خلاصة مفاهيم أهل السنة الكبر الكبر خلق ردي يؤدي إلى أمرين مهلكين رد الحق ورفضه واحتقار الناس والتطاول عليهم وقد عرفه الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك فقال الكبر بطر الحق وغمط الناس رواه مسلم وهو ناجم عن مرض قلبي رذيل هو العجب فمن يعجب بنفسه يرى أن له فضلا على الناس فيحتقرهم ويعدهم دونه وهذا هو الشق الثاني من الكبر المذكور في الحديث غمط الناس أي احتقارهم أما الشق الأول بطر الحق أي رده فهو أيضا ناجم عن العجب بالنفس وتعظيمها عن أن تنساق لشيء من الحق يقلل من عظمتها المزعومة كما رفض إبليس أمر الله له بالسجود لآدم عليه السلام قال تعالى وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين وكان استكباره ناجم عن إعجابه بنفسه وزعمه فضله على آدم عليه السلام حيث قال قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين فجمع بين رفض الأمر الحق من الله واحتقار آدم عليه السلام ولذلك كانت عاقبته الطرد من الجنة كما قال تعالى فهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين ولهذا أيضا فإن كل متكبر ممنوع من دخول الجنة كما ورد في أول الحديث السابق حيث قال الرسول صلى الله عليه وسلم في أوله لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر رواه مسلم وهذا وعيد شديد وتهديد أكيد يدفع كل عاقل صاحب قلب سليم إلى أن يحذر من الكبر أشد الحذر ويتوقاه غاية الوقاية الكبر الخفي قد يتلبس المرء بشيء من الكبر دون أن يشعر فقد يظهر كبره في قال بعلو الهمة وحقيقته التعالي على الناس بهمته المزعومة والمفاخرة بها والإنكار على من لا يعظمه وتصعير خده للناس إعراضا عنهم وقد يظهر في صورة الدعاء الحمية لله تعالى وحقيقته الحمية للنفس والفرق بينهما أن الحمية لله يثيرها تعظيم الله تعالى وتعظيم أمره فهي أن يحمي قلبه لله بتعظيم حقوقه سبحانه وتلك حال عبد أشرق على قلبه نور سلطان الله وامتلأ قلبه به بحيث يغضب من أجل نور ذلك السلطان كما كان حال الرسول صلى الله عليه وسلم فعن عائشة رضي الله عنها من تقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله بها متفق عليه فهي حمية تكون من قبل النفس المطمئنة التي أثارها تعظيم حق الله تعالى بينما الحمية للنفس يثيرها تعظيم النفس والغضب لفوات حضوظها فهي حرارة تهيج من النفس لفوات حظها وتكون من قبل النفس الأمارة بالسوء التي يثيرها استشعار فوات الحظ الفرق بين المهابة والكبر المهابة أثر من آثار امتلاء القلب بتعظيم الله ومحبته وإجلاله حيث يحل في هذا القلب النور وتنزل عليه السكينة ويلبس رداء المهابة فيأخذ بمجامع قلوب الخلق ومحبة له ومهابة منه وحنينا إليه وتقر به العيون أما الكبر فهو أثر من آثار العجب والبغي من قلب قد امتلأ جهلا وظلما فنظره إلى الناس شزر ومشه بينهم تبختر ومعاملته له مستئثار لا إيثار ولا إنصاف فلا يزداد من الله إلا بعدا ومن الناس إلا صغارا وبغضا العجب بالنفس وبأعمالها العجب بالنفس وأعمالها آفة تفتك بصاحبها وقد تحبط عمله فالمعجب بنفسه وبعمله يزدر الآخرين ويرى نفسه أفضل منهم وأكثر منهم قربة لله بفضل أعماله الصالحة التي يحسب أن الآخرين قد قصروا عنها مع أنه قد يكون من هؤلاء الناس من له أعمال خفية وخبيأة صالحة عند الله تجعله أفضل من ذاك المعجب بنفسه كما أن عمله قد يكون أرجال القبول عند الله لما يصاحبه من إخلاص فيه لله ومن إحسان في أدائه ولما له في قلبه من محبة لله ويقين به ليس لدا ذاك المعجب بنفسه فليحذر المرء من العجب وليتذكر كل ذلك وليعد نفسه من المقصرين في حق الله مهما فعل من طاعات لأنها لا توفي حق شكر نعمة واحدة من نعم الله عليه حتى لا يصاب بهذا الداء العضال معنى الغش عام غير منحصر لا ينحصر الغش في البيع والتجارة وإن كان أشهر صواره فالرسول صلى الله عليه وسلم حين أدخل يده في صبرة الطعام في السوق ووجد فيها بللا قال للبائع من غش فليس مني رواه مسلم فأطلق الغش ولم يقيده بالبيع ولم يحصره فيه وهو نفسه صلى الله عليه وسلم الذي قال ما من وال يلي رعية المسلمين فيموت وهو غاش لهم إلا حرم الله عليه الجنة متفق عليه وغش الوال لرعيته ليس في البيع والتجارة وإنما هو بعدم النصح لهم وعدم رعايتهم والقيام على مصالحهم في أمورهم كافة الدينية والدنيوية على السواء ومن ذلك حكمه بغير ما أنزل الله وهو من أكبر الغش لأنه غش في النصح والدين ومنه ترك المبتدع على بدعته والضال على ضلالته وترك العلماء مناصحة السلاطين والأمراء كما يترك السلاطين النصح لرعيتهم الكيل بمكيالين إزدواجية المعايير ونعني به حرص المر على استيفاء حقه كاملا وفي المقابل يبخص الناس حقوقهم فكيله لنفسه يخالف كيله لغيره وذلك في الحقوق والمجالات كافة وهو خلق ذميم يشمله عموم قول الله تعالى ويل للمطففين الذين إذا كتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون وما فيه من وعيد بالويل والمسلم مطالب بأن يحب لأخيه ما يحب لنفسه كما قال صلى الله عليه وسلم لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه متفق عليه وأن ينصف من نفسه ويعامل الناس كما يحب أن يعاملوه المخالفة في الهدي الظاهر لأهل الإسلام قول الله تعالى لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخرة وذكر الله كثيرا يشمل التأسي به صلى الله عليه وسلم في كافة شؤون حياته وأحواله ومن ذلك سمته الظاهر ولكن كثيرا من الناس مع الأسف يتساهل في مخالفته لهديه الظاهر صلى الله عليه وسلم فيتساهل في إعفاء اللحية وقص الشارب وخصال الفطرة وكل ما كان من الهيئة الظاهرة وحجته المزعومة أن ذلك من قشور الدين وليس من اللب والمضمون الذي علينا أن نهتم به وهذا القول مخالف لمعنى الاستسلام لله عز وجل وشرعه الذي حثن الله عليه بقوله يا أيها الذين آمنوا دخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين وليس في الدين قشور ولباب بل هو لحمة واحدة والاستسلام فيه لله تعالى يكون في الكبير والصغير على حد سواء آفات اللسان آفات اللسان عديدة ومتنوعة منها الكذب والغيبة والنميمة والهمز واللمز ولغو القول والسخرية والفحش وبذاءة القول وكلها آفات وأخلاق رذيلة يعلم المسلمون من دينهم حرمتها وسوء عاقبتها ومع ذلك يكاد لا يسلم أحد منها أو من بعضها ما بين مكثر ومقل وما ذاك إلا لأن الدافع لها في الحقيقة مرض القلب الذي لا ينتبه له والقلب هو ملك الجسد الذي يتحكم فيه كله كما قال صلى الله عليه وسلم إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب متفق عليه وإنما يترجم اللسان عما في القلب فالقلوب كالقدور والألسن مغارفها وبهذا يجمع بين الحديث السابق إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان فتقول اتق الله فينا فإنما نحن بك فإن استقمت استقمنا وإن عوججت عوججنا وقوله تكفر اللسان أي تخضع وتطاطع له من التكفير الذي هو انحناء الرأس وطاطأته قريبا من الركوع كما يفعل من يريد تعظيم صاحبه ويصدر ذلك من الأعضاء لللسان لأنه هو الفاعل للأمور في الظاهر وإن كان مصدر الفعل والباعث له هو القلب يتجنب المرء عادة للغيبة الفجة الظاهرة لما يعلمه من حرمتها وإثم فاعلها لكن ما في قلبه من مرض وإن لم يدرك قد يحمله على الوقوع فيها بطريقة مستترة ومزخرفة بألوان شتى من الخداع الذي يخادع به الله والناس وما يدري أنه في الحقيقة يخادع نفسه لأن الله مطلع على سرائر القلوب ولا يخفى عليه ذلك الزخرف والتستر فيكون حاله كحال المنافقين الذين قال الله عنهم يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون فمن تلك الطرق الخفية أولاً إخراج الغيبة في قالب ديانة وصلاح كأن يقول معتدت أن أذكر أحداً إلا بخير ولا أحب الغيبة وإنما أخبركم بأحواله نصحاً لكم أو يقول والله إن فلاناً مسكين ورجل جيد ولكن فيه كيت وكيد أو يزعم الاهتمام بمن يغتابه و الاغتمام لحاله فيقول غمني ما صدر من فلان وربما قال دعونا من فلان الله يغفر لنا وله أو يخرج الغيبة في قالب الغضب لله وإنكار المنكر ثانياً إخراج الغيبة في قالب التعجب فيقول أعجب من فلان كيف فعل كيت وكيت أو كيف لم يفعل كيت وكيت ثالثاً الإغتياب موافقةً لجلسائه لكونه يرى أنه لو أنكر عليهم لقطع المجلس واستثقله جلساؤه ونفروا منه فحش القول حال الخصومة أكثر ما يكون فحش القول وبذاءته حال الخصومة والشجار فيكون حينئذ من الفجور في الخصومة الذي يعد سمة لأهل النفاق كما قال صلى الله عليه وسلم أربع خلال من كن فيه كان منافقاً خالصا من إذا حدث كذب وأيذا وعد أخلف وأيذا عاهد غدر وأيذا خاص ما فجر ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها متفق عليه فليحذر المرء من فحش القول عموما وحال الخصومة خصوصا حتى لا يتسم بسمة من سماة أهل النفاق لهو الحديث كل كلام يلهي القلب ويأكل الوقت ولا يثمن خيراً ولا يؤتي حصيلة تليق بوظيفة الإنسان في عمارة الأرض والاستخلاف فيها وفق منهج الله كل ما كان كذلك فهو من لهو الحديث الذي يلهي عن طاعة الله ويصد عن مرضاته ويحرف الناس عن طريق الهدى إلى طريق الهوى قال الله تعالى ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوى أولئك لهم عذاب مهين ومن ذلك الغناء والموسيقى شهادة الزور لها معنيان الزور الباطل وهو كل قول أو فعل محرم ومنه الكذب والافتراب والشهادة في أصل معناها الحضور ومنه قول الله تعالى فمن شهد منكم الشهر فليصم أي فمن حضر منكم الشهر وتطلق الشهادة أيضا على الإخبار عن الشيء ومنه قول الله تعالى وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين وقول الله تعالى والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما يشمل المعنيين جميعا فعباد الرحمن لا يشهدون على أحد بالزور والزور على هذا المعنى منصوب على نزع الخافض والتقدير لا يشهدون بالزور وهم أيضا لا يحضرون مجالس الزور والباطل والزور على هذا المعنى مفعول به فليحذر المؤمن من كل من الكذب والافتراء وحضور مجالس الباطل والزور فكلاهما خلقان ذميما ليس من صفات المؤمنين سبق ذكر الصدق ومفاهيمه في مكارم الأخلاق ونذكر هنا صدقا يذم ولا يشرع كالكلام في أعراض الناس ولو بصدق فتلك هي الغيبة وكذلك السعي بين الناس بالنميمة ولو كان صادقا في قوله فإن ذلك يفضي إلى إفساد ذات البين والكذب وإن كان الأصل فيه الذم وعدم الجواز إلا أن له صورا مباحة أو مستحبة وقد تجب أحيانا فمن ذلك حديث أم كالثوم بنت عقبة قالت رخص النبي صلى الله عليه وسلم من الكذب في ثلاث في الحرب وفي الإصلاح بين الناس وقول الرجل لمرأته وفي رواية وحديث الرجل لمرأته وحديث المرأة زوجها رواه أبو داود وأحمد وصححه الألباني ويلحق بذلك الكذب على الظالم الباغي الذي يقصد مسلما لقتله أو التنكيل به وإيذائه فحينئذ يجب الكذب صيانة لنفس المسلم وعرضه وماله وكذلكا نطق بكلمة الكفر كذبا مع طمئنان القلب عند الإكراه فالكذب في هذه المواطن كلها مأذون فيه فلا حرج على من يأتيه بل إنه يثاب حين يكون واجبا عليه كما بينا لما يحققه من مصلحة تضمنها ولو صدق في ذلك لأثم إثم المتسبب في تحقيق المفسدة الرضا من النفس بالدون هو خلق سلبي محطم للهمم والآمال فحين يقصر المسلم همته ويرضى من نفسه بالدون فهو يفوت على نفسه وعلى أمته فرصا للنجاح وثمراته المرجوة في الدنيا والآخرة وهو يوقع نفسه بذلك أسيرا للشيطان الحريص دائما على تخذيل الإنسان وتحطيم همته كما قال تعالى وكان الشيطان للإنسان خذولا وليحذر المرء من أن يحتج لهذا الهوان بالرغبة في التواضع والفرار من الشهرة والغرور والعجب فالهمة العالية ليست غرورا ولا عجبا وهناك فرق بين التواضع المحمود والدونية الممقوتة فعباد الرحمن المتواضعون الذين يمشون على الأرض هونا لم يمنعهم تواضعهم من الهمة العالية ليس في مجرد تحصيل التقوى بل طلبوا أن يكونوا أئمة وقدوة في ذلك فقالوا واجعلنا للمتقين إماما خلقان ذميما قرنهما الرسول صلى الله عليه وسلم بعضهما ببعض وأكثر من التعوذ منهما في دعائه قال صلى الله عليه وسلم اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل والجبن والبخل متفق عليه وقل ما يوجد أحدهما عند شخص إلا ويوجد معه الخلق الآخر فغالبا ما يكون البخيل جبانا والجبان بخيلا وذلك لأن الشحى يجمعهما فالجبان يشح بنفسه والبخيل يشح بماله وقد قال الله تعالى ومن يوقى شح نفسه فأولئك هم المفلحون وقد يستتر هذان الخلقان لعدم وجود ما يظهرهما من مواقف فإذا ما وقع موقف خوف ظهر خلق الجبن أو وقع موقف طمع ظهر خلق البخل وقد ابتلي بنو إسرائيل بالموقفين فسقط معظمهم في الموقفين جميعا حيث أمروا بدخول بيت المقدس فجبنوا وقالوا إن فيها قوما جبارين وحجز الله عنهم الحيتانا إلا يوم السبت وقد فرض عليهم عدم العمل فيه فما صبروا على شهوة جمع المال وتحايلوا على الصيد في يوم سبتهم بوضع الشباك قبله وجمع صيدها بعده شحا بالمال أن يضيع منهم وبتل الله أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بالموقفين فنجحوا فيهما جميعا ففي موقف الخوف قال الله تعالى الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل فما جبنوا ولا خافوا وأما عن المال فقد منعوا من الصيد في الحرم أو حال الإحرام كما قال تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم فامتثلوا للحكم ولم يخالفوه كما أنهم قد فتح الله عليهم الدنيا آخر عهدهم فاستعلوا عليها وزهدوا فيها الفضاضة والغلضة قال الله تعالى ولو كنت فضا غريض القلب لن فضوا من حولك فثمرة الفضاضة وغلضة القلب مره وعاقبتها سيئة نفرة وانفضاض من حول الفضي غريض القلب وكره واشمئزاز منه وفوق ذلك كله إثم وحرمان من الأجر أجر الوجه البشوش الطلق قال صلى الله عليه وسلم لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق رواه مسلم والغلضة المذمومة هي قسوة القلب في التعامل مع الناس كافة سواء في الدعوة إلى الله أو في المعاملات الدنيوية أما التعامل مع الكفار والمنافقين حال جهادهم بالسنان واللسان فلا تذم الغلضة فيه بل هي محمودة مطلوبة لإرهابهم والتضييق عليهم قال تعالى يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين وغلض عليهم وقال تعالى يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلضة النجوى النجوى هي المسارة في الحديث مشتقة من النجو وهو المكان المستتر الذي ينجو المختبئ فيه من طالبه فالمتناجون يستترون من سائر الناس ليخفوا عنهم أمورا يبيتونها بينهم وأغلب ذلك يكون في الشر وما لا فائدة فيه لهذا نهى الله تعالى عن النجوى فقال ألم تر إلى الذين نهو عن النجوى ثم يعودون لما نهو عنه ويتناجون بالإثم والعدوان ومعصيات الرسول وإنما نهي عن النجوى لأنها خلق يؤسس لتكوين جيوب في الجماعة المسلمة تخطط وتدبر أمورا خفية عنها ويبعث ذلك الريبة والشكوك في نفوس سائر الجماعة المؤمنة مما يؤدي إلى تفكك جماعة المسلمين وزوار الأمن والاستقرار فيها بل قد نهى الشرع عن النجوى حتى على مستوى الأفراد المحدودين قال صلى الله عليه وسلم لا يتناجثنان دون واحد متفق عليه وفي رواية زيادة فإن ذلك يحزنه رواها ابن حبان في صحيحه وهو ما يتفق مع قول الله تعالى إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا وليس بضارهم شيئا إلا بإذن الله النجوى المحمودة استثنى الله من النجوى المنهي عنها ما كان بالبر والتقوى فقال يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول وتناجوا بالبر والتقوى وقال تعالى لا خير في كثير من نجواهم والمفهوم المخالف لعدم الخيرية في كثير من النجوى أن هناك خيرا في قليل من النجوى وقد بينت الآية هذا القليل ومثلت له أو حصرته بالاستثناء من عدم الخيرية إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس وشرطت لذلك إخلاص النية لله تعالى ومن يفعل ذلك بتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجراً عظيم فالمقصود بالنجوى الخيرة إذن أن يسار الرجل الصالح صالحين أمثاله ليتعاون معاً على أمر خير وفيه معروف للناس أو إصلاح بينهم الغضب الغضب جمرة توقد في قلب ابن آدم تحمله على التهور وفعل السوء ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب متفق عليه وقال لمن سأله الوصية لا تغضب فردد مرارا قال لا تغضب ولكن هذا الغضب المنهي عنه هو ما كان غضباً للنفس طلباً للثأر حين تؤذى أما الغضب غيرة على محارم الله أن تنتهك فليس ذلك انتقاماً للنفس وإنما هو الذي يدفع المرأة للذب والدفاع عن حرمات الله كما قالت عائشة رضي الله عنها وعن النبي صلى الله عليه وسلم من تقم رسول الله لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله بها متفق عليه الظلم الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه وهو محرم بكل صوره وأشكاله فقد توعد الله الظالم بالخيبة والخسران قال تعالى وقد خاب من حمل ظلما والآيات غيرها في ذم الظلم وأهله كثيرة أنواع الظلم للظلم ثلاثة أنواع رئيسة الأول الظلم الأعظم وهو الشرك بالله تعالى كما قال الله عز وجل إن الشرك لظلم عظيم وقال تعالى والكافرون هم الظالمون وإنما كان الشرك ظلما لأنه وضع للعبادة في غير موضعها وذلك بعبادة غير الله تعالى أو إشراك غيره معه وهذا النوع من الظلم لا يغفره الله أبدا حتى يتوب المرء منه ويرجع إلى توحيد الله عز وجل ثانيا الظلم العبادي والتعدي على حقوقهم قال تعالى إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم وقد ورد في الحديث القدسي يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا رواه مسلم وهذا النوع من الظلم لا يغفره الله حتى يقتص للعبادي بعضهم من بعض أو يعفو المظلوم عن ظالمه وظلم العبادي يتنوع بين ظلمهم في دينهم بصدهم عن سبيل الله أو أنفسهم قتلا أو تعذيبا أو سجنا أو عقولهم بالشبهات أو المخدرات والمسكرات أو أموالهم بنهبها أو بخسهم حقوقهم أو أعراضهم بالشهوات وهتك الأعراض أو بالقذف والسباب والإهانة ثالثا ظلم النفس سواء كان ذلك باقترافها للمعاصي فيما بينها وبين الله عز وجل أو بظلمها للآخرين أو بوقوعها في الشرك بالله تعالى لأن كل ذلك كما أنه وضع للأمور في غير موضعها الذي يرضاه الله عز وجل فهو إساءة للنفس بإرادها مورد الذم والعقوبة بدلا من المدح والمثوبة وقد قال الله تعالى وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون وقال تعالى إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون والآيات في ظلم النفس غير ما ذكر كثيرة ظالم ومظلوم لما كان ظلم النفس يشمل أيضا النوعين الآخرين الشرك وظلم العباد صح بهذا الاعتبار أن نقول إن كل ظالم هو مظلوم في الوقت ذاته لأنه يظلم نفسه على كل حال فهو ظالم ومظلوم في آن واحد وكفى بذلك خيبة وخسرانا ومن كان لنفسه ظالما فهو لغيرها أظلم لذا هو لا يستطيع العدل مع غيره أسباب الظلم ودوافعه يدفع المرء إلى الظلم أحد أمور ثلاثة أولا الشبهات التي تنشأ من الجهل وقلة الفقه بالدين وتؤدي إلى التأويل الفاسد والاجتهاد الخاطئ فيظلم الآخرين ثانيا القوة الشهوانية من حب الدنيا ومناصبها ومتاعها الزائل ثالثا القوة الغضبية الناجمة عن الكبر والحقد والحسد وحب الانتقام والعلو في الأرض الحذر من دوافع الظلم ينبغي على المرء ألا يعرض نفسه لما قد يجره إلى الظلم والجور حتى ولو كان مباحا في أصله وليؤثر السلامة والعافية فقد أرشد الله من خشي عدم العدل بين زوجاته إن تزوج أكثر من واحدة إلى أن يقتصر على واحدة قال تعالى فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا وقوله ألا تعولوا أي ألا تجوروا وتعتدوا تحريم الركون إلى الظلم الركون إلى الظلم هو الميل إلى الظالم والانضمام إليه والرضى بما هو عليه من الظلم وهو إثم كبير وعليه وعيد شديد قال تعالى ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون وإذا كان هذا الوعيد على الركون إلى الظلمة فكيف حال الظلمة أنفسهم نسأل الله العافية من الظلم وأهله عاقبة انتشار الظلم في الأمة إن انتشار الظلم بين أفراد الأمة يؤذن بتسليط الولاة الظلمة عليهم كما قال الله تعالى وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون ولئن كان تحديد ليلة القدر قد رفع عن الأمة بسبب تخاصم اثنين منها أحدهما ظالم للآخر فكيف يكون الحال إذا تسلط ولاة ظلمة وسجن الآلاف لسنوات عديدة بلا ذنب إن تولي ولاة ظلمة على الأمة يضعفها ويذلها ويذهب مقدراتها فيمهد لتسلط الأمم القوية الظالمة عليها وعلى حكامها الظلمة إما بالاحتلال المقنع والتحكم فيها من وراء ستار أو بالاحتلال الصريح المباشر الظلم يحرم صاحبه من خيرات كثيرة فهو يحرم الظالم من الهداية كما قال تعالى إن الله لا يهدي القوم الظالمين ويحرمه من الفلاح قال تعالى إنه لا يفلح الظالمون ويحرمه من حب الله عز وجل قال تعالى والله لا يحب الظالمين للظلم على الظالم أضرار جسيمة في الدنيا والآخرة فالظالم يضله الله عز وجل قال تعالى ويضل الله الظالمين والظالم ملعون من الله تعالى قال تعالى ألا لعنة الله على الظالمين والظالم معرض لدعوات المظلوم عليه واستجابة الله له قال صلى الله عليه وسلم واتق دعوة المظلوم فإنها ليس بينها وبين الله حجاب متفق عليه وعاقبة الظلم في الدنيا شديدة حتى وإن أمهل الظالم فترة من الوقت قال صلى الله عليه وسلم إن الله ليملي للظالم فإذا أخذه لم يفلت ثم قرأ وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد متفق عليه وكذلك عاقبة الظلم في الآخرة وخيمة قال الله تعالى وعنة الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلما وقال صلى الله عليه وسلم اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة رواه مسلم الغلو الغلو في اللغة الارتفاع ومجاوزة الحد فغلاء الأسعار ارتفاعها ومجاوزتها الحد المقبول والغلو في الدين مجاوزة الحدود الشرعية سواء كان ذلك في الاعتقاد أو العمل وأشهر من عرف بالغلو في الدين من الأمم قبلنا النصارى فقد غالوا في كل من الاعتقاد والعمل ففي الاعتقاد جاوزوا الحد في تعظيم نبيهم عيسى عليه السلام حتى رفعوه إلى درجة الإله وبن الإله وفي العبادة جاوزوا الحد بابتداع رهبانية كما قال الله تعالى ورهبانية ابتدعوها وقد نهى الشرع عن الغلو في الدين سواء في الاعتقاد أو العمل قال تعالى يا أهل الكتاب لا تغلو في دينكم غير الحق وقال صلى الله عليه وسلم إياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين أخرجه أحمد والنسائي وصححه الألباني والغلو أمر لا تقبله الفطر والعقول السليمة الغلو في الاعتقاد أشد من الغلو في العمل الغلو شر كله وسبب للهلاك كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث السابق فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين وقال أيضا هلك المتنطعون رواه مسلم والتنطع التعمق والغلو في الدين إلا أن الغلو في الاعتقاد أعظم ضرر وأشد خطر من الغلو في العمل إذ هو الذي يؤدي إلى الانشقاقات وينشئ الفرق الضالة عن الصراط المستقيم كالخوارج والروافض والمرجئة إلى آخر ذلك وقد وصف الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك ويصرة أصل الخوارج بأن له أصحابا متفق عليه وفي رواية قال إنه يخرج من ضئض هذا قوم فأشار إلى ظهور قوم وأصحاب بينما في حديث اتكاء زينب رضي الله عنها على الحبل إذا فترت من صلاة الليل قال صلى الله عليه وسلم ليصلي أحدكم نشاطة متفق عليه فذكر صيغة الفرد أحدكم ولم يذكر جماعة ولا قوما وكذا الرهط الثلاثة الذين غلوا في أعمال مثل الصلاة والصيام والنكاح لم تنشأ عنهم فرق على مثل أعمالهم ومع هذا فالغلو في فروع عملية كثيرة يشبه الغلو الكلي لاعتقادي لأن المعارضة الحاصلة به للشرع مماثلة لتلك الحاصلة بالغلو في أمر اعتقادي كلي دوافع الغلو وصفات أهله يدفع إلى الغلو ويتسبب فيه عاملان رئيسان الجهل وإرادة التعظيم فكل الفرق الغالية في الدين تتصف إما بالجهل بنصوص الشرع أو الجهل بمقاصده أو الجهل بهما معا وقد قال صلى الله عليه وسلم عن فرقة الخوارج يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم أي لا يفقهون كما أن إرادة التعظيم سمة غالبة على الجميع أيضا فالخوارج يريدون تعظيم الشرع وحكم الله كما يزعمون والروافض يعظمون أئمتهم فيدعون لهم العصمة وكذا الصوفية ومن قبل النصار قضموا نبيهم عيسى عليه السلام فغالوا فيه حتى جعلوه إلها وكما يتصف الغالون في الدين بالجهل يغلب عليهم أيضا الظلم والجور فالخوارج يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان والروافض يظلمون أهل السنة ويكفرونهم ويرمونهم ظلما بمعادات أهل البيت أشاعرة يظلمون أهل السنة ويتهمونهم بالتشبيه الغلو في نقد أهل الغلو إنحراف الغالين في الدين ولو أدى إلى وصمهم بالبدعة أو الكفر لا يسوغ بحال ظلمهم والغلو في نقدهم وذلك مثلا بتقويرهم ما لم يقولوه أو إلزامهم بما لم يلتزموه قد أمرنا الله تعالى بالعدل على كل حال فقال ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا إعدلوا هو أقرب للتقوى وأشد من ذلك غلوا الحاق الأذى بالمتمسكين بعقيدة السلف الصالح ووصفهم بالغلو والتطرف والإرهاب وذلك صنيع أعداء الإسلام وإعلامهم الماكر الذي يرمي كل متمسك بالسنة وهدي السلف الصالح في العقيدة والسلوك بأنه من أهل العلو فيبررون بذلك ضرب الصحوة الإسلامية تحت ستار محاربة العلو بل قد يصل الأمر إلى حد وصف محكمات الدين وثوابته كالولاء والبراء والجهاد في سبيل الله وغيرهما أنها من العلو الرفق في نقد أهل الغلو الرفق في نقد أهل الغلو ورحمتهم والشفقة عليهم كل ذلك يثمر تأليف قلوبهم وانقيادهم للحق ورجوعهم عماهم عليه من الغلو بينما أخذهم بالشدة والغلضة وإظهار الكراهية لهم يسبب نفورهم من الحق فقه واقع أهل الغلو ينبغي لمن يتصدى لأهل الغلو والرد عليهم أن يكون عالماً بتفاصيل حرافاتهم وثبوتها على أصحابها كما يجب عليه فقه واقع أهل الغلو والملابسات والظروف التي تحيط بهم والنظر إلى عواقب الأمور ومآلات التصدي لهم فإن كان سيترتب على ذلك مفاسد أكبر من مفسدة غلوهم كأن يستغل العدو الكافر أو المنافق مثل هذا التصدي ويوظفه في تنفيذ مقططاته لضرب الإسلام وأهله خاصة أهل السنة منهم إن كان سيترتب مثل ذلك يؤجل الإنكار إلى وقت تخف فيه أو ينكر على الجميع أهل الغلو والعدو الكافر أو المنافق وذلك لقطع الطريق على الطغاة والمنافقين لتوظيف الرد على الغلات في محاربة الدعاة والمجاهدين أهل الحق والخلاصة أنه ينبغي للمتصدي للغلو وأهله أن يجتهد في صياغة الردود عليهم ثوابت الدين بين أهل الغلو والمفرطين تنزيل أهل الغلو لثوابت الدين أو بعضها على غير منازلها لا ينفي أو يلغي هذه الثوابت بل الواجب هو تنزيلها منازلها الصحيحة وبيان أحكامها الشرعية فإنما سميت ثوابت مثل الولاء والبراء وتحكيم شرع الله والجهاد في سبيل الله وأحكام الكفر والإيمان التي ينفر الناس عنها بإطلاق مصطلح التكفير عليها والتكفير إذا استعمل بلا مراعاة لتوفر شروطه وانتفاء موانعه فهو بلا شك غلو وتطرف مرفوض إذا ضبطت أحكام التكفير بالضوابط الشرعية وتحقق الشروط وانتفاء الموانع لا تكون حينئذ غلوة بل هي من أحكام الدين التي أفاض العلماء في ذكرها كما في باب أحكام الردة والمرتدين من كتب الفقه المعتمدة ألوان من الغلو مسكوت عنها أثموم ومرفوض كله ولكننا مع الأسف نرى اليوم الانتقائية في نقد الغلو حيث يقصر الكثيرون النقد على بعضه فقط ونقده مطلوب بلا شك ويتركون الكلام على البعض الآخر والعدل والميزان الحق هو نقد الغلو بكافة صوره وأشكاله والنفس وسائر الضرورات الخمس فمن الغلو المسكوت عنه أولا الغلو في تعظيم الرجال ورفعهم فوق منزلتهم كغلو الروافض في أئمةهم وغلو بعض المتصوفة في مشايخهم والتعصب لبعض العلماء بتقديم أقوالهم على الكتاب والسنة والغلو في مدح الحكام ورفع صورهم وتعظيمها بإغراقهم البلاد في الشبهات والشهوات وجرأتهم على الدين وثوابته كتحكيم الشريعة والجهاد في سبيل الله والحجاب إلى آخر ذلك وتحسينهم لدين الكفار وتعذيبهم وقتلهم حين يتمكنون منهم كما حدث في العراق وسوريا غلو بعض المنتسبين للسنة المتأثرين بالفكر الإرجائي في عداوتهم لبعض علماء أهل السنة ودعاتهم والمجاهدين في سبيل الله وفي المقابل يبالغون في كيل المديح للظلمة ويصفون من ينكر عليهم بأنه مبتدع أو خارجي الذين يوالون أعداء الله ويعادون أولياءه ويغيبونهم في السجون والمعتقلات كل من الغرب والشرق الكافرين في كفرهم وظلمهم وحربهم كما فعل الأمريكان في أفغانستان والعراق وما أخبار الروهنجا في ميانمار والإيجوري في الصين عنا ببعيد ومما يؤسف له أن كل من يغل في الغلو من الطوائف السابقة يصفون أنفسهم بكافة الأوصاف الجميلة الخادعة كالوسطية والاعتدال والتحرر والتنوير إلى آخر ذلك وفي مقابل ذلك يرمون أهل الحق بالغلو والتطرف على حد قول المثل رمتني بدائها وانسلت الجدال في أصله نقاش بشدة وهو نزاع وخصام بالقول والمرا الطعن في كلام الغير وإظهار خلاله لغرض تحقيره فكل من الجدال والمرا يعد من الخصومة التي تدخل تحت الأخلاق السيئات المنهي عنها وقد قال الله تعالى ذاما للجدال وكان الإنسان أكثر شيء جدلا ما ضل قوم بعد هدا كانوا عليه إلا أوت الجدل ثم تلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون وقال صلى الله عليه وسلم أيضا أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم والأحاديث في ذم المراء والجدل غير ذلك كثيرة أقوال مأثورة عن السلف في ذم الجدل وأهله أكثر السلف من ذم الجدل والخصومة والتحذير منها خاصة مع أهل البدع والضلال فمن تلك الأقوال قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه أدري ما يهدم الإسلام زلة عالم وجدال منافق وأئمة مضلون وقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه إياكم والخصومة فإنها تمحق الدين وقول عمر بن عبد العزيز رحمه الله من جعل دينه غرضا للخصومات أكثر الشك أو قال يكثر التحول وعن الأوزاعي إذا أراد الله بقوم شرا ألزمهم الجدل ومنعهم العمل الآثار السيئات للجدال والمراء آثار سيئات عديدة من أهمها أولا دخول الهوى والتعصب للباطل واستغلال الشيطان ذلك للتحريش والتفريق بين المسلمين ثانيا قسوة القلب والانشغال بالجدل عن العمل وما ينفع في الآخرة ثالثا نشوء كثير من البدع والضلالات وذلك باستخدام أهل الضلال للجدال في تقرير ضلالهم وبدعهم والبغيه على من يخاصمهم وإعجابه بنفسه والتفاخر بذلك الجدال بالتي هي أحسن استثنى الله تعالى من الجدال المذموم الجدال بالتي هي أحسن ومعنى النقاش والحوار بغرض إظهار الحق مع التحلي بالآداب الشرعية والخصومة مع إخلاص النية في الحوار والنقاش وقصد وجه الله في ذلك قال الله تعالى وجادلهم بالتي هي أحسن وقال تعالى ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن الانتكاس للباطل بعد معرفة الحق وهذا هو الحور بعد الكور الذي استعاذ منه الرسول صلى الله عليه وسلم ومعنى النقصان بعد الزيادة وفساد الأمور بعد صلاحها وأعظم من ذلك فتنة وبلاء ألا يكون فساد المر على نفسه فحسب بل يتعدى ذلك إلى إفساد الآخرين بعد أن كان مصلحا وأيلا أن يكون ساخرا من الدين بعد أن كان مسخرا له فمن عدم توفيق الله للإنسان أن يبدله من حجر بناء إلى حجر عثرة في طريق الصادقين نعوذ بالله من الضلال بعد الهدى والخذلان بعد التوفيق والفجور في اللغة التفتح والانبعاث ومنه طلوع الفجر والانفجار والفجور في الشرع هو التفتح وانبعاث في المعاصي من غير اكتراث بعواقبها قال الله تعالى بل يريد الإنسان ليفجر أمامه أي يريد أن يمضي قدما في معاص الله تعالى فالإنسان الفاجر هو الذي يسرف على نفسه في المعاصي والخروج عن طاعة الله غير مكترث بأضرار ذلك وعواقبه وعلى وجه العموم فالفجور عكس البر فهو اسم جامع لكل شر وكل ميل إلى الفساد الأخلاقي ولانطلاق إلى المعاصي وكثرة الكذب والافتراء وقد قال صلى الله عليه وسلم وإن الكذب يهدي إلى الفجور متفق عليه والوقوع في الفجور والتمادي فيه يؤدي إلى خلق أسوأ وأرذل هو الإفساد في الأرض الإفساد في الأرض الفساد في الأرض والإفساد في الأرض الفساد هو التلف والعطب والاضطراب والخلل والإفساد هو فعل ما يوجب الفساد فالإفساد في الأرض إذن يعني التسبب في تلفها ووقوع الاضطراب والخلل فيها وذلك بنشر الكفر والمعاصي الموبقة والفتن المهلكة وما يؤدي إلى الخراب والدمار قال الله تعالى وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد وأشهر من يوسم بالإفساد في الأرض هم اليهود فالإفساد ديدنهم وطبيعة مركوزة فيهم كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين والآيات في النهي عن الإفساد في الأرض وذمه كثيرة جدا من مظاهر الفساد في الأرض للفساد في الأرض مظاهر عديدة من أهمها الحكم بغير ما أنزل الله انتشار الكفر والشرك كثرة الظلم تسلط الفاجرين والطهاد المصلحين نشر الفجور والرذيلة كثرة القتل والهرج الإصراف في موارد الطبيعة وتبديدها كتبديد الغابات والثروات الطبيعية تلويث المياه والجو بالمواد الكيميائية الضارة نشر الأوبئة والأمراض بين الناس والكائنات الحية الإخلال بتوازن الطبيعة الفساد في الأرض حالة اجتماعية إذا حصل الفساد في الأرض يصبح حالة اجتماعية ويخرج عن سمة الفردية بحيث يصعب قصر مسؤوليته على أفراد بعينهم والقيادات المسببة له وعامة الناس تبع لهم لسكوتهم عنه وإقرارهم وعدم مقاومته ولهذا فإن العقاب الإلهي عليه يكون عاما وشاملا ولا يقتصر على أحد دون أحد قال الله تعالى واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة وعلموا أن الله شديد العقاب وقال تعالى ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون خلاصة مفاهيم أهل السنة