بسم الله الرحمن الرحيم يسر جمعية مودة أن تقدم لكم صورا من حياة الصحابة لعبد الرحمن رأفة الباشا رحمه الله العلاء بن الحضربي رضي الله عنك امتقل كمات الغزاة من طلاب الشهادة متون إبلهم واستأنفوا نضالهم المريرة مع صحراء الدهناء في الربع الخالي حتى قهروا بإذن الله وفي سبيله رمالها المحرقة وذللوا مفاوزها المهلكة وروعوا وحشها الضاري وجعلوها تشكوا من وقع خطاهم أكثر مما شكوا منها وكانوا كلما أوشكوا أن يمسهم الونا برز لهم قائدهم العبقري الفذ العلاء بن الحضربي فسكب في أفئدتهم من روحه ما يترعها عزيمة وتصميم وأفرغ فيها من حزمه وعزمه ما يشعلها حمية وإقدام وذكرهم بفضل الله عليهم ورحمته بهم في صحراء الدهناء فزادهم على إيمانهم إيمانا وما زال الجيش المؤمن يواصل كلال الليل بكلال النهار حتى بلغ البحرين وعسكر في ضواحيها لم يضع القائد الملهم لحظة من وقته فبث عيونه في كل مكان ليتسقطوا له الأخبار ويستقصوا له الأحوال فعرف أنه ما كاد رسول الله صلوات الله وسلامه عليه يلحق بجوار ربه حتى هب دعاة السوء يقولون لو كان محمد نبي لما مات فارتد أهل البحرين جميعا عن دينهم وأسلموا قيادتهم للحطم بن ظبيعة ولم يبق منهم أحد على الإسلام إلا أهل قرية واحدة هي قرية جواثا وكان من خبر هذه القرية المؤمنة أنه كان فيها رجل من أخيال صحابة الرسول عليه الصلاة والسلام هو الجارود بن المعلى فقد وفد على الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم ونهل من هديه ما شاء الله أن ينهل ثم عاد إلى قومه وأقام فيهم يدعوهم إلى الله عز وجل ويفقههم بدينه القويم فلما رأى قومه قد جنحوا إلى الارتداد مع المرتدين جمعهم وقال يا قوم إني سائلكم عن أمر فأخبروني إن علمتموه فقالوا سل قال أتعلمون أنه كان لله أنبياء قبل محمد قالوا نعم قال فأين هم قالوا ماتوا قال فإن محمدا صلى الله عليه وسلم مات كما ماتوا وإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأن الله حي لا يموت فقالوا أنت أفضلنا وأعقلنا وسيدنا وما قلت إلا حقا ثم ثبتوا على الإسلام مخالفين في ذلك بني قومهم جميعا عند ذلك حاصرهم الحطم بجنوده وأحكم عليهم الطوق ومنع عنهم القوت وتركهم ليموتوا جوعا من غير حرب ولا قتال فلم يثنهم ذلك الحصار الشديد عن إيمانهم وقال شاعرهم يستنجد بالصديق رضوان الله عليه على البعد ألا أبلغ أبا بكر شكاة وفتيان المدينة أجمعنا فهل لكم إلى قوم كرام قعود في جواة محصرين توكلنا على الرحمن إنا وجدنا الصبر للمتوكلين ما كاد يصل العلاء ابن الحضرمي إلى البحرين حتى أرسل رسولا متخفيا من قبله إلى جواثا وأمره أن يخبر الجارود بقدوم جيش المسلمين وأن يشد من عزيمته وعزيمة قومه وأن يطلب منهم الاستعداد للحظة الحاسمة حين يقرر المسلمون الوثوب على عدوهم أدرك العلاء ابن الحضرمي أنه لا طاقة له بقتال الحطم ورجاله وذلك لكثرتهم وقلة جيشه وقوتهم وضعفه ووفرة عدتهم وعتادهم وشح موارده فاحتفر لجيشه خندقا يتترس به وكذلك فعل الحطم لأن خوفه من المسلمين لم يكن بأقل من خوف المسلمين منه تدرع القائد المسلم المحنك بالصبر واتخذ الحيطة والحذر وظل الفريقان شهرا كاملا يتداولان القتال الخفيف في النهار ويعودان إلى خنادقهما في الليل وقد كان العلاء خلال ذلك مرهف السمع حديد البصر مشدود الانتباه لكل ما يجري وراء خنادق العدو ترقبا للفرصة التي تتيح له حيث انقضاض على عدوه في غفلة من غفلاته وفي ذات ليلة سمع الطلائع المسلمين وعيونه هرجا ومرجا في معسكر العدو ورأت على البعد حركة غير مألوفة فقال العلاء لرجاله من يأتينا بخبر القوم فقام إليه رجل يدعى عبدالله بن حذف وقال أنا آتيك بخبرهم أيها الأمير فندبه لذلك الأمر وحذره وأوصاه واستودعه الله مضى عبدالله بن حذف نحو خنادق العدو مستترا بجنح الظلام واجتاز الخنادق في خفة وحذر فلما غدى داخل معسكرهم نذروا به وقبضوا عليه عند ذلك جعل يستصرخ مستغيثا وينادي يا أبجراه يا أبجراه والأبجر الذي استغاث به رجل من بني عجل مرموق المكانة في جيش الحطم وكانت أم عبدالله عجلي فجاءه الأبجر وسأله عن نسبه فانتسب له وقال له إنكم أخوالي فعرفه وأجاره واستفسر منه عن أمره فقال لقد ضللت طريقي ونزلت بين جنودكم فأخذوني أسيرا فقال له الأبجر والله إني لأظنك جاء أخواله فقال له عبدالله دعنا من هذا وأطعمني فقد قتلني الجوع فقد دم له طعاما فجعل يأكله في أنات ومهل ليتعرف على أحوال القوم ويقف على خفايا أخبارهم فلما تحقق له ما أراد قال زودني وحملني وأجزني حتى أبلغ معسكر قومي فزوده وحمله على دابة وبعث معه من أجازه حتى بلغ مأمنه فلما وصل إلى معسكر المسلمين أخبر العلاء بأن القوم يحتفلون بمناسبة من مناسباتهم وأنهم قد نثروا دنان الخمور في كل مكان وأقبلوا عليها يعبون منها عبا حتى غلب عليهم السكر فغدوا بين نائم وواجم ومعربد لا يدري ما يفعل وأن صاحبه العجلي كان من الفريق الأخير لم يضيع العلاء دقيقة من الوقت سدى فأرسل إلى الجارود من يأمره بالهجوم على الأعداء من الخلف وانطلق هو بجيشه نحوهم من الأمام انطلاق السهام في غبش الظلام واقتحم على الجيش المخمور خنادقه المنيعة من كل صوف وأعمل السيوف في رقاب جند العدو من غير هوادة فانجلت المعركة عن شر مستطير للجيش المرتد وقائده الحطم أما قائد الجيش فكان نائما حين نزل المسلمون على معسكره نزول الصاعقة فلم يوقظه من غيبوبته إلا صليل السيوف وطعن الرماح وأصوات التهليل والتكبير فهب مذعورا وامتطى صهوة جواده لكنه ما لبث أن انقطع ركاب سرجه فجعل ينادي أنا الحطم من يصلح لي ركابي فأقبل عليه أحد جنود المسلمين وقال له إرفع رجلك أيها الأمير لأصلحه لك فلما رفع رجله أهوى عليه بسيفه فبترها عن جسده بترا فسقط على الأرض والدماء تنزف منه والآلام تكوي كبده كيا عند ذلك جعل يسأل كل من يمر به أن يجهز عليه ليتخلص من آلامه ولينجو من وقع أقدام المنهزمين التي تمر فوقه وظل على حاله هذه حتى قتله أحد جنود المسلمين وهو لا يعرف من حقيقته شيئا وأما الجيش فقد حلت به هزيمة ماحقة نكرى ففريق سقط قتيلا في خنادقه التي احتفرها بيديه فغدت قبورا له وفريق وقع آسيرا في أيدي المسلمين إلا أن جمهرة الجيش الكبرى لاذت بالسفن الراسية على الشواطئ وولت الأدبار هاربة إلى جزيرة دارين لقد حرر العلاء بن الحضرمي البحرين وأعادها إلى حوزة الإسلام ولكن أتظن أن في وسع بطل مجاهد مثله أن يطمئن له جنب أو يغمض له جفن مادام المرتدون يسرحون ويمرحون قريبا منه متحصنين بجزيرة دارين