أبي الدرداء فرده أبوها وزوجها لرجل من عامة المسلمين فسأله سائل عن سبب ذلك فقال إنما تحريت فيما صنعته صلاح أمر الدرداء فقال وكيف فقال ما ظنكم بالدرداء إذا قام بين يديها العبيد يخدمونها ووجدت نفسها في قصور يخطف لألاؤها البصر أين يصبح دينها يومئذ وفي خلال وجود أبي الدرداء في بلاد الشام قدم عليهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب متفقدا أحوالها فزار صاحبه أبو الدرداء في منزله ليلة فدفع الباب فإذا هو بغير غلق فدخل في بيت مظلم لا ضوء فيه فلما سمع أبو الدرداء حسه قام إليه ورحب به وأجلسه وأخذ الرجلان يتفاوضان الأحاديث والظلام يحجب كل منهما عن عيني صاحبه فجس عمر اساد أبي الدرداء فإذا هو برذعه أي كساء يلقى على ظهر الداب وجس فراشة فإذا هو حصى وجس دثارة فإذا هو كساء رقيق لا يفعل شيئا في برد دمشق فقال له رحمك الله ألم أوسع عليك ألم أبعث إليك فقال له أبو الدرداء أتذكر يا عمر حديثا حدثناه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وما هو قال ألم يقل ليكن بلاغ أحدكم من الدنيا كزاد راكب قال بلى قال فماذا فعلنا بعده يا عمر فبكى عمر وبكى أبو الدرداء وما زال يتجاوبان بالبكاء حتى طلع عليهم الصبح ظل أبو الدرداء في دمشق يعيض أهلها ويذكرهم ويعلمهم الكتاب والحكمة حتى أتاه اليقين فلما مرض الموت دخل عليه أصحابه فقالوا ما تشتكي ذنوبي قالوا وما تشتهي قال عفو ربي ثم قال لمن حوله لقنوني لا إله إلا الله محمد رسول الله فما زال يرددها حتى فارق الحياة ولما لحق أبو الدرداء بجوار ربه رأى عوف بن مالك الأشجعي فسيح الأرجاء وارف الأفياء فيه قبة عظيمة من أدم حولها غلم رابضة لم ترى العين مثلها قط فقال لمن هذا فقيل له لعبد الرحمن بن عوف فطلع عليه عبد الرحمن من القبة وقال له يبن مالك هذا ما أعطان الله عز وجل ولو أشرفت على هذه الثنية لرأيت ما لم تر عينك وسمعت ما لم تسمع أذنك ووجدت ما لم يخطر على قلبك فقال ابن مالك ولمن ذلك كله يا أبا محمد فقال أعده الله عز وجل لأبو الدرداء لأنه كان يدفع عنه الدنيا بالراحتين والصدر عبد الرحمن بن عوف