بسم الله الرحمن الرحيم يسر جمعية مودة أن تقدم لكم صورا من حياة الصحابة لعد الرحمن رأفة الباشا رحمه الله معاذ بن جبل رضي الله عنه لما أشرقت جزيرة العرب بنور الهدى والحق كان الغلام اليثريبي معاذ بن جبل فتنيافع وكان يمتاز من أترابه بحدة الذكاء وقوة العالضة وروعة البيان وعلو الهمة وكان إلى ذلك قسيما وسيما أكحل العين جعد الشعر براق الثنايا يملأ عين مجتليه ويملك عليه فؤادة أسلم الفتاة معاذ بن جبل على يدي الداعية المككي مصعب بن عمير وفي ليلة العقبة امتدت يده الفتية فصافحت يد النبي الكريم وبايعت فقد كان معاذ مع الرهط الـ72 الذين قصدوا مكة ليسعدوا بلقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ويشرفوا ببيعته وليخطوا في سفر التاريخ أروع صفحة وأزهاها وما إن عاد الفتاة من مكة إلى المدينة حتى كونه ونفر صغير من لداته جماعة لكسر الأوثان وانتزاعها من بيوت المشركين في يثرب في السر أو في العلن وكان من أثر حركة هؤلاء الفتيان الصغار أن أسلم رجل كبير من رجالات يثرب هو عمر بن الجموح كان عمر بن الجموح سيدا من سادات بني سلمة وشريفا من أشرافهم وكان قد اتخذ لنفسه صنما من نفيس الخشب كما كان يصنع الأشراف وكان شيخ بني سلمة يعنى بصنمه هذا أشد العناية فيجلله بالحرير ويضمخه كل صباح بالطيب فقام الفتيان الصغار إلى صنمه تحت جنح الظلام وحملوه من مكانه وخرجوا به إلى خلف منازل بني سلمة وألقوه في حفرة كانت تجمع فيها الأقدار فلما أصبح الشيخ افتقد صنمه فلم يجد وبحث عنه في كل مكان حتى ألفاه مكبا على وجهه في الحفرة غارقا في الأقدار فقال ويلكم من عدا على إلهنا في هذه الليلة ثم أخرجه وغسله وطهره وطيبه وأعاده إلى مكانه وقال له أيمناه والله لو أني أعلم من صنع بك هذا لأخزيته فلما أمس الشيخ ونام تسلل الفتيات إلى صنمه وفعلوا به ما فعلوه في الليلة السابقة فما زال يبحث عنه حتى وجده في حفرة أخرى من تلك الحفر فأخرجه وغسله وطهره وعطره وتوعد من عدو عليه أشد الوعيد فلما تكرر ذلك منهم استخرجه من حيث القوم وغسله ثم جاء بسيفه فعلقه عليه وقال يخاطبه والله إني ما أعلم من يفعل بك هذا الذي تراه فإن كان فيك خير يامناه فادفع عن نفسك وهذا السيف معك فلما أمس الشيخ ونام عد الفتيات على الصنم وأخذ السيف المعلق في رقبته وربطوه بعنق كلب ميت وألقوهما في حفرة من تلك الحفر فلما أصبح الشيخ جد في طلب صنمه حتى وجده ملقا بين الأقدار مقرونا بكلب ميت منكسا على وجهه عند ذلك نظر إليه وقال تالله لو كنت إله لم تكن أنت وكلب وسط بئر في قرن ثم أسلم شيخ بني سلمة وحسن إسلامه ولما قدم الرسول الكريم على المدينة مهاجرا لزمه الفتا معاذ بن جبل ملازمة الظل لصاحبه فأخذ عنه القرآن وتلقى عليه شرائع الإسلام حتى غدا من أقرأ الصحابة لكتاب الله وأعلمهم بشرعه حدث يزيد بن قطيب قال دخلت مسجد حمس فإذا أناب فتن جعد الشعر قد اجتمع حوله الناس فإذا تكلم كأن ما يخرج من فيه نور ولؤلو فقلت من هذا فقالوا معاذ بن جبل وروا أبو مسلم الخولاني قال أتيت مسجد دمشق فإذا حلقة فيها كهول من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وأيضا شاب فيهم أكحل العين براق الثنايا كلما اختلفوا في شيئ ردوه إلى الفتاة فقلت لجليس لي من هذا فقال معاذ بن جبل ولا غر فمعاذ ربي في مدرسة الرسول صلوات الله وسلامه عليه منذ نعومة الأظفار وتخرج على يديه فنهل العلم من ينابيعه الغزيرة وأخذ المعرفة من معينها الأصير فكان خيرة الميذ لخير معلم وحسب معاذ شهادة أن يقول عنه الرسول صلوات الله وسلامه عليه أعلم أمته بالحلال والحرام معاذ بن جبل وحسبه فضلا على أمة محمد أنه كان أحد النفل الستة الذين جمعوا القرآن على عهد رسول الله صلوات الله وسلامه عليه ولذا كان أصحاب الرسول إذا تحدثوا وفيهم معاذ بن جبل نظروا إليه هيبة له وتعظيم لعلمه وقد وضع الرسول الكريم وصاحباه من بعده هذه الطاقة العلمية الفريدة في خدمة الإسلام والمسلمين فهذا هو النبي عليه الصلاة والسلام يرى جمع قريش تدخل في دين الله أفواجا بعد فتح مكة ويشعر بحاجة المسلمين الجدد إلى معلم كبير يعلمهم الإسلام ويفقههم بشرائعه فيعهد بخلافته على مكة لعتاب بن أوسيد ويستبقي معه معاذ بن جبل ليعلم الناس القرآن ويفقههم في دين الله ولما جاءت رسل ملوك اليمن إلى رسول الله صلوات الله وسلامه عليه تعلن إسلامها وإسلام من ورائها وتسأله أن يبعث معها من يعلم الناس دينهم انتدب لهذه المهمة نفرا من الدعاة الهدى من أصحابه وأمر عليهم معاذ بن جبل رضي الله عنه وقد خرج النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه يودع بعثة الهدى والنور هذه وطفق يمشي تحت راحلة معاذ ومعاذ راكب وآطال الرسول الكريم مشيه معه حتى لك أنه كان يريد أن يتملا من معاذ ثم أوصاه وقال له يا معاذ إنك عسى أن لا تلقاني بعد عامي هذا ولعلك أن تمر بمسجدي وقبري فبكى معاذ جزعا لفراق نبيه وحبيبه محمد صلوات الله وسلامه عليه وبكى معه المسلمون وصدقت نبوأة الرسول الكريم فمكتحلت عينا معاذ رضي الله عنه برؤية النبي عليه الصلاة والسلام بعد تلك الساعة فقد فارق الرسول الكريم الحياة قبل أن يعود معاذ من اليمن ولا ريب في أن معاذا بكى لما عاد إلى يثرب فألفاها قد أقفرت من أنس حبيبه رسول الله ولما ولي الخلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه أرسل معاذا إلى بني كلاب ليقسم فيهم أعطياتهم ويوزع على فقرائهم صدقات أغنيائهم فقام بما عهد إليه من أمر وعاد إلى زوجه بحلسه الذي خرج به يلفه على رقبته فقالت له امرأته أينما جئت به مما يأتي به الولاة من هدية لأهليهم فقال لقد كان معي رقيب يقض يحصي علي فقالت قد كنت أمينا عند رسول الله وأبي بكر ثم جاء عمر فبعث معك رقيبا يحصي عليك وأشاعت ذلك في نسوة عمر واشتكته لهم فبلغ ذلك عمر فدعى معاذا وقال أنا بعثت معك رقيبا يحصي عليك فقال لا يا أمير المؤمنين ولكنني لم أجد شيئا اعتذر به إليها إلا ذلك فضحك عمر رضوان الله عليه وأعطاه شيئا وقال له أرضها به وفي أيام الفاروق أرسل إليه واليه على الشام يزيد بن أبي سفيان يقول يا أمير المؤمنين إن أهل الشام قد كثروا وملأوا المداء واحتاج إلى من يعلمهم القرآن ويفقههم بالدين فأعني يا أمير المؤمنين برجال يعلمونهم فدعى عمر النفر الخمسة الذين جمعوا القرآن في زمن النبي عليه الصلاة والسلام وهم معاذ بن جبل وعبادة بن الصامت وأبو أيوب الأنصاري وأبي بن كعب وأبو الدرداء وقال لهم إن إخوانكم من أهل الشام قد استعانوني بمن يعلمهم القرآن ويفقههم في الدين فأعينوني رحمكم الله بثلاثة منكم فإن أحببتم فاقترعوا وإن لن تدبت ثلاثة منكم فقالوا ولم نقترع فأبو أيوب شيخ كبير وأبي رجل مريض وبقينا نحن الثلاثة فقال عمر إبدأوا بحمس فإذا رضيتم حال أهلها فخلفوا أحدكم فيها وليخرج واحد منكم إلى دمشق والآخر إلى فلسطين فقام أصحاب رسول الله الثلاثة بما أمرهم به الفاروق في حمس ثم تركوا فيها عبادة بن الصامت وذهب أبو الدرداء إلى دمشق ومضى معاذ بن جبل إلى فلسطين وهناك أصيب معاذ بالوباء فلما حضرته الوفاه استقبل القبلة وجعل يردد هذا النشيد مرحبا بالموت مرحبا زائر جاء بعد غياب وحبيب وفد على شوق ثم جعل ينظر إلى السماء ويقول اللهم إنك كنت تعلم أني لم أكن أحب الدنيا وطول البقاء فيها لغرس الأشجار وجري الأنهار ولكن لظمأ الهواجر ومكابدة الساعات ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر اللهم فتقبل نفسي بخير ما تتقبل به نفسا مؤمنة ثم فاضت روحه الطاهرة بعيدا عن الأهل والعشير داعيا إلى الله مهاجرا في سبيله أعلم أمتي بالحلال والحرام معاذ بن جبل محمد رسول الله