بسم الله الرحمن الرحيم مختصر كتاب رمضان أحداث وعبر ميلاد بن الجزري الزمان بعد صلاة التراويح من ليلة السبت الخامس والعشرين من رمضان سنة واحد وخمسين وسبعمائة للهجرة من الخير العظيم الذي ناله الناس قبل مجيئ زماننا هذا سهولة التنقل بين الأقطار وحرية التردد في البلدان والأمصار رغم عسر وسائل المواصلات ومشقة الوصول إلى الغاية عبرها فلم تكن هناك موانع وحدود ولا قوانين سائدة تمنع من دخول ذلك البلد والإقامة فيه ولذلك جاب العلماء وغيرهم أرجاء الدنيا وطوفوا بين مشارقها ومغاربها يتعلمون ويعلمون وينفعون وينتفعون ويستقرون حيث ما شاءوا ولا شك أن تنقل الإنسان في بيئات متعددة ومجتمعات مختلفة يكسبه تنوعا في المعرفة واتساعا في الثقافة واكتمالا في الشخصية وإضافات متنوعة من الخبرات فإلى عقله يضيف عقولا وأي لا تجربته يضم تجارب أخرى ولهذا كان تعدد المشايخ عند المحدثين من أوصاف المدح وذلك يأتي بالرحلة والتنقل وقد ذكروا في ذلك أرقاما تميز بها بعض الرواه فالخطيب البغدادي في كتابه الجامع لأخلاق الراوي وأداب السامع ساق جملة من المحدثين الذين لهم شيوخ كثر ثم جاء العراقي فقال وقد وصف بالإكثار من الشيوخ سفيان الثوري وأبو داوود الطيالسي ويونس بن محمد المؤدب ومحمد بن يونس الكديمي وأبو عبد الله بن مندة والقاصم بن داوود البغدادي روينا عنه قال كتبت عن ستة آلاف شيخ ثم جاء السخاوي وأضاف إلى هؤلاء عددا آخر ممن زاد مشايخهم على ألف شيخ وقد مر معنا في هذا الكتاب أخبار بعض الذين طافوا في بلاد شتاء كأحمد بن حنبل بل إن بعضهم سجل أخباره في رحلاته في مصنف منفرد فكان ذلك إضافة جيدة للمكتبة العلمية أبقتها لنا تلك الحقبة الزمنية فكم من عالم أو أديب أو مؤرخ ألفع رحلته كتابا رقم فيه من عجائب البلدان وأخبار من لقيهم أشياء كثيرة ومن العلماء الذين كان لهم حظ من التطواف في البلدان العلامة المقرء ابن الجزري اسم ابن الجزري ونسبه ومولده رحمه الله هو الحافظ الإمام المقرء شمس الدين محمد بن محمد بن محمد ابن علي بن يوسف شمس الدين أبو الخير العمري الدمشقي ثم الشيرازي الشافعي المعروف بابن الجزري نسبة إلى جزيرة ابن عمر قرب الموصل كان أبوه تاجرا فمكث أربعين سنة لا يولد له ولد ثم حجا فشرب ماء زمزم بنية أن يرزقه الله ولدا عالما فولد له صاحب الترجمة بعد صلاة التراويح من ليلة السبت الخامس والعشرين من رمضان سنة واحد وخمسين وسبعمائة للهجرة داخل خط القصاعين ابن السورين بدمشق نشأته العلمية ترب ابن الجزري رحمه الله تربية علمية وألهمه الله العناية التامة بالقرآن وعلومه منذ وقت مبكر خاصة علم القراءات حيث أقبل بهمته العالية وذهنه الوقاد ينهل من منابع العلم ويجلس بين أيدي المشايخ ويملأ حافظته بالمحفوظات النافعة فبدأ في دمشق بحفظ القرآن وأكمله سنة أربع وستين وصلّى بالناس به في التي بعدها وحفظ التنبيه وغيره وأخذ القراءات إفرادا عن عبد الوهاب بن السلّار وجمعا على أبي المعال بن اللبّان وحجّ في سنة ثمان فقرآها على أبي عبد الله محمد بن صلح خطيب طيبة وإمامها ودخل في التي تليها القاهرة فأخذها عن أبي عبد الله بن الصائغ والتق البغدادية في آخرين بهذه الأماكن وغيرها واشتد اعتناؤه بها وسمعا على بقايا من أصحاب الفخر بن البخاري وجماعة من أصحاب الدمياطي والأبرقوهي في آخرين بدمشق والقاهرة وإسكندرية وغيرها ومن شيوخه ابن أميلة وابن الشيرجي وابن أبي عمر وإبراهيم بن أحمد بن فلاح والعماد بن كثير وأبو الثناء محمود المنيجي والكمال بن حبيب والتق البغدادية المشار إليه ومن أهل إسكندرية البهاء عبد الله الدماميني وبن موسى ومن أهل بعلبك أحمد بن عبد الكريم وجد في طلب الحديث بنفسه وكتب الطباق وأخذ الفقهة عن الأسنوي والبلقيني والبهاء السبكي وأخذ الأصول والمعاني والبيان عن الضياء القرمي والحديث عن العماد بن كثير والعراقي واشتد شغفه بالقراءات حتى جمع العشر ثم الثلاث عشرة وتصدى للإقراء بجامع بني أمية وظائفه ورحلاته رحمه الله لقد لهج ابن الجزري بالنقلة في البلدان للتعلم والتعليم والتجارة وفي بعض البلاد التي كان ينزلها يعرف الناس قدره فيتولى بعض وظائفها وقد ابتدأ أعماله في الشام قبل غيرها فإنه عمر مدرسة للقراء سماها دار القرآن وأقرأ الناس فيها وعين لقضاء الشام مرة وكتب توقيعه عماد الدين بن كثير ثم عرض عارض فلم يتم ذلك وأذن له غير واحد بالإفتاء والتدريس والإقراء بالعادلية ثم مشيخة دار الحديث الأشرفية ثم مشيخة تربة أم الصالح بعد شيخه بن السلار وعمل فيه إجلاسا بحضور الأعلام كالشهاب بن حجر وقال كان درسا جليلا وباشر للأمير قطلوبك وسافر بسبب ذلك لمصر غير مرة وولي من برقوق خطابة جامع التوتة عن الشهاب الحسباني وتنازع ثم قسمت بينهما ثم ولي تدريس الصلاحية القدسية في سنة 95 عوضا عن المحب بن البرهان بن جماعة فدام فيها إلى ابتداء سنة 97 ووقع بينه وبين قطلوبك المذكور أمور وادعى عليه أنه صرف أموالا في غير مستحقها وعقد له بسبب ذلك عدة مجالس ففر منه فدخل بلاد الروم سنة 98 و700 للهجرة واتصل بالسلطان بايزيد خان فأكرمه وعظمه فنشر هناك علم القراءات والحديث وانتفعوا به فلما دخل تيمور لنك بلاد الروم أخذه معه إلى سمرقند فأقام بها ناشرا للعلم وكان وصوله إليها سنة 85 و800 للهجرة وحكى صاحب الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية أن صاحب الترجمة لما وصل هو وتيمور إلى سمرقند عمل تيمور هناك وليمة عظيمة وجعل على يساره أكابر الأمراء وعلى يمينه العلماء فقدم صاحب الترجمة على سيد شريف الجرجاني فعوتب في ذلك فقال كيف لا أقدم رجلا عارفا بالكتاب والسنة ولما مات تيمور في شعبان سنة 7 و800 للهجرة خرج من سمرقند إلى خراسان ودخل هراه ثم دخل مدينة يزد ثم أصبهام ثم شيراز فنشر بها أيضا القراءات والحديث وانتفعوا به وولي قضاءها وغيرها من البلاد مدة طويلة ثم خرج منها إلى البصرة قاصدا الحج في سنة 22 فنهب في الطريق بحيث تعوق عن إدراك الحج وأقام بينبع ثم بالمدينة وكان دخوله لها في ربيع الأول ثم توجه منها إلى مكة فدخلها مستهل رجبها فجاور فيها بقيتها ثم سافر في البحر لبلاد اليمن تاجرا فأسمع الحديث عند صاحبها وتصدى للإقراء والتحديث وأخذ عنه جماعة من علماء اليمن وكان صاحب اليمن قد وصله وأكرمه ثم عاد لمكة فحج سنة 8 ثم رجع إلى القاهرة فدخلها من أول التي تليها ثم سافر منها على طريق الشام ثم على طريق البصرة إلى شيراز فكانت منيته بها مؤلفاته رحمه الله نشط ابن الجزري نشاطا عظيما في التأليف حيث ألف مؤلفات كثيرة في فنون عديد خاصة علم القراءات فقد صنف فيه أكثر من 20 مصنف نثرا ونظما قال الشوكاني وقد تفرد بعلم القراءات في جميع الدنيا ونشره في كثير من البلاد وكان أعظم فنونه وأجل ما عنده وكأن الله خلقه لذلك فخصه بهذا الفن إذ صار ما خلفه من تراث هو عمدة من جاء بعده في هذا العلم الشريف فمن تلك المؤلفات أولا النشر في القراءات العشر ثانيا التمهيد في التجويد ثالثا اتحاف المهرة في تتمة العشرة رابعا إعانة المهرة في الزيادة على العشرة خامسا نظم طيبة النشر في القراءات العشر في ألف بيت سادسا نظم المقدمة فيما على قارئه أن يعلمه سابعا التوضيح في شرح المصابيح ثامنا البداية في علوم الرواية تاسعا الهداية في فنون الحديث عاشرا غايات النهايات في أسماء رجال القراءات وغيرها من الكتب وفاته رحمه الله بعد هذه الحياة الحافلة بالقراءة والإقراء والتعلم والتعليم وافت المنية ابن الجزري في شيراز قبل ظهر يوم الجمعة خامس ربيع الأول سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة للهجرة بمنزله من سوق الإسكافيين منها ودفن بمدرسته التي أنشأها هناك رمضان أحداث وعبر