أيها المسلمون في يومٍ من الأيامِ قابلتُ رجلاً فسلَّمتُ عليه ثم سألتُه عن أحوالِه وأحوالِ أبنائِه فتنهَّدَ قليلاً وقد بدَى عليه الهمُّ والحُزنُ الشديد ثم قال إن الأبناءَ يكبُرون ويكبُرُ همُّهم معهم ثم انصرفَ محزوناً وكأن الأرضَ قد ضاقت عليه بما رحُبت فأيُّ مودَّةٍ وأيُّ همٍّ يحمِله هذا الوالدُ لولدِه تذكَّرتُ حينها قولَ يعقوب عليه السلام حينما فقدَ يوسف وتولَّى عنهم وقال يا أسفا على يوسف وبيضَّت عيناه من الحُزن فهو كظيم وقلت في نفسي لو أن كل والدٍ حيًّا كان أو ميِّتًا كتب إلى ولدِه رسالة فماذا عساه أن يقول إنها رسالة وليست كأي رسالة رسالةٌ من أوسط أبواب الجنة يا جنة الرحمن لست رخيصةً بل أنت غاليةٌ على الكسلان هاك بابٌ من أبوابها فلا تُغلِقه فتبوء بالخُسران وكيف تُغلِقه وتدعي عقلاً أتُغلِق أوسط أبواب الجنان نعم إنه هو فرعني سمعك ولا تكن غافلاً أو متواني الأب والوالد أوسط أبواب الجنة من في رضاه رضى الرحمن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رضى الربي في رضى الوالد وسخط الربي في سخط الوالد رسالةٌ من أبيك نعم إنه الأب كلمةٌ قليلةٌ حروفها عظيمةٌ في عطائها وشعورها الأب والوالد لا توفيه العبارات ولا ترفعه الكلمات ولا تجازيه القصائد مهما بلغت من الثناء والمحامد الوالد هو السند إن مال عليك الأنام وهو المعين إن أساءت لك الأيام وجوده وحياته حياة وقسوته وإرشاده نجاه الوالد هو المرب والموجه دون تقصير وهو الباذل والكريم عليك دون بخل أو تقتيل يأخذ من نفسه ليعطيك ويقطع من جسده ليفديك وإن لم يعطك ما تتمنى فقد وهبك كل ما وجد وتعنا إنها رسالة مدادها ليس حبرا إنما مدادها دمع العيون دمع العيون دمع العيون إنها رسالة مني إليك يا ولدي رسالةٌ من والدِك كتبتُها وصَطَّرتُها على العُمر الذي قضيتَه معي نعم يا ولدِي إنها رسالةٌ مني إليك فأرعي لها سمعك وأحضِر لها قلبك عَلَّها تجِد لها في قلبك مهبطًا يا ولدِي إني أناديك فاسمعني إني أناشِدُك فلا تردَّني كنتُ من أسعَدِ الناس عندما جاءَني خبرُ حمل أمكَ لك وكنتُ أبذُلُ قُصارَ جُهدِي مع أمكَ كي لا يُصيبَكَ مكرُوه يا ولدِي لا تحتاجُ إلى علاجٍ أو إلى مُستشفى إلا وأفزَع حتى ولو من أعزِّ نومِي كنتُ أعدُّ الأيامَ والليالِي وأنتظِر متى تخرُجُ إلى الدنيا وتقرُّ بك عينِي وعندما خرجت كانت أسعَد لحظات عُمُري أنظُرُ إليكَ وكأنِّي أنظُرُ إلى نفسِي وكيف لا وأنتَ بِضعةٌ مِنِّي تكبرُ ويكبرُ معكَ أمَلِي صحيحٌ يا ولدِي أنَّ والدتك هي التي تُطعِمُك ولكن أنا الذي أسعى في النهار وأكدَح لأُوفِّرَ لك ولأمكَ هذا الطعام صحيحٌ يا ولدِي أنَّ والدتك هي التي كانت تُبدِّلُ لك ملابِسَك ولكن من الذي دفعَ قيمةَ تلك الملابِسَ يا ولدِي إنه أنا من كدِّي وتعبِي يا ولدِي كنتَ تنامُ في أحضان أمِّكَ قريرَ العين فمن ذا الذي يا طرى وفَّرَ لك هذا المنزلَ بكلِّ ما فيه ومن الذي وفَّرَ لك الأمانَ حتى تنامَ قريرَ العين يا ولدِي إن قسوتُ عليكَ فلا تلُمني فإني أريد أن تكونَ رجلاً على دينٍ وخُلُق يرضى بسببكَ عنِّي ربِّي وترفعُ رأسي في الدنيا يا ولدِي يا ولدِي لا تلُمني على ضربِي لك فخطأُك عندي كبير وأريد أن تكونَ صالحًا وصلِحًا من بعدِي فلا تلُمني على ضربِك يا ولدِي يا ولدِي لا أتمنَّى أحدًا أن يكونَ أفضلَ منِّي إلا أنت نعم إلا أنت بل هي أمنيتي أن تُصبح أفضلَ منِّي يا ولدِي إن كانت الجنةُ تحت أقدام أمك فأنا أوسطُ أبواب الجنة ألم تسمع إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الوالد أوسطُ أبواب الجنة فأضِع ذلك البابَ أو احفظْه يا ولدِي ألم تسمع قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الحسن ثلاثُ دعواتٍ مُستجاباتٍ لا شكَّ فيهٍ دعوةُ الوالد ودعوةُ المُسافِر ودعوةُ المظلوم يا ولدِي تكبرُ وتكبرُ وتكبرُ الأمانيُّ في عينِي أن أراكَ رجلًا صالحًا نافِعًا لدينِكَ ولأمَّتِك يا ولدِي رقَّ عظمِي وشابَ شعري وكلُّ ما أتمنَّى أن تكون بارًّا بي يا ولدِي تعبتُ في تربيتِك كي تكونَ رجلاً فلا تتخلَّى عني عندما تصبحُ رجلاً يا ولدِي كنت في صغرِك لا أفتُرُ عن رعايتِك وإرشادِك لكل ما تريده من خيرَي الدنيا والآخرة فلا تُقصِّر في رعايتِي في كبري يا ولدِي كنتَ صغيرًا عاجزًا عن حمايةِ نفسِك فتحتَمِي بي فالآن أريدُك أن تكونَ بجانبِي كنتَ لا مالَ لك أنسِيت أنسِيت الأموال التي أخذتَها مني وكنتَ تتحايلُ في أخذها يا ولدِي إن أخزتُ شيئًا منك أو أعطيتَني شيئًا من مالك فلا تمنُ علي فلا تمنُ علي يا ولدِي ألم تسمع إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم أنت ومالك لأبيك ألم تعلم يا ولدِي أنه لا يجوز لأحدٍ أن يعطيَ عطيَّةً ثم يرجع فيها إلا الوالد إلا الوالد فيما يعطي ولدَه كما جاء ذلك في حديث النبي صلى الله عليه وسلم والحديث صحيح يا ولدِي كلُّ ما أجمعه وكلُّ ما أحصله من الدنيا سيكونُ يوماً ما ميراثًا لك فلا تبخَل عني بمالِي يا ولدِي فلا تبخَل عليّ بمالِي يا ولدِي يا ولدِي إن أنا مِتُّ فأحسِن غسلِي وأسرِع في دفنِي إن كنتَ قريبًا منّي وإن كنتَ بعيدًا عنّي فأكثر لي الدعاء يا ولدِي إن أثقَلَك حملي فتذكَّر تلك السناوات حين كنتُ أُلاعِبُك وأحمِلُك على ظهري يا ولدِي إن ضايقَكَ الغبارُ وأنتَ تهلُّ الطُّرابَ عليّ في قبري فتذكَّر كم مرَّةً مسحتُ الطُّرابَ عنكَ بيدي يا ولدِي كنتَ صغيرًا عاجزًا تحتاجُ إلى رعايةِي وبذلِي وجهدِي فأنا في قبري عاجزٌ عن تحصيلِ الحسنات فلا تحرِمني إياها فأنتَ أملي ألم تسمع قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح إذا ماتَ ابن آدم إن قطعَ عملُه إلا من ثلاث صدقةٍ جارية أو علمٍ ينتفعُ به أو ولدٍ صالحٍ يدعو له فكن ذلك الولدُ الصالحُ يا ولدِي يا ولدِي إن أجبرتُك على حفظ كتاب الله فعلم أنني أريدُ الخيرَ لك كما أريدُه لنفسي ألم تسمع قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الحسن إن الوالدان يُكسيان حُلَّتان لا تقوم لهم الدنيا فيقولان بما كُسِينا هذا فيُقال بأخذ ولدِكم القرآن فلا تحرِمني ذلك الفضُّ يا ولدِي ولا تلُمني على إجبارِك لحفظ كتاب الله فإنما أردتُ لك الخير في الدنيا والآخرة أيها العاط لو أكرمَك شخصٌ يومًا لأثنيتَ على حُسن صنيعِه وجميلِه فأين الجزاءُ والوفاءُ لأبيك عجبًا لقلوبِنا كيف ننامُ مِل أجفونِنا ونضحكُ مِل أأفواهِنا ونصاحِبُ من نشاء وقتَ ما نشاء ونصلُهم ونتقرَّبُ إليهم ونتودَّدُ لهم بالعطاء ونتقرَّبُ إليهم بأجمل الكلمات والهدايا ونحنُ لأقرب الأقربين عاقون ولحقوقهم مُفرِّطون ولهم مُضيِّعون ولأوامر ربِّنا مُعرِضون قدَ الله أن يُحرِّمَ الجنةَ على العاق قدَ الله أن لا ينظرَ للعاق يوم القيامة ولا يقبلُ منه صرفًا ولا عدلًا يا من تتقرَّبُ إلى أصدقائك وأنتَ عند والدِك كحجارة أو أشدُّ قسوة وإن من الحجارة لما يتفجَّرُ منها الأنهار وإن منها لما يهبطُ من خشية الله أتدعي عقلًا وأنتَ كالحجارة عند والدِك يا من نسيتَ والدَك يا من أشغلتك الدنيا عن والدِك اتقِ اللَّه اتقِ اللَّه اتقِ اللَّه في والدِك اتقِ النار اتقِ النار اتقِ النار فإن قعرها بعيد وحرها شديد اتقِ النار اتقِ اللَّه في والدِك حيًّا كان أو ميت فإن الجزاء من جنس العمل أفق يا ولدِي فإن السنوات طمضي ثم تصبح أبًا شيخًا وستكتب رسائل لولدِك بدموعٍ مثل ما كتبت لك إلى ديان يوم الدين نمضي وعند الله تجتمع الخصوم وعند الله تجتمع الخصوم أطِع الإله كما أمر واملأ فؤادك بالحذر وأطِع أباك فإنه رباك في عهد الصغر واخضع له ورضه فعقوقه إحذى القبر يا ولدي آخر ما أحب أن أقوله أنا لك الأب ليس مطلوبًا منه أن يعاملك كما تحب ولكن الله أمرك أن تعامله بما يحب اللهم ارزقنا بر آبائنا اللهم ارزقنا بر آبائنا أحياً وأمواتا اللهم ارزقنا بر آبائنا أحياً وأمواتا