بسم الله الرحمن الرحيم يسر جمعية مودة أن تقدم لكم صورا من حياة الصحابة لعد الرحمن رأفة الباشا رحمه الله حذيفة بن اليمان رضي الله عنه إن شئت كنت من المهاجرين وإن شئت كنت من الأنصار فاختر أحب الأمرين إلى نفسك بهذه الكلمات خاطب الرسول عليه الصلاة والسلام حين لقيه أول مرة في مكة ولتخيير حذيفة بن اليمان في الانتماء إلى أكرم فئتين وأحبهما إلى المسلمين قصة فاليمان أبو حذيفة مككي من بني عبس لكنه أصاب دم في قومه فاضطر إلى النزوح عن مكة إلى يثرب وهناك حالف بني عبد الأشهل وصاهرهم وورد له ابنه حذيفة ثم زالت الموانع التي تحول دون اليمان ودون دخول مكة فجعل يتردد بينها وبين يثرب ولكن إقامته كانت في المدينة أكثر وألصق ولما أهل الإسلام بنوره على جزيرة العرب كان اليمان أبو حذيفة أحد عشرة من بني عبس وفد على الرسول صلوات الله وسلامه عليه وأعلنوا إسلامهم بين يديه وذلك قبل أن يهاجر إلى المدينة ومن هنا كان حذيفة مككية الأصل مدنيا نشأ نشأ حذيفة ابن اليمان في بيت مسلم وربية في كنف أبوين من السابقين إلى الدخول في دين الله فأسلم قبل أن تكتحل عيناه بمرأى رسول الله صلوات الله وسلامه عليه كان شوق حذيفة إلى لقاء الرسول يملأ جوانحه فهو ما زال منذ أسلم يتسقط أخباره ويلح في السؤال عن أوصافه فلا يزيده ذلك إلا ولعن به وحنينا إليه فرحل إلى مكة ليلقاه فما إن رأى النبي حتى سأله أم هاجر أنا أم أنصاري يا رسول الله فقال عليه الصلاة والسلام إن شئت كنت من المهاجرين وإن شئت كنت من الأنصار فاختر لنفسك ما تحب فقال بل أنا أنصاري يا رسول الله ولما هاجر الرسول عليه الصلاة والسلام إلى المدينة لازمه حذيفة ملازمة العين لأختها وشهد معه المواقع كلها إلا بدرا ولتخل في حذيفة عن بدر قصة رواها بنفسه فقال ما منعني أن أشهد بدرا إلا أني كنت خارج المدينة أنا وأبي فأخذنا كفار قريش وقالوا أين تقصدون فقلنا المدينة فقالوا إنكم تريدون محمدا فقلنا ما نريد إلا المدينة فأبوا أن يطلقونا إلا بعد أن أخذوا العهد علينا ألا ننصر محمدا عليهم وألا نقاتل معه ثم أطلقوا سراحنا ولما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرناه بما قطعناه من عهد لقريش وسألناه ماذا نصنع فقال عليه الصلاة والسلام نفي بعهدهم ونستعين عليهم بالله ولما كانت أحد خاضها حذيفة مع أبيه اليمان أما حذيفة فأبلى فيها أعظم البلاء وأكرمة وخرج منها سالما وأما أبوه فقد استشهد فيها ولكن استشهاده كان بسيوف المسلمين لا بسيوف المشركين ولذلك قصة نوردها فيما يلي لما كان يوم أحد وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم اليمان وثابت ابن وقش في الحصون مع النساء والصبيان لأنهما كانا شيخين كبيرين طاعنين في السن فلما حمي وطيس المعركة قال اليمان لصاحبه لا أبالك ما ننتظر فوالله ما بقي لواحد منا من عمره إلا بمقدار ما يظمأ الحمار إنما نحن هامة اليوم أو غد أفلا نأخذ سيفينا ونلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم لعل الله يرزقنا الشهادة مع نبيه ثم أخذ سيفيهما ودخل في الناس واقتحم المعركة أما ثابت ابن وقش فأكرمه الله بالشهادة على أيدي المشركين وأما اليمان وارد حذيفة فتعاورته سيوف المسلمين وهم لا يعرفونه وجعل حذيفة ينادي أبي أبي فلا يسمعه أحد وخر الشيخ صريعا بأسياف أصحابه فما زاد حذيفة على أن قال لهم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين ثم أراد الرسول عليه الصلاة والسلام أن يعطي لابن دية أبي فقال حذيفة إنما هو طالب شهادة وقد نالها اللهم اشهد أني تصدقت بديته على المسلمين فازداد بذلك منزلة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم سبر الرسول صلوات الله وسلامه عليه غور حذيفة ابن اليمان فتجلت له فيه خلال ثلاث ذكاء فذ يسعفه في حل المعضلات وبديهة مطاوعة تلبيه كل ما دعاها وكتمان للسر فلا ينفذ إلى غوره أحد وكانت سياسة الرسول عليه الصلاة والسلام تقوم على اكتشاف مزايا أصحابه والإفادة من طاقاتهم الكامنة في ذواتهم وذلك بوضع الرجل المناسب في المكان المناسب وكانت أكبر مشكلة تواجه المسلمين في المدينة هي وجود المنافقين من اليهود وأشاعهم وما يحيكونه للنبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه من مكائد ودسائس فأفضى النبي صلوات الله وسلامه عليه لحذيفة ابن اليمان بأسماء المنافقين وهو سر لم يطلع عليه أحدا من أصحابه وعهد إليه برصد حركاتهم وتتبع نشاطهم ودرع خطرهم عن الإسلام والمسلمين ومنذ ذلك اليوم دعي حذيفة ابن اليمان بصاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد استعان الرسول عليه الصلاة والسلام بمواهب حذيفة في موقف من أشد المواقف خطرا وأحوجها إلى الذكاء الفذ والبديهة المطاوعة وذلك في ذروة غزوة الخندق حيث كان المسلمون قد أحاط بهم العدو من فوقهم ومن تحتهم وطال عليهم الحصار واشتد عليهم البلاء وبلغ منهم الجهد والضنك كل مبلغ حتى زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وأخذ بعض المسلمين يظنون بالله الظنون ولم تكن قريش وأحلافها من المشركين في هذه الساعات الحاسمات بأحسن حالا من المسلمين فقد صب عليها الله عز وجل من غضبه ما أوهن قواها وزلزل عزائمها فأرسل عليها ريحا صرصرا تقلب خيامها وتكفأ قدورها وتطفئ نيرانها وتقذف وجوهها بالحصباء وتسد عيونها وخياشيمها بالتراب في هذه المواقف الحاسمة من تاريخ الحروب يكون الفريق الخاصر هو الذي يأن أولا ويكون الفريق الرابح هو الذي يضبط نفسه طرفة عين بعد صاحبه وفي هذه اللحظات التي تكتب فيها مصائر المعارك يكون الاستخبارات الجيوش الفضل الأول في تقدير الموقف وإسداء المشورة ومن هنا احتاج الرسول عليه الصلاة والسلام لطاقات حذيفة بن اليمان وخبراته وعزم على أن يبعث به إلى قلب جيش العدو تحت جنح الظلام لأتيه بأخباره قبل أن يبرم أمرا فلنترك لحذيفة الكلام ليحدثنا عن رحلة الموت هذه قال حذيفة كنا في تلك الليلة صافين قعودا وأبو سفيان ومن معه من مشرك مكة فوقنا وبنو قريضة من اليهود أسفل منا نخافهم على نسائنا وذرارينا وما أتت علينا ليلة قط أشد ظلمة ولا أقوى ريحا منها فأصوات ريحها مثل الصواعق وشدة ظلامها تجعل أحدنا ما يرى إصبعه فأخذ المنافقون يستأذنون الرسول عليه الصلاة والسلام ويقولون إن بيوتنا مكشوفة للعدو وما هي بمكشوفة فما يستأذنه أحد منهم إلا أذن له وهم يتسللون حتى بقينا في ثلاثمائة أو نحو ذلك عند ذلك قام النبي عليه الصلاة والسلام وجعل يمر بنا واحدا واحدا حتى أتى إلي وما علي شيء يقيني من البرد إلا مرط لمرأتي ما يجاوز ركبتي فاقترب مني وأنا جاث على الأرض وقال من هذا فقلت حذيفة قال حذيفة فتقاصرت إلى الأرض كراهية أن أقوم من شدة الجوع والبرد وقلت نعم يا رسول الله فقال إنه كائن في القوم خبر فتسلل إلى عسكرهم وأتني بخبارهم فخرجت وأنا من أشد الناس فزعا وأكثرهم بردا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن فوقه ومن تحته فوالله ما تم الدعوة النبي عليه الصلاة والسلام حتى انتزع الله من جوفي كلما أودعه فيه من خوف وأزال عن جسدي كلما أصابه من برد فلما وليت ناداني عليه الصلاة والسلام وقال يا حذيفة لا تحدثن في القوم شيئا حتى تأتيني فقلت نعم ومضيت أتسلل في جنح الظلام حتى دخلت في جند المشركين وصرت كأني واحد منهم وما هو إلا قليل حتى قام أبو سفيان فيهم خطيبا وقال يا معشر قريش إني قائل لكم قولا أخشى أن يبلغ محمدا فلينظر كل رجل منكم من جليسه فما كان مني إلا أن أخذت بيد الرجل الذي كان إلى جنبي وقلت من أنت فقال فلان ابن فلان وهنا قال أبو سفيان يا معشر قريش إنكم والله ما أصبحتم بدار قرار لقد هلكت رواحلنا وتخلت عنا بنو قريضة ولقينا من شدة الريح ما ترون فارتحلوا فإني مرتحل ثم قام إلى جمله ففكع قاله وجلس عليه ثم ضربه فوثب قائما ولولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني أن لا أحدث شيئا حتى آتيه لقتلته بسهم عند ذلك رجعت إلى النبي عليه الصلاة والسلام فوجدته قائما يصلي في مرط لبعض نسائه فلما رأاني أدناني إلى رجليه وطرح علي طرف المرط فأخبرته الخبر فسر به سرورا شديدا وحمد الله وأثنى عليه ظل حذيفة ابن اليمان مؤتمنا على أسرار المنافقين ما امتدت به الحياة وظل الخلفاء يرجعون إليه في أمرهم حتى إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا مات أحد المسلمين يسأل أحضر حذيفة للصلاة عليه فإن قالوا نعم صلى عليه وإن قالوا لا شك فيه وأمسك عن الصلاة عليه وقد سأله ذات مرة أفي عمال أحد من المنافقين فقال واحد فقال دلني عليه فقال لا أفعل قال حذيفة لكن عمر ما لبث أن عزله كأنما هدى إليه ولعل قليلا من الناس من يعلم أن حذيفة ابن اليمان فتح للمسلمين نهاوند والدي نور وهمذان والري وكان سببا في جمع المسلمين على مصحف واحد بعد أن كادوا يفترقون في كتاب الله وعلى الرغم من ذلك كل كان حذيفة ابن اليمان شديد الخوف على نفسه من الله عظيم الخشية من عقابه فهو حين ثقل عليه مرض الموت جاءه بعض الصحابة في جوف الليل فقال أي ساعة هذه فقالوا نحن قريب من الصبح فقال أعوذ بالله من صباح يفضي بي إلى النار ثم قال أجئتم بكفن قالوا نعم قال لا تغالوا بالأكفام فإن يكن لي عند الله خير بدلت به خير وإن كانت الأخرى سلب مني ثم جعل يقول اللهم إنك تعلم أني كنت أحب الفقر على الغنى وأحب الذلة على العز وأحب الموت على الحياة ثم قال وروحه تفيض حبيب جاء على شوق لا أفلح من ندم رحم الله حذيفة ابن اليمان فقد كان طرازا فريدا من الناس ما حدثكم حذيفة فصدقوا وما أقرأكم عبد الله ابن مسعود فقرأوا عبد الله ابن مسعود فقرأوا حديث شريف