نسيم السحر في القناعة سعادة النفس تفيد على صاحبها السعادة أو الشقاء وتكسوه الراحة أو العناء ولكن الإنسان نفسه هو أساس هذه النتيجة النهائية فإن ربى نفسه وجاهدها حتى استقامت على طريق الخير والرضى غدا سعيدا وإن أهملها وأعطاها مناها وأرسلها تسوم في مراتع الشهوات أضحى شقيا إن النفس بطبعها تتوق إلى الإكثار من مطالب الهوى وتحب كثيرا ركوب أمواج المنا ولا تقنع باليسير وترضى بالقليل فمن تركها كذلك أوصلته إلى فقر الحاجة التي لا غاية لغناها وهناك يلقى ضروب الشقاء ولو صار لديه ما ليس عند غيره من العطايا غير أن العاقل من البشر من يأخذ بخطامها فيرسله حيث يحمد الإرسال ويمسكه حيث يحمد الإمساك ويجاهدها حتى تلقي إليه بزمامها وهذا يربيها على القناعة والرضى بالقسم قال الشاعر والنفس راغبة إذا رغبتها وإذا ترد إلى قليل تقنع وقال الآخر والنفس كالطفل إن تهمله شب على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطمي فاصرف هواها وحاذر أن توليه إن الهوى ما تولى يصمي أو يصمي فمن نجح في مجاهدة نفسه فقد ركب البحر الخضم واستطاع تجاوز أهواله إلى مرافئ السعادة والحياة الطيبة إن كثيرا من الناس يشعرون بشقاء عات يعصف في نفوسهم اسمه شقاء الطمع واللهث وراء الأمان وذلك حين يعتقدون أنهم لم ينالوا ما يستحقون متى رأوا أو سمعوا أن ناسا أعطوا أكثر منهم فكم من إنسان يعيش حالة الشقاء لأن فلانا أكثر منه مالا أو أحسن جمالا أو أكثر أولادا أو أجمل زوجه أو أوسع دارا أو أرفع جاها أو أكثر مواهبة وإبداعا أو أكثر علما أو أحسن قبولا بين الناس ومن نسل شقاء هذه الأطماع تولد المعاصي كالاعتراض على الله والكراهية والحسد والاعتداء فإذا أردت أيها الإنسان أن تعيش سعيدا فاخلع عنك ثوب الطمع وارتدي حلة القناعة وبذلك ستجبى إليك ثمارات كل شيء يريحك فالحياة الطيبة ثمرة من ثمرات القناعة قال تعالى من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة وقد فسر علي بن أبي طالب رضي الله عنه والحسن البصري رحمه الله الحياة الطيبة بالقناعة قال بعض الحكماء وجدت أطول الناس غمًا الحسود وأهنأهم عيشًا القنوع وأصبرهم على الأذى الحريص إذا طمع وأخفضهم عيشًا أرفضهم للدنيا والفلاح ثمرة طيبة من ثمرات القناعة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنعه الله بما آتاه والغنى النفسي ثمرة أخرى للقناعة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس قال الشاعر هي القناعة فالزمها تعش ملكا لو لم يكن منك إلا راحة البدن وانظر لمن ملك الدنيا بأجمعها هل راح منها بغير القطن والكفني وقال الشافعي رحمه الله رأيت القناعة رأس الغنى فصرت بأذيا لها ممتسك فلا ذا يراني على بابه ولا ذا يراني به منهمك فصرت غنيا بلا درهم أمر على الناس شبه الملك على أننا بعد هذا نقول ينبغي لنا أن نفهم القناعة في سياقها الصحيح حتى لا تلتبس القناعة بالخمول وبرود الهمة والرضى بالدون فلا يعارض القناعة أن يسابق المرء في مجالات الخير الديني والدنيوي ويسعى إلى التفوق فيها فقنع ولكن لا يمنعك ذلك أن تكون أكثر علما ومالا وأرفع جاها وشأنا فالقناعة التي تعد سرا من أسرار السعادة هي أن تغرس في نفسك الرضا بما قسم الله لك وترك السخط على ما أعطيت وعدم لاستشراف إلى ما عند الناس والبعد عن الحسد والكراهية والأذى لهم بسبب نعمة الله عليهم وثمرة هذا الغرس ستكون سعادة تملأ قلبك وتشرح صدرك وتضيء خاطرك وتحببك إلى الناس وتحبب الناس إليك