خلاصة مفاهيم أهل السنة تداخل كثير من السنن الاجتماعية بعضها مع بعض حتى لا تحار العقول عند التأمل في آيات سنن الله في المجتمعات وتنزيلها على الواقع ينبغي أن يعلم أن كثيرا من هذه السنن يتداخل بعضها مع بعض وأنها تجري وفق مشيئة الله تعالى وحكمته في تدبير الأمور فسنة المدافعة بين الحق والباطل مثلا تستتبع سنة المداولة بينهما ويرافقهما سنن تمييز الحق من الباطل والمؤمنين من الكافرين وسنن ابتلاء المؤمنين والتمحيص والإملاء للكافرين واستدراجهم وسنة العاقبة للمؤمنين المتقين ومن أوضح الأدلة على ذلك الآيات 137 إلى 141 من سورة آل عمران حيث بدأت الآيات بالحث على التأمل في سنن الله في المجتمعات وعواقبها قال تعالى قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ثم بينت الآية 139 اشتراط تحقيق الإيمان لحصول العلو للمسلمين قال تعالى ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين وذكرت الآية 140 كلا من سنن الابتلاء والمداولة بين الحق والباطل وتمييز المؤمنين قال تعالى إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين كما ذكرت الآية 141 سنتي تمحيص المؤمنين وإهلاك الكافرين قال تعالى وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين وقد وردت كل هذه السنن في الآيات السابقة معطوف بعضها على بعض بواو العطف التي تقتضي مطلق الجمع بين المعطوفات لذا ينبغي النظر إلى السنن الإلهية مرتبطا بعضها ببعض متزامنا بعضها مع بعض ولا ينظر إليها مستقلة عن بعضها البعض لتحقق السنن الاجتماعية شروط وموانع فإذا تحققت الشروط وانتفت الموانع وقعت السنة بإذن الله فسنة النصر والتمكين يشترط لها تحقق الإيمان وأنتم الأعلى إن كنتم مؤمنين وقال تعالى وكان حقا علينا نصر المؤمنين ويمنع تحققها التنازع بين المؤمنين قال الله تعالى في معرض الجهاد الكافرين ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم كما أن سنة العذاب يمنعها لاستغفار قال الله تعالى وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون سنة الهداية والإضلال لا شك أن الهداية أو الإضلال هما بمشيئة الله تعالى وقدره النافذ قال الله تعالى من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم وقال تعالى فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون فلا يقوى أحد كائنا من كان على هداية من كتب الله عليه الضلال ولا إضلال من كتب الله له الهداية قال الله تعالى ومن يضلل الله فما له من هاد ومن يهدي الله فما له من مضل وقال تعالى إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين ولكن هذه المشيئة والإرادة من الله تعالى مرتبطة بصفاته العليا من العلم والحكمة والرحمة والفضل أو العدل فالله عز وجل لا يضع الهداية إلا في قلب من يستحقها ممن يعلم سبحانه حبه للهداية وخضوعه وإنابته للحق إذا تبين له فيعينه ويوفقه لذلك كما أنه يضع الضلال في قلب من يستحقه ممن يعلم إعراضه عن الهداية التي أرسل من أجلها الرسل فيخذله ويكله إلى نفسه ومن تخل الله عنه ضل وهلك بلا شك فالهداية كما أنها وفق مشيئة الله وقدرته فهي مقتضى فضل الله ورحمته وعلمه وحكمته ولهذا فقد قال الله عن من استحق الهداية ويهدي إليه من ينيب وقال والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم وقال عز وجل يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم والإضلال كما أنه وفق مشيئة الله وقدرته فهو مقتضى عدله وعلمه وحكمته ولهذا قال الله عز وجل عن من استحق الضلال فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين وقال تعالى إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله ولهم عذاب أليم وقال تعالى إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار فالمشيئة الإلهية المطلقة لا تتعارض مع علم الله وحكمته ولا مع عدله وفضله ورحمته وقد قال الله تعالى وما ربك بظلام للعبيد والعقل البشري المحدود بحدود الزمان والمكان ليس له أن يحكم في العلاقات والارتباطات بين المشيئة الإلهية والنشاط والتوجه الإنساني وإنما هذا كله متروك للإرادة المدبرة المحيطة والعلم المطلق الكامل وهذا هو سر الله عز وجل في قدره وحكمه النافذ فلا يشغل المرء نفسه بذلك عن الغاية التي خلق من أجلها وليوقن أن الله ما كان ليكلفه بأمر لا طاقة له به قال الله عز وجل لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت الابتلاء سنة ماضية قال الله تعالى الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وقال تعالى أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتن الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين الابتلاء بالشر والخير كما يكون الابتلاء بالشر يكون أيضا بالخير قال الله تعالى ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون وقال صلى الله عليه وسلم عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خير له وإن أصابته ضراء صبر فكان خير له رواه مسلم والابتلاء اختبار للمر لينظر كيف يفعل تجاهه والمطلوب هو كما بين الحديث الصبر عند الابتلاء بالضراء والشكر عند الابتلاء بالسراء والشكر كما يكون بالمقال يكون أيضا بالحال بأن يستعمل النعمة في طاعة الله فيحافظ عليها بذلك ولا يجحدها ويتنوع الابتلاء بالضراء ما بين مرض وضعف وفقر وحرمان وتعذيب وإذا إلى آخر ذلك وكل ذلك اختبارا لمد احتمال المبتلى وصبره على البلاء ومداثقته في ربه ورجائه في رحمته ومع شدة هذا النوع من الابتلاء إلا أن الكثيرين يصمدون له لوضوحه لديهم ولأنه يستثير فيهم كوامن التحدي والمقاومة أما الابتلاء بالسراء من صحة وقوة وثراء ومتاع ومناصب ودعة ومرح فيوقع الكثيرين في الاسترخاء ويفقدهم القدرة على اليقظة ومقاومة الإغراء فيسقطون في الاختبار وينسون واجب شكر هذه النعم وصدق بعض السلف إذ قال أبتلينا بالضراء فصبرنا وابتلينا بالسراء فلم نصبر الابتلاء بالشر ليس معيارا أو دليلا على الإهانة كما أن الابتلاء بالخير ليس دليلا على الإكرام قال الله تعالى فأما الإنسان إذا مبتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرما وأما إذا مبتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانا كلا فالإكرام والإهانة لا يدوران على المال وسعة الرزق أو تقديره وتقتيره والتوسعة على الكافر لا تكون لكرامته قال تعالى أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون والتقتير على المؤمن لا يكون لإهانته وإنما كل ذلك ابتلاء من الله لعباده وفق حكمته وعلمه وإنما يكون الإكرام للمرء بهدايته لمعرفة ربه ومحبته وطاعته وتكون الإهانة له بإضلاله وإعراضه عن ربه ومعصيته أسباب الابتلاء وأغراضه بادي أذيبد ليعلم أنه ما يصيب المرء من مصيبة وبلاء إلا بسبب منه وبما كسبت يده من فعل ما هو خلاف الأولى أو الوقوع في ذنب ومعصية أو ظلم وكفر إلى آخر ذلك قال الله تعالى وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير وقال تعالى أولم ما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أن هذا قل هو من عند أنفسكم والآيات في هذا المعنى كثيرة ومع هذا فقد يحار بعض من ينظر في النصوص التي توضح الغرض من الابتلاء ويلتبس عليه الأمر هل هو عقوبة وعذاب للمبتلى أم تكفير للذنوب والخطايا أم رفعة للدرجات أم اختبار للتمييز والتمحيص وللتوضيح فإن غرض الابتلاء قد يكون أيًا مما ذكر أو خليطا من أكثر من غرض وإن ذلك يتنوع بحسب المبتلى نفسه فهو للكافر عقوبة وعذاب وإنذار لعله يرجع عن كفره وغيه قال تعالى ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون والعذاب الأدنى هو عذاب الدنيا والعذاب الأكبر هو عذاب الآخرة وهو لعصاة المؤمنين تكفير للخطايا والذنوب وأيضا لعلهم يرجعون كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله وما عليه خطيئة رواه الترمذي وقال صلى الله عليه وسلم ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذن ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطايا رواه البخاري وهو للأنبياء والمتقين رفعة للدرجات قال صلى الله عليه وسلم أشد الناس بلاءن الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل يبتل الرجل على حسب دينه وفي رواية على قدر دينه فإن كان دينه صلباء اشتد بلاؤه وإن كان في دينه رقه ابتلي على حسب دينه رواه الترمذي وأحمد وهو بوجه عام للتمييز والتمحيص كما قال الله تعالى أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمنا الله الذين صدقوا وليعلمنا الكاذبين وقال تعالى ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب سنة تمييز الخبيث من الطيب سنة تمييز الخبيث من الطيب تابعة لسنة الابتلاء أو ناجمة عنها فقول الله تعالى ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب معنى لا بد أن يعقد سببا من المحنة يظهر فيه وليه وينفضح فيه عدوه يعرف به المؤمن الصابر والمنافق الفاجر وكما تكون سنة تمييز الخبيث من الطيب على مستوى الجماعة ويعرف بها المؤمن من المنافق وقوي الإيمان من ضعيفه تكون أيضا على مستوى الفرد فتبين للمؤمن حقيقة إيمانه ومدى صدقه فيه وتكشف له حجب الغرور بنفسه وحقيقة ما هي عليه من ضعف في الاعتقاد أو الأخلاق فيعمل عندها على تخليص نفسه مما فيها من خبث وضعف سنة التمحيص كما بينا في المفهوم الأول من مفاهيم السنن الاجتماعية أنها تتداخل مع بعضها البعض فإن سنن الابتلاء والتمييز والتمحيص والتمكين وإهلاك الكافرين كلها سنن يمسك بعضها برقاب بعض وتستتبع الأولى الثانية والثانية الثالثة وهل مجرى وعلى هذا فسنة التمييز يعقبها أو يرافقها سنة التمحيص والتمحيص التطهير والتخليص والتنقية تقول محصت الذهب بالنار أي أزلت عنه ما يشوبه من خبث فقول الله تعالى وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين أن يخلص المؤمنين من المنافقين ويخلصهم أنفسهم ويطهرهم من ذنوبهم ويكفرها عنهم وقوله تعالى وليمحص ما في قلوبكم هو تطهير قلوب المؤمنين خاصة وتخليصها من أي شك أو ريب بسبب ما يلقيه المنافقون من شبه وتخذيل فتمحيص المؤمنين تخليصهم من المنافقين والكافرين وتطهيرهم مما يخالطهم من خطايا وأثام التمحيص يعين المؤمن على تطهير نفسه وتزكيتها كثيرا ما يجهل الإنسان نفسه وحقيقة ضعفها وقوتها وحقيقة ما استكن فيها من رواسب جاهلية لا تظهر إلا بمثير لها فيأتي البلاء بالأحداث والمواقف العملية ليمحص للمؤمن نفسه ويبصره بحقيقتها ويعينه على تطهيرها وتزكيتها من حكم الابتلاء لأن كان الابتلاء سنة ماضية وقدرا محتوما على الناس كافة فإنه يشتمل على حكم جليلة وفوائد عديدة من أهمها أولا استخراج عبودية المبتلى لله عز وجل في الضرى بظهور انكساره وافتقاره إلى ربه عز وجل وإلحاحه في الدعاء ليكشف عنه ما به من غمة واستخراج عبوديته في السرى بظهور امتنانه لربه سبحانه على ما أنعم به عليه من النعم وشكره عليها ثانيا تمحيص المؤمنين بتطهير قلوبهم مما يعلق بها من أمراض ثالثا تهيئات المؤمنين المبتلين لمقامات رفيعة في الدنيا والآخرة فكم من عالم وداعية كان في ثباته في بلائه رفعة له بين الناس جعلته قدوة وإماما لهم فضلا عما يضاعف له من ثواب وحسنات بسبب الاقتداء به فيكون ذلك سببا لرفعة مكانته ودرجته في الجنة رابعا في الابتلاء فرصة ليعيد الداعية المبتلى نظره في المناهج والتصورات التي ينتهجها ويخلصها مما قد يشوبها من خلل وخطى خامسا إن انكسار النفس الذي يحدثه الابتلاء وسكونها إلى ربها يؤدي إلى علاج داء الأشر والعجب والتعالي الذي قد يصيبها سادسا ابتلاء المؤمن بأصناف العذاب التي يوقعها عليه عدوه من سجن وتعذيب جسدي ونفسي وسخرية واستهزاء كل ذلك يؤدي إلى كسر حاجز الخوف لدى المؤمن من هذه الصنوف قبل معاينتها ويعينه على الثبات على دعوته دعوة الحق والفلاح وغني عن القول أن هذه الحكم والفوائد إنما تحصل بتثبيت الله عز وجل لمن يعلم استحقاقه لها بما لديه من استعداد لقبول الحق والهداية كما أوضحنا في سنة الهداية والإضلال سنة إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغير ما بأنفسهم هي سنة مضطردة سواء أكان التغيير من الخير إلى الشر أو كان بالعكس تغييرا من الشر إلى الخير فعن التغيير من الخير إلى الشر قال الله تعالى ذلك بأن الله لم يكن مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وقال تعالى وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون وعن التغيير من الشر إلى الخير قال الله تعالى ولو أن أهل القرى آمنوا واتقول فتحنا عليهم بركات من السماء والأرب وقال تعالى وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا فبهذه السنة الربانية يتحمل البشر مسؤوليتهم فيما يقع لهم من خير أو شر فمنهم يبدأ التغيير سواء إلى الشر أو إلى الخير وعلى الدعاة أن يجعلوا هذه السنة هي الأساس المهم والمنهج الأسماء في الدعوة والتغيير فهي أم السنن الربانية في البناء والتغيير متى يدرك أغلب الناس سنة الله في التغيير رغم أن آية إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغير ما بأنفسهم واضحة في معناها وقطعية في دلالتها على سنة التغيير إلا أن الإيمان بها غالبا ما يكون نظريا حتى تتحقق في الوجود وتصبح ظاهرة للعيام فعندها يصدقها الناس ويكون الإيمان بها حينئذ أبلغ وأقوى منه قبل وقوعها زوال نعم الدنيا وتدارك الحال زوال النعم الدنيوية بسبب الفساد بقدر ما هو مؤلم إلا أن فيه رحمة للعباد وأيقاضا لهم لتدارك حالهم قبل الانحدار إلى الهاوية قال الله تعالى ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعضا الذي عملوا لعلهم يرجعون وزوال نعم الدنيا يصور ويهون إزاء فقد الدين وزواله من المستفيد من سنة الله في التغيير لا يستفيد من سنة الله في التغيير إلا المؤمن ومن في قلبه خير وصلاح أما المنافقون والعلمانيون وأهل الإلحاد فلا يلتفتون لهذه السنة بل يسخرون ممن يؤمن بها ويدعو إلى العمل بموجبها وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون إدراك سنة الله في التغيير هو بداية النصر والتمكين يتوافق تغير حال أمتنا اليوم من العزة والاستعلاء والتمكين إلى الذلة والسفول والهوان مع مباينة حالنا لحال السلف الصالح من التقى والهدى والفلاح وذلك دليل على حصول سنة الله في التغيير وأننا غيرنا ما بأنفسنا فغير الله حالنا وعلى هذا فلن يغير الله واقعنا الحالي إلا إذا غيرنا ما بأنفسنا من بدع وشرك جلي وخفي وتبعية للغرب وفسوق إلى الالتزام بالسنة وتحقيق التوحيد والولاء للمؤمنين والبراءة من المشركين وتقوى الله تعالى فإدراك سنة الله في التغيير والعمل بموجبها هو مفتاح النصر والتمكين والمدخل لتغيير واقعنا المرير سنة المدافعة والصراع حقيقة قائمة وسنة ماضية فقد قال الله تعالى وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون وقال تعالى وقالنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها فالحق يمثله على مر الزمان كل نبي وأتباعه ويقابله ويصارعه شياطين الإنس والجن في كل زمان وهم أكابر المجرمين في كل قوم وقد قال ورقة ابن نوفل للنبي صلى الله عليه وسلم لما جئت به إلا عودي فالباطل قبيح لا يكف ولا يقف عن العدوان إلا أن يدفع بمثل القوة التي يصول بها ويجول ولا يكفي الحق كونه حقا ليوقف عدوان الباطل بل لا بد من قوة تحميه وتدفع عنه وهذه سنة ثابتة وقاعدة كلية لا تتبدل أدام الإنسان هو الإنسان من فوائد صراع أهل الحق مع الباطل قدر الله أن يكون دفاعه عن الذين آمنوا عن طريقهم هم أنفسهم ولم يجعله هبة تهبط عليهم من السماء بلا عناق قال تعالى ذلك ولو يشاء الله لن تصر منهم ومن فوائد ذلك ابتلاء أهل الحق وأهل الباطل كما وضحت الآية وكما جاء في الحديث القدسي وإنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك رواه مسلم كما أن في الصراع مع الباطل نضجا واتضاحا للحق وأهله فالبنية الإنسانية لا تستيقظ فقات المذخورة فيها إلا حينما تواجه الخطر والحق يستنير وينجلي كلما صارعه الباطل حيث تتبين أدلته وشواهده فيظهر صدق الحق وحقيقته صراع أهل الحق مع الباطل يسمى دفعا ومدافعة هذا الصراع بين الحق والباطل أصطلح على تسميته في علم السنن بالدفع والمدافعة أخذا من قول الله تعالى ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين وقوله تعالى ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد وساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز والدفع الإزالة بقوة والمدافعة المزاحمة فالتدافع بين الحق والباطل تنحية أحدهما للآخر أو إزالته ومحوه بالقوة فمقتضى هذه السنة أن كل فريق من الحق والباطل لا يكفيه بقاؤه على ما هو عليه فحسب وإنما يسعى إلى محق الطرف الآخر وإزالته بكل طريق وسبيل ممكن غير أن أهل الباطل يتبعون سبلا غير مشروعة كما قال تعالى وقال تعالى وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغو فيه لعلكم تغلبون بينما أهل الحق لا يصارعون وقال تعالى وقال تعالى لا يصارعون الباطل وأهله إلا بما هو مشروع من الله حتمية التدافع بين الحق والباطل إنما كان التدافع بين الحق والباطل حتميا لأنهما ضدان فلا يجتمعان ووجود أحدهما يستلزم طرد الآخر ودفعه وإزالته أو على الأقل ومنعه من أن يكون له تأثير في واقع الحياة فلا يتصور إذن أن يعيش الحق مع الباطل في سلم دون مغالبة ومدافعة إلا إذا ضعف أصحاب كل فريق أو جهل معاني الحق والباطل ومقتضيات ولوازم هذه المعاني وهذا كما يزعمه العلمانيون والليبراليون لا يمكن الإصلاح بدون مدافعة الباطل من يطمع في الإصلاح ودرء الفساد عن الأمة دون سنة أخرى فلا يجتمعان ومعاني الحق والباطل في سلم دون مغالبة ومعاني الحق والباطل في سلم دون مغالبة يتنكب منهج الأنبياء وسنة الله في أرضه فتوقف الحق عن مدافعة الباطل توقيع على معاهدة الاستسلام للفساد كما قال الله تعالى ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين فترك المدافعة يؤدي إلى ظهور الفساد في الأرض وفسادها يكون بشيوع الشرك والظلم والفسوق بينما اتباع هذه السنة هو من فضل الله على العالمين لأن بها يرسخ الحق ويزول الباطل إيثار السلامة خشة مواجهة الباطل يوقع في عناء أشد من يؤثر السلامة والخوف من عناء مدافعة الفساد وأهله سيقع حتما في مشقة أعظمة وعناء أكبر يجده في ضياع دينه ونفسه وعرضه وماله وهذه هي ضريبة السكوت وإيثار الحياة الدنيا وفساد التصور والذي يظن أنه سينجو بماله وعرضه في ظل حكم الطواغيت إنما يعيش وهما أو يفقد الإحساس بالواقع إذ لا يشترط أن يكون الفقد والضياع بالموت أو السلب الحسيين وإنما العيش تحت ظل الفساد وأهوائه وعلى غير هدي الشرع القويم هو في الحقيقة موت وضياع أيما ضياع يبصرهم بحجم المعركة معرفة أهل الحق بتعاضد أهل الباطل وتجمعهم على خطط الإفساد التي يقررها لهم الشياطين يبصرهم بحجم المعركة والخصوم فيها فيوجب ذلك لأهل الحق حسن الاستعداد والتأهب لهذه المعركة كما أن العلم بأن خطط أهل الباطل كما قال تعالى وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون هذا العلم جدير بأن يملأ قلوب أصحاب الحق بالثقة والطمأنين يجد الله تعالى في نصرة الحق وأهله الدفاع عن الحق واجب على كل مؤمن بحسب قدرته على كل منتسب للحق أن يدافع عنه ويدفع الباطل بما يستطيع فإن وجدت راية الجهاد بالسنان وكان من أهلها شارك فيها وإن عدمت الراية لظروف يفرضها يجاهد بما يستطيع من دعوة وبيان أو مساهمة بمال أو دعاء أن ينصر الله الحق وأهله إلى آخر ذلك ويخشى على من يقصر في أداء ما يستطيع من ذلك أن يدخل تحت جناح من تولى يوم الزحف وقدم الدنيا الفانية على محبة الله ورسوله قال الله تعالى قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال قترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين سبب كون جل أهل الباطل من الملئ والأكابر جرت العادة أن يكون أهل الباطل من الأكابر في الدنيا كما قال تعالى وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها فيعادون الدين ويعاديهم الدين وما ذاك إلا لأن الدين من أدعاء الأكابر من سلطانهم الذي يستطيلون به على الناس ومن ادعائهم الربوبية التي يعبدون بها الناس ومن مزاولتهم للحاكمية من دون الله ويستذلون بها الرقاب فينزع الدين منهم كل هذا ليرده إلى الله وحده رب الناس ملك الناس من أدوات الباطل في الصراع زخرف القول أي وسائل الخداع والغواية وهم كما يخادعون البشرية من حولهم يخدعون أيضا أنفسهم ويضلونها فهم يتعاونون فيما بينهم لإضلال الآخرين ويعين بعضهم بعضا على ضلال أنفسهم كما قال تعالى وزخرف القول تؤدي إلى إصغاء قلبي من لا يؤمن بالآخرة قال تعالى ولي تصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة ولي يرضوه ولي يقترفوا ما هم مقترفون أي تميل إليه قلوبهم وتهوى فيؤدي ذلك إلى الرضا بالمصغى إليه ولي يرضوه ويتبع الرضا العمل بما أصغوا إليه ورضوه ولي يقترفوا ما هم مقترفون وهنا يجدر التنبيه على خطورة الإصغاء إلى شبهات الباطل وزخارفه لأن ذلك قد يعقبه الرضا به والعمل على نشره مدافعة أهل الحق لأهل الباطل لا تقتصر على القتال لا يشترط أن تكون المدافعة بين الحق والباطل من خلال الجهاد والقتال فحسب بل القتال هو المرحلة المتأخرة من مراحل هذا الصراع فإقامة الحجة على الباطل وأهله مدافعة وإزالة الشبه عن الحق وأهله مدافعة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مدافعة والثبات على الدين مدافعة وقد أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم في مكة المكرمة وقبل فرض الجهاد والقتال أمره بمجاهدة الكفار بالقرآن قال تعالى فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا وقال صلى الله عليه وسلم أبو داوود وصححه الألباني سنة مداولة الأيام بين المؤمنين والكافرين من حكمة الله وسننه في المؤمنين أن يدالوا مرة أي تكون الغلبة لهم على أعدائهم ويدال عليهم مرة أخرى أي تكون الغلبة لأعدائهم الكفار أي تكون الغلبة لأعدائهم الكفار عليهم أحيانا ولكن العاقبة تكون لأهل الحق المتقين قال الله تعالى في هذه السنة إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهدا والله لا يحب الظالمين وحين سأله رقل أبا سفيان عن وضع القتال بين قريش والرسول صلى الله عليه وسلم أجابه أبو سفيان بأن الحرب بينهم سجال يصيب كل طرف من الآخر قاله رقل عندها وكذلك الرسل تبتلى ثم تكون لهم العاقبة هذه السنة كانت معلومة حتى لدى النصار من فوائد وحكم سنة المداولة لسنة المداولة فوائد من أهمها أولا لو انتصر المؤمنون على الكافرين دائما لدخل مع المؤمنين غيرهم من المنافقين وما حصل التمييز بينهما و تلك الأيام نداولها بين الناس ولي يعلم الله الذين آمنوا أي ليظهر في الوجود ما يعلمه الله بسابق علمه من المؤمنين ويتميزون عن من يدعون ذلك من المنافقين فالله سبحانه يعلم الأمور قبل وقوعها والأحداث هي التي تظهر هذا العلم ومن ثم يتعلق به الحساب والجزاء فالله سبحانه لا يحاسب الناس على ما يعلمه من أمرهم ولكن يحاسبهم على وقوعه منهم ثانيا المفار على المؤمنين دائما لم يحصل المقصود من البعثة والرسالة فاقتضت حكمة الله تعالى أن يديل المؤمنين على الكافرين تارة ويديل الكافرين عليهم أخرى ليحقق الأمرين تميز المؤمنين عن المنافقين وحصول المقصود من البعثة والرسالة متى تكون إدالة الكافرين على المؤمنين إدالة الكافرين على المؤمنين تحدث عند وقوع المؤمنين في المعصية ومخالفة أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم فهزيمة المسلمين في أحد بعد انتصارهم في بادئ الأمر كانت بسبب مخالفة رمات الأسهم وتركهم مواقعهم ولما انتشرت البدع وظهرت الفلسفة في المسلمين وانحرفوا عن منهج الله تعالى سلط الله عليهم الصليبيين ثم التتار ولما انحرف الأتراك العثمانيون بعد زمن طويل من التمكين ومال إلى التغريب والعلمنة والاقتداء بأوروبا زالت الخلافة وبتل الله المسلمين بالاحتلال الأوروبي الذي مزق البلاد الإسلامية وبدد قوتها وهذه الإدالة للكافرين على المؤمنين تتداخل مع سنة ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغير ما بأنفسهم وتنبه المسلمين هو الذي أدال الكافرين عليهم وغير حالهم وأن التغيير مرة أخرى من الذل والهوان إلى العزة والتمكين لن يحدث إلا عندما يعود المسلمون إلى دينهم ويتركوا مخالفاتهم وعصيانهم لله تعالى سنة الاستبدال حين يديل الكافرين على المؤمنين لا تدوم إدالة الكافرين على المؤمنين وإنما تأتي سنة الاستبدال أي يبدل الله بالمؤمنين المخالفين المتخاذلين قوما آخرين مؤمنين وليسوا مثل الأولين قال الله تعالى وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم وقال تعالى إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شيء قدير وقال تعالى يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لو متلائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليهم