بسم الله الرحمن الرحيم خير القرون مواقفاً ومثالاً تبع الرسول إذا سعى أو قالا جمعية مودة تقدم صور من حياة التابعين للدكتور عبد الرحمن رأفة الباشا رحمه الله أبو حنيفة النعمان رحمه الله دخل أبو حنيفة النعمان على الإمام مالك وعنده ثلة من أصحابه فلما خرج من عنده التفت مالك إلى جلسائه وقال أتدرون من هذا فقالوا لا فقال هذا النعمان ابن ثابت هذا الذي لو قال عن هذه السارية إنها ذهب لحتج لما قال ولخرجت كذلك لم يكن الإمام مالك مبالغاً فيما وصف به أبا حنيفة من قوة الحجة وسرعة البديهة وتوقّد الذهن وحدة الخاطر قطّفحت كتب التاريخ والسير بأخبار مواقفه مع خصومه في الرأي ومناوئيه في العقيدة وكلها شواهد على صحة ما نعته به الإمام مالك من أنه لو زعم لك أن التراب الذي بين يديك ذهب لما وسعك إلا أن تذعن لحجته وأن تسلم لدعواه فكيف إذا كان يناضل عن الحق ويجادل من أجله من ذلك أن رجلا من أهل الكوفة أضله الله وكان ذا قدر في عيون بعض الناس وصاحب كلمة مسموعة لديهم وكان الرجل يزعم للناس فيما يزعمه لهم أن عثمان بن عفان كان يهوديا في أصله وأنه ظل على يهوديته بعد الإسلام أيضا فلما سمع أبو حنيفة مقالته هذه مضى إليه وقال لقد جئتك خاطبا ابنتك فلانة لأحد أصحابي فقال أهلا بك ومرحبا إن مثلك لا ترد له حاجة يا أبا حنيفة ولكن من الخاطب فقال رجل موسوم بين قومه بالشرف والغنى سخي اليد مبسوط الكف حافظ لكتاب الله عز وجل يقوم الليل كله في ركعة كثير البكاء من خوف الله تعالى فقال الرجل بخ بخ حسبك يا أبا حنيفة إن بعض ما ذكرته من صفات الخاطب يجعله كفأ لبنت أمير المؤمنين فقال أبو حنيفة غير أن فيه خصلة لا بد من أن تقف عليها قال وما هي قال إنه يهودي فانتفض الرجل وقال يهودي أتريد مني أن أزوج ابنتي من يهودي يا أبا حنيفة والله لا أزوجها منه ولو جمع خصال الأولين والآخرين فقال أبو حنيفة تأبى أن تزوج ابنتك من يهودي وتنكر ذلك أشد الإنكار ثم تزعم للناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوج ابنتيه كلتيهما من يهودي فعرت الرجل رعدة وقال أستغفر الله من قول سوء قلته وأتوب إليه من فرية افتريتها ومن ذلك أيضا أن أحد الخوارج وهو الضحاك الشاري جاء إلى أبي حنيفة ذات يوم وقال تب يا أبا حنيفة فقال مم أتوب فقال الخارجي من قولك بجواز التحكيم الذي جرى بين علي ومعاوية فقال له أبو حنيفة ألا تقبل أن تناظرني في هذا الأمر فقال الخارجي يبلى فقال أبو حنيفة فإن اختلفنا في شيء مما نتناظر فيه فمن يحكم بيننا فقال الخارجي حكم من تشاء فالتفت أبو حنيفة إلى رجل من أصحاب الخارجي كان معه وقال أحكم بيننا فيما نختلف فيه ثم قال للخارجي أنا رضيت بصاحبك فهل ترضى به أنت فسر الخارجي وقال نعم فقال أبو حنيفة ويحك تجوز التحكيم فيما يشجر بيني وبينك وتنكره على اثنين من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فبهت الخارجي ولم يحر جوابا ومن ذلك أيضا أن جهم ابن صفوان رأس الفرقة الجهمية الضالة المبتدعة وزارع الشر في أرض الإسلام جاء مرة أبو حنيفة وقال لقد أتيتك لأكلمك في أشياء هيأتها لك فقال أبو حنيفة الكلام معك عار والخوض فيما تذهب إليه نار تلضى فقال جهم كيف حكمت علي بما حكمت وأنت لم تلقني من قبل ولم تسمع كلامي فقال أبو حنيفة لقد بلغتني عنك أقاويل لا تصدر عن رجل من أهل القبلة فقال جهم أتحكم علي بالغيب فقال أبو حنيفة لقد شهر ذلك عنك واستفاد وعرفته العامة والخاصة فجاز لي أن أثبته عليك بما تواتر عنك فقال جهم أنا لا أريد أن أسألك إلا عن الإيمان فقال أبو حنيفة أولم تعرف الإيمان إلى هذه الساعة حتى تسألني عنه فقال جهم بلى ولكني شككت في نوع منه فقال أبو حنيفة الشك في الإيمان كفر فقال جهم لا يحل لك أن تصمني بالكفر إلا إذا سمعت مني ما يكفر فقال أبو حنيفة فقال جهم أخبرني عن رجل عرف الله بقلبه وعلم أنه واحد لا شريك له ولا ند وعرفه بصفاته وأنه ليس كمثله شيء ثم مات ولم يعلن الإيمان بلسانه أفيموت مؤمنا أم كافرا فقال أبو حنيفة يموت كافرا ويكون من أهل النار إذا لم يصرح بلسانه عما عرفه بجنانه ما لم يمنعه من التصريح باللسان مانع فقال جهم كيف لا يكون مؤمنا وقد عرف الله حق معرفته فقال أبو حنيفة إن كنت تؤمن بالقرآن وتجعله حجة كلمتك به وإن كنت لا تؤمن بالقرآن ولا تراه حجة كلمتك بما نكلم به من خالف الإسلام فقال جهم بل أؤمن بالقرآن وأجعله حجة فقال أبو حنيفة إن الله تبارك وتعالى جعل الإيمان بجارحتين اثنتين بالقلب واللسان لا بواحدة منهما وكتاب الله وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم طافحان بتقرير ذلك قال تعالى فهم عرفوا الحق بجنانهم ونطقوا به بلسانهم فأدخلهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار وقال تعالى قولوا فأمرهم بالقول ولم يكتف منهم بالمعرفة والعلم وقال عليه الصلاة والسلام قولوا لا إله إلا الله تفلح فلم يجعل الفلاح بالمعرفة وحدها وإنما ضم إليها القول وقال عليه الصلاة والسلام يخرج من النار من قال لا إله إلا الله فلم يقل يخرج من النار من عرف الله ولو كان القول لا يحتاج إليه ويكتف بالمعرفة من دونه لكان إبليس مؤمنا لأنه عارف بربه فهو يعلم أنه هو الذي خلقه وهو الذي يميته وهو الذي يبعثه وهو الذي أغواه قال تعالى على لسانه خلقتني من نار وخلقته من طين وقال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون وقال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم ولو كان ما تزعمه صحيحا لكان كثير من الكفار مؤمنين بمعرفتهم لربهم مع إنكارهم له بلسانهم قال تعالى وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم فلم يجعلهم مؤمنين باستيقانهم وإنما عدهم كافرين لجحود ألسنتهم ومضى أبو حنيفة يتدفق على هذا النسق تارة بالقرآن وأخرى بالحديث حتى بدل انبهار والخذلان على وجه جهم وانسل من بين يدي أبي حنيفة وهو يقول لقد أذكرتني شيئا كنت ناسيه وسأرجع إليك ثم مضى إلى غير عودة ومن ذلك أيضا أن أبا حنيفة لقي طائفة من الملحدين الذين ينكرون وجود الخالق جل وعز فقال لهم ما تقولون في سفينة مشحونة بالأثقال مملؤة بالأمتعة والأحمال قد أحاطت بها في لجة البحر أمواج متلاطمة وعصفت بها رياح عاتية غير أنها ظلت تجري هادئة في طريقها المرسومة وتمضي مطمئنة إلى غايتها المعلومة من غير الطراب ولا خلل ولا انحراف وليس على ظهرها ملاح يحكم سيرها أو موجه ينظم خطوها أفيصح ذلك في الفكر؟ فقالوا لا إن هذا شيء لا يقبله العقل ولا يجيزه الوهم أيها الشيخ فقال يا سبحان الله تنكرون أن تجري سفينة في البحر جريا محكما من غير أن يكون لها ربان يتعهدها وتقرون قيام هذا الكون ببحاره الزاخرة وأفلاكه السائرة وطيره السابح وحيوانه السارح من غير صانع يحكم صنعته ومدبر يحسن تدبيره تبا لكم ولما تأفكون وبعد فقد قطع أبو حنيفة رحلة الحياة كلها ينافح عن دين الله بما وهبه الخالق من حجة بالغة ويجادل عن شرعه بما حباه الله من منطق فذ فلما أتاه اليقين وجدوا في وصيته أنه عزم على أهله أن يدفنوه في أرض طيبة من يجنبوه كل مكان فيه شبهة غصب فلما بلغت وصيته المنصور قال من يعذرنا من أبي حنيفة حيا وميتا ولقد أوصى أبو حنيفة بأن يتولى غسله الحسن بن عمارة فلما غسله قال رحمك الله يا أبا حنيفة وغفر لك جزاء ما قدمت إنك لم تفطر منذ ثلاثين سنة ولم تتوسد بالليل يمينك منذ أربعين سنة ولقد أتعبت الفقهاء من بعدك كان أبو حنيفة نعمان شديد الذب عن حرمات الله طويل الصمت دائم الفكر الإمام أبو يوتيف يقول إذا سعى أو قال كانوا هنا يسقون غيما حياتنا فمو وفينا ذكرهم يتعالى رحلوا وألقوا في الظمير سؤالا هل مثلهم نجم سما وتلالا ملأوا الحياة مفاخرا بالفعلهم وزهت بهم دنيا الأنا