بسم الله الرحمن الرحيم يسر جمعية مودة أن تقدم لكم صورا من حياة الصحابة لعبد الرحمن رأفة الباشا رحمه الله يوم الرجيع فمطاد ولا عمح هم قسوة الإنسان في الأقوان والقال السديل لا ليس نبضى في أواخر السنة الثالثة للهجرة قدم على يثرب وفد من بني خزيمة يظهرون الإسلام ويعلنون الإيمان فأحسن النبي عليه الصلاة والسلام استقبالهم وأكرم وفادتهم وفرح بهم الصحابة أجزل الفرح وأحلوهم أهلاً وأنزلوهم سهلاً وقبل أن يهم رجال الوفد بالانصراف إلى أهليهم قالوا يا رسول الله إن في قومنا كثيراً ممن يؤمنون بالله ورسوله لكنهم لم يحضوا بمعرفة الإسلام ولم يستنيروا بنور الإيمان فليتك تبعث معنا نفراً من أصحابك يقرئوننا القرآن ويعلموننا شرائع الإسلام لأننا في دين الله فاستجاب الرسول صلوات الله وسلامه عليه إلى طلبهم واختار لهم ستة من الأنصار هم مرثد الغنوي وخالد الليثي وعبد الله بن طارق وزيد بن الدثنة وخبيب بن عدي وعاصم بن ثابت وأمرهم بأن يتجهزوا للرحيل معهم والإقامة بينهم حتى يأتيهم أمره فرح ستة الأخيار الأبرار من صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم بما أنيط بهم من أمر وغبطهم إخوانهم على ما كتب لهم من أجر وكيف لا يفرحون ولا يغبطون فقد كانوا قبل هذا اليوم يتمتعون بفضل نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم فأضافوا إلى ذلك ثواب الهجرة لنشر دين الله وادع الرسول الكريم رسول الله عليه وسلم نفر الستة من أصحابه وأوصاهم بتقوى الله في السر والعلن وأمر عليهم مرثد الغنوي ثم ودعوهم أهليهم وذويهم وأوصوهم بأنفسهم وبمن معهم خيرا انطلق الهداة الدعاة إلى الله مع وفد بن خزيمة وخلفوا وراءهم الأهل والسكن وفارق العشير والوطن لكن ذلك كله لم يشق عليهم وإنما شق عليهم مفارقة رسول الله صلى الله عليه وسلم والنأي عنه فما كانوا يحسبون أنهم يطيقون صبرا على البعد عنه وما كانوا يتوقعون أن يفارقوه ما امتدت بهم الحياة مضى الركب يحث الخطى نحو منازل بن خزيمة الواقعة بالقرب من عسفان وطفق الهداة الدعاة يقطعون الفلوات للقاء الرغاب في دين الله فلما بلغوا منطقة الرجيع فوجئوا بأبشع غدرة تتفطر لفضاعتها القلوب وتتشقق من هولها الأكباد كانت جماعة بن خزيمة التي وفدت على الرسول صلوات الله وسلامه عليه قد اعتمرت من جماعة من بن هذيل على أن تستدرج لهم نفرا من صحابة النبي لكي يقوموا بالصلاة والسلام وأن تمكنهم منهم لقاء مبلغ جزل اتفقوا عليه فقد كان للهذليين اسيران عند قريش فعزموا على أن يفادوا ببعض هؤلاء الصحابة اسيريهم المحتج زين في مكة ثم يبيعوا ما يزيد منهم لمن يرغب من قريش ليقتلوهم انتقاما لمن قتل من آبائهم أو ابنائهم أو ذوي المكانة في بدر ولما حاذى الركب منطقة الرجيع فوجئ الصحابة الستة رضوان الله عليهم بمرافقيهم من بن خزيمة يتخلون عنهم وبرهط من الهذليين يطبقون عليهم وبأيديهم السيوف والرماح ويحيطون بهم احاطة القيد بالمعصم فما كان من الصحابة الستة الا ان نزلوا عن ظهور رواحلهم وامتشقوا فهم من اغمادها وهموا بمقارعة الذين تصدوا لهم فقال لهم الهذليون اننا اصحاب هذه الديار وجمعنا كثير غفير وجمعكم قليل ضئيل ثم اننا ورب الكعبة لا نريد بكم شرا ولا ننوي ان نعرضكم للقتل ولكننا نريد ان نكسب بكم شيئا من اهل مكة ولكم على هذا عهد الله وميثاقه اسقط في ايد الرجال الستة من صحابة الرسول صلوات الله وسلامه عليه فما عادوا يدرون ماذا يفعلون ثم شاء الله ان يسلكوا في هذه المحنة طريقين مختلفين فقد آثر عاصم ابن ثابت الانصاري ومرثد الغنوي وخالد الليثي الموت المحقق على الاستسلام لاعداء الله واعدائهم وقال بعضهم لبعض والله لا نقبل من مشرك عهدا ولا نرضى منه موثقا ثم هبوا يقاتلون الهذليين قتالا مستميتا حتى خروا صرعا واحدا بعد اخر وقضوا شهداء في دقائق معدودات واما النفر الثلاثة الاخرون من صحابة الرسول عليه الصلاة والسلام وهم عبد الله ابن طارق وخبيب ابن عدي فقد وثقوا بعهد العصبة الغادرة من هذيل واستسلموا لها ولما علمته ذيل ان احد القتل الثلاثة هو عاصم ابن ثابت الانصاري فرحت بمقتله اشد الفرح ذلك لان عاصما رضوان الله عليه كان قد قتل يوم احد فارسين اخوين من فرسان قريش فنذرت امهما سلافة بنت سعد ان هي ظفرت بعاصم ان تشرب في قحف رأسه الخمر وجعلت لمن يأتيها به حيا او ميتا ما يشاء من منفس المال فقام الهذليون الى عاصم ابن ثابت ليحزوا رأسه وهم يمنون انفسهم بجزيل العطاء لكنهم وجدوا ان اسراب النحل وجماعات الزنابير قد احاطت بجسده من كل جانب ولما رامل اقتراب منه تصدت لهم فقال بعضهم لبعض دعوه حتى يقبل الليل حيث تذهب عنه النحل والزنابير وعند ذلك نحز رأسه ونمضي به الى مكة ما كاد يقبل الظلام على منطقة الرجيع وما حولها حتى ارعدت السماء وازبدت وقذفت بالمطر كافواه القرب وعم الأباطح سيل لم ير مثله فحمل السيل عاصما ومضابه الى اماكن بعيدة لم تطأها اقدامهم من قبل فبحثوا عنه في كل مكان فلم يعثروا عليه ونقبوا عنه في كل جهة فلم يهتدوا اليه فعادوا وهم يتلضون حسرة على ضياعه منهم وكان عاصم رضوان الله عليه قد عاهد الله عز وجل فقال الله ان لا يمس مشركا ما امتدت به الحياة واسأله سبحانه ان لا يتيح لمشرك سبيلا لان يمسه فحقق الله لعاصم ما عاهده عليه واستجاب لما دعاه له فكان عمر ابن الخطاب رضي الله عنه يقول يحفظ الله العبد المؤمن كان عاصم نذر ان لا يمسه مشرك وان لا يمس مشرك في حياته عاه الله بعد وفاته كما امتنع منه في حياته انطلق الهذليون باسراهم الثلاثة نحو مكة وذلك بعد ان انتزعوا سيوفهم التي كانوا يتقلدونها واستولوا على رماحهم التي كانت في ايديهم ثم حلوا اوتار قسيهم وقيدوهم بها فنظر عبد الله ابن طارق الى القيود التي قيدتهم بها هذيل وقال هذا اول الغدر وجعل يتربص فرصة يستطيع استنقاذ نفسه فيها فلما رآهم غافلين عنه انتزع يديه من قيده وهم بتخليص صاحبه زيد ابن الدثنة وخبيب ابن عدي من قيديهما لكن الهذليين نذروا به فلم يقتربوا منه خوفا من بطشه وبأسه ولم يتركوه ينجو بنفسه وانما اخذوا يرمونه بالحجارة حتى أردوه قتيلا وخلفوه في مكانه ثم مضوا بزيد ابن الدثنة وخبيب ابن عدي حتى بلغوا بهما مكة وعرضوهما على الناس هب الموتورون الحاقدون من كفار قريش يريد كل منهم ان يظفر بالاسيرين مهما غلى ثمنهما ليقهروا بهما محمدا صلوات الله وسلامه عليه ويثأروا منهما لقتلا بدر ثم تباروا في دفع غال الاثمان بهما فقام اليهم احد سادة قريش وقال يا معشر قريش لا تتنافس على هذين الاسيرين وتغالوا في ثمنيهما وانما تركوهما لمن كان له ثأر عندهما فهو أولى بهما من سواه وأجدر بأخذهما من غيره صفوان بن أمية زيد بن الدثنة رضوان الله عليه بثمن غال ليقتله بأبيه أمية بن خلف واشترى أولاد الحارث بن عامر خبيبا رضوان الله عليه ليقتلوه بأبيهم الذي أرداه قتيلا في بدر ودفعو به للهذليين ثمنا فاحشا لم يصبر صفوان بن أمية طويلا على اسيره لما كان يتقد بين جوانحه من كره لمحمد صلوات الله وسلامه عليه فعجل به ليروي ضمأ قريش إلى الثأر من الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في شخصه وليقر عيون قومه بمشهد قتله وقد عزم على أن يقتله في منطقة التنعيم ويرمي بجثته هناك لتعبث بها الكلاب السارحة وتشبع منها الطيور الجارحة لذلك موعدا وأذاعه في مكة لم يكد صباح ذلك اليوم الموعود يتنفس في بطحاء مكة حتى كان الموتورون من كفار قريش والحاقدون على محمد صلى الله عليه وسلم ودعوته والغوغاء من الرجال والنساء والولدان يزحفون جماعات جماعات نحو منطقة التنعيم خارج حدود الحرم وهم يسوقون أمامهم أسيرهم المكبل بالقيود ليقتلوه هناك على ملئ من الناس وكان على رأس هؤلاء القوم جميعا أبو سفيان بن حرم أعد زيد بن الدثنة رضوان الله عليه للقتل ورفع على نشز من الأرض ليشهد مصرعه الكبار والصغار فاستقبل الموت بجانان ثبت ووجه طلق قدم منه أبو سفيان بن حرب وقال أنشدك الله يا زيد أتحب أن يكون محمد في مكانك هذا وأن تضرب عنقه بدلا منك وأن نخلي سبيلك فتمضي آمنا مطمئنا إلى أهلك فابتسم زيد وقال والله ما أحب أن تصيب محمدا شوكة فتؤذيه وهو في مكانه الذي هو فيه وقلوا سبيلي لقاء ذلك وأجدني آمنا مطمئنا بين أهلي فاشتد غضب الناس لقوله وعلى صياحهم أن اقتلوه أبو سفيان فقال والله ما رأيت أحدا من الناس يحب أحدا كما يحب أصحاب محمد محمدا ثم أقبلوا عليه فدقوا عنقه وهو يشهد لا إله إلا الله وأن نبيه وصفيه محمدا رسول الله ذلك ما كان من شأن زيد بن الدثنة رضي الله عنه وأرضاه أما صاحبه خبيب بن عدي فإليك خبره القابن الحارث خبيب بن عدي في غيابة السجن في بيتهم وأطال سجنه فقضى أيامه عندهم بين صيام وقيام فما نظرت إليه بنات الحارث وإماءهن في ليل أو نهار إلا وجدنه إما راكعا أو ساجدا وإما قارئا لكتاب الله وعيناه تفيضان من الدمع فرقت له قلوبهن وكدن ينسينا أنه قتل أباهن في بدر حدثت عنه إحداهن بعد إسلامها قالت حبس خبيب في بيتنا فلما عزم القوم على قتله سألني أن أعطيه سكين يحلق بها ما ينبغي أن يحلقه المسلم من شعره ويتنظف للقتل فأجبته إلى طلبه ثم إني غفلت عن صبي صغير لي فدرج نحوه وجلس في حجره فما راعني إلا أن رأيت السكين في يده والغلام جالسا على فخذه ماذا صنعت لقد أصاب خبيب ابن عدي ثأره بقتل غلامي قبل أن يقتل وفزعت فزعا رآه على وجه فالتفت إلي في حنو ورفق وقال أتخشين أن أفجعك بغلامك هذا والله ما كنت لأفعل ذلك ثم أردف قائلا إننا معشر المسلمين لا نلحق الأذى بغلام صغير أو شيخ معمر كبير أو راهب نذر نفسه للعبادة وإنما نقاتل من عدا علينا وعمل على اخراجنا عن ديننا ثم قالت والله ما أحسب أن أسيرا على وجه الأرض خير من خبيب لقد رأيته والله يأكل من عنقود عنب كبير ما وقعت عيناي على مثله قط وما في أرض الله يوم ومئذ عنب يؤكل وكان خبيب آنذاك مقيدا بالحديد وما كان هذا العنب إلا رزقا آتاه الله إياه ولما عزم ابن الحارث على قتل خبيب بن عدي وأذاع ذلك بين الناس خرجت مكة بقضها وقضيضها إلى منطقة التنعيم لتشهد مصر عأسيرها الثاني فلما قربته قريش للقتل قال لكبرائها إن رأيتم أن تدعوني أصلي ركعتين فافعلوا فرق له واحد منهم وقال دونك فصلي ركعتين فركع خبيب أتم ركعتين وأحسنهما ثم أقبل على القوم وقال والله لولا أن تظنوا أني إنما أطلت صلاتي جزعا من القتل لا استكثرت من الصلاة القوم خبيب بن عدي إلى خشبة الصلب وأحكموا شده عليها ولما هموا بقتله قال اللهم إنا قد بلغنا رسالة نبيك فبلغه الغداة ما يصنع بنا ثم دعا على مشرك قريش فقال اللهم أحص كفار قريش عددا وقتلهم بددا ولا تغادر منهم أحدا فلما سمع أبو سفيان دعاءه ألقى ابنه معاوية على الأرض فرقا من دعوته كما كانت تفعل العرب في الجاهلية ثم قتلوه فلحق خبيب بإخوته الخمسة الذين سبقوه ومضى إلى ربه راضيا مرضيا صلى الإله على الذين تتابعون يوم الرجيع فأكرموا وأثيبوا حسان ابن ثالث