بسم الله الرحمن الرحيم خير القرون مواقفاً ومثالاً تبع الرسول إذا سعى أو قالا جمعية مودة تقدم صور من حياة التابعين للدكتور عبد الرحمن رأفة الباشا رحمه الله سعيد بن المسير رحمه الله عقد أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان العزم على حج بيت الله الحرام وزيارة ثاني الحرمين الشريفين والسلام على رسول الله صلوات الله وسلامه عليه فلما أقبل شهر ذي القعدة زم الخريفة العظيم ركائبه وتوجه إلى أرض الحجاز يصحبه السادة الأماجد من أمراء بني أمية ونفر من كبار رجال الدولته وبعض أولاده ومضى الركب في طريقه من دمشق إلى المدينة المنورة من غير ريث ولا عجل فكانوا كلما نزلوا منزلاً نصبت لهم الخيام وفرشت لهم الفرش وعقدت لهم مجالس العلم والتذكرة ليزدادوا تفقها في الدين ويتعهدوا قلوبهم ونفوسهم بالحكمة والموعظات الحسنة ولما بلغ الخليفة المدينة المنورة أما حرمها الشريف وتشرف بالسلام على ساكنها محمد عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم وسعد بالصلاة في الروضة المطهرة الغرى فذاق من برد الراحة وسلام النفس ما لم يذق مثلهما من قبل وعزم على أن يقيل إقامته في مدينة الرسول عليه الصلاة والسلام ما وجد إلى ذلك سبيلا وكان من أشد ما استأثر بهتمامه في المدينة المنورة حلقات العلم التي كانت تغمر المسجد النبوي الشريف ويتألق فيها العلماء الأفذاذ من كبار التابعين كما تتألق النجوم الزهر في كبد السماء فهذه حلقة عروة بن الزبير وتلك حلقة سعيد بن المسيب وهناك حلقة عبد الله بن عتبة وفي ذات يوم صحى الخليفة من قيلولته في وقت كان لا يصح فيه عادة فنادا حاجبه وقال قال يا ميسرة قال لبيك يا أمير المؤمنين قال امضي إلى مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام وادعو لنا أحد العلماء ليحدثنا مضى ميسرة إلى المسجد النبوي الشريف وأجال نظره فيه فلم يرى غير حلقة واحدة توسطها شيخ نيف على الستين من عمره فيه بساطة العلماء وعليه هيبتهم ووقارهم فوقف غير بعيد من الحلقة وأشار للشيخ بإصبعه فلم يلتفت إليه الشيخ ولم يأبه له فاقترب منه وقال ألم ترى أني أشير إليك قال إلي أنا قال نعم قال وما حاجتك قال استيقظ أمير المؤمنين وقال قال إمضي إلى المسجد وانظر هل ترى أحدا من حداثي فأتني به فقال له الشيخ ما أنا من حداثه فقال له ميسرة ولكنه يبغي محدثا يحدثه فقال الشيخ إن من يبغي شيئا يأتي إليه وإن في حلقة المسجد متسعا له إذا كان راغبا في ذلك والحديث يؤتى إليه ولكنه لا يأتي فعاد الحاجب أدراجه وقال للخليفة ما وجدت في المسجد غير شيخ أشرت إليه فلم يقم فدنوت منه وقلت إن أمير المؤمنين استيقظ في هذا الوقت وقال لي أنظر هل ترى أحدا من حداثي في المسجد فادعه لي فقال لي في هدوء وحزم إنني لست من حداثه وإن في حلقة المسجد متسعا له إذا كان راغبا في الحديث فتنهد عبد الملك بن مروان وهب قائما واتجه إلى داخل المنزل وهو يقول ذلك سعيد بن المسيب ليتك لم تأتهي ولم تكلمه فلما ابتعد عن المجلس وصار في الداخل التفت أصغر أولاد عبد الملك وقال من هذا الذي يمتنع على أمير المؤمنين ويستكبر على المثول بين يديه وحضور مجلسه وقد دانت له الدنيا وخضعت لهيبته ملوك الروم فقال الأخ الأكبر ذاك الذي خطب أمير المؤمنين بنته لأخيك الوليد فأبى أن يزوجها منه فقال الأخ الأصغر أبى أن يزوجها من الوليد بن عبد الملك وهل كان يروم لها بعلا أسمى من ولي عهد أمير المؤمنين وخليفة المسلمين من بعده فسكت الأخ الأكبر ولم يجبه بشيء فقال الأخ الأصغر إذا كان قضن ببنته على ولي عهد أمير المؤمنين فهل وجد لها الكفأ الذي يليق بها أم أنه حال دونها ودون الزواج كما يفعل بعض الناس وتركها قعيدة بيت فقال له أخوه الأكبر الحق أنني لا أعرف شيئا من خبرها وخبره معها فالتفت إليهما أحد الجلاس من أبناء المدينة وقال إذا أذن لي الأمير قصصت عليه خبرها كله فقد تزوجت فتا من فتيان حينا يقال له أبو وداعة وهو جارنا بيت بيت ولزواجه منها قصة طريفة رواها لي بنفسه فقال له الأخوان هاتها فقال الرجل حدثني أبو وداعة قال كنت كما تعلم ألازم مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم طلبا للعلم توداوم على حلقة سعيد بن المسيب وأزاحم الناس عليها بالمناكب فتغيبت عن حلقة الشيخ أياما فتفقدني وظن أنبي مرضا أو عرض لي عارض فسأل عني من حوله فلم يجد عند أحد منهم خبرا فلما عدت إليه بعد أيام حياني ورحب بي وقال أين كنت يا أبا وداعة فقلت توفيت زوجتي فاشتغلت بأمرها فقال هل لا أخبرتنا يا أبا وداعة فنواسيك ونشهد جنازتها معك ونعينك على ما أنت فيه فقلت جزاك الله خيرا وهممت أن أقوم فاستبقاني حتى انصرف جميع من كان في المجلس ثم قال لي أما فكرت في استحداث زوجة لك يا أبا وداعة فقلت يرحمك الله ومن يزوجني ابنته وأنا شاب نشأ يتيما وعاش فقيرا فأنا لا أملك غير درهمين أو ثلاثة دراهم فقال أنا أزوجك ابنتي فانعقد لساني وقلت أنت أتزوجني ابنتك بعد أن عرفت من أمري ما عرفت فقال نعم فنحن إذا جاءنا من نرضى دينه وخلقه زوجناه وأنت عندنا مرضي الدين والخلق ثم التفت إلى من كان قريبا منا وناداهم فلما أقبلوا عليه وصاروا عنده حمد الله عز وجل وأثنى عليه محمد صلوات الله وسلامه عليه وعقد لي على ابنته وجعل مهرها درهمين اثنين فقمت وأنا لا أدري ما أقول من الدهشة والفرح ثم قصدت بيتي وكنت يومئذ صائما فنسيت صومي وجعلت أقول ويحك يا أبا وداعه ما الذي صنعت بنفسك ممن تستدين ممن تطلب المال وظللت على حالي هذه حتى أذن للمغرب فأديت المكتوبة وجلست إلى فطوري وكان خبزا وزيتا فما إن تناولت منه لقمة أو لقمتين حتى سمعت الباب يقرع فقلت من الطارق فقال سعيد فوالله لقد مر بخاطري كل إنسان نسمه سعيد أعرفه إلا سعيد بن المسيب ذلك لأنه لم ير منذ أربعين سنة إلا بين بيته والمسجد ففتحت الباب فإذا بي أمام سعيد بن المسيب فظننت أنه قد بدى له في أمر زواجي من ابنته شيء وقلت له أبا محمد هل لا أرسلت إلي فآتيك فقال بل أنت أحق بأن آتي إليك اليوم فقلت تفضل علي فقال كلا وإنما جئت لأمر فقلت وما هو يرحمك الله فقال إن ابنتي أصبحت زوجة لك بشرع الله منذ الغدا وأنا أعلم أنه ليس معك أحد يؤنس وحشتك فكرهت أن تبيت أنت في مكان وزوجتك في مكان آخر فجئتك بها فقلت ويحي جئتني بها فقال نعم فنظرت فإذا هي قائمة بطولها فالتفت إليها وقال أدخلي إلى بيت زوجك يا بنتي على اسم الله وبركته فلما أرادت أن تخطو تعثرت بملاءتها من الحياة حتى كادت تسقط على الأرض أما أنا فقد وقفت أمامها مشدوها لا أدري ما أقول ثم إني بادرت فسبقتها إلى القصعة التي فيها الخبز والزيت فنحيتها من ضوء السراج حتى لا تراها ثم صعدت إلى السطح وناديت الجيران فأقبلوا علي وقالوا ما شأنك فقلت عقد لي سعيد بن المسيب على ابنته اليوم في المسجد وقد جاءني بها الآن على غفلة فتعالوا آنسوها حتى أدعو أمي فهي بعيدة الدار فقالت عجوز منهن ويحك أتدري ما تقول أزوجك سعيد بن المسيب ابنته وحملها لك إلى البيت بنفسه وهو الذي ضن بها على الوليد بن عبد الملك فقلت نعم وها هي ذي عندي في بيتي فهلموا إليها وانظروها فتوجه الجيران إلى البيت وهم لا يكادون يصدقونني ورحبوا بها وآنسوا وحشتها وما هو إلا قليل حتى جاءت أمي فلما رأتها التفتت إلي وقالت وجهي من وجهك حرام إن لم تتركها لي حتى أصلح شأنها ثم أزفها إليك كما تزفك رائم النساء فقلت أنت وما تريدين فضمتها إليها ثلاثة أيام ثم زفتها إلي فإذا هي من أبها نساء المدينة جمالا وأحفظ الناس لكتاب الله عز وجل وأرواهم لحديث الرسول عليه الصلاة والسلام وأعرف الناس بحقوق الزوج فمكثت معها أياما لا يزورني أبوها أو أحد من أهلها ثم إني أتيت حلقة الشيخ في المسجد فسلمت عليه فرد عليه السلام ولم يكلمني فلما انفض المجلس ولم يبق غيري قال ما حال زوجتك يا أبا وداعه فقلت هي على ما يحب الصديق ويكره العدو فقال الحمد لله فلما عدت إلى بيتي وجدته قد وجه إلينا مبلغا وفيرا من المال لنستعين به على حياتنا فقال ابن عبد الملك عجيب أمر هذا الرجل فقال له رجل من أهل المدينة وما وجه العجب فيه أيها الأمير إنه مرء جعل دنياه مطية لأخراه واشترى لنفسه ولأهله الباقية بالفانية فوالله إنه ما ضن على ابن أمير المؤمنين بابنته ولا رآه غير كفء لها وإنما خاف عليها فتنة الدنيا ولقد سأله بعض أصحابه فقال أترد خطبة أمير المؤمنين وتزوج ابنتك من رجل من عامة المسلمين فقال إن ابنتي أمانة في عنقي وقد تحريت فيما صنعته لها صلاح أمرها فقيل له وكيف فقال ما ظنكم بها إذا انتقلت إلى قصور بني أمية وتقلبت بين رياشها وآثاثها وقام الخدم والحشم والجواري بين يديها وعن يمينها وعن شمالها ثم وجدت نفسها بعد ذلك زوجة للخليفة أين يصبح دينها يومئذ فقال رجل من أهل الشام يبدو أن صاحبكم طراز فريد من الناس فقال الرجل المدني والله ما عدوت الحق أبدا فهو صوام نهار قوام ليل حج نحو من أربعين حجة وما فاتته التكبيرة الأولى في مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام منذ أربعين عاما ولا عرف عنه أنه نظر إلى قفى رجل في الصلاة خلال ذلك أبدا لمحافظته على الصف الأول وقد كان في وسعه أن يتزوج بمن يشاء من نساء قريش فآثر بنت أبي هريرة رضي الله عنه على سائر النساء وذلك لمنزلته من رسول الله صلوات الله وسلامه عليه وسعت روايته لحديثه وشدة رغبته في الأخذ عنه ولقد نذر نفسه للعلم منذ نعومة أظفاره فدخل على أزواج النبي عليه الصلاة والسلام وتأثر بهن وتتلمذ على يدي زيد بن ثابت وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وسمع من عثمان وعلي وصهيب وغيرهم من صحابة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم وتخلق بأخلاقهم وتحلى بشمائلهم ولقد كانت له كلمة يرددها على الدوام حتى غدت وكأنها شعار له وهي قوله ما أعزت العباد نفسها بمثل طاعة الله ولا أهانت نفسها بمثل معصيتهم كان سعيد بن المسيب يفتي والصحابة أحياء المؤرخون توقفاً ومثالا تبع الرسول إذا سعى أو قالا كانوا هنا يسقون غيم حياتنا فما مو فينا ذكرهم يتعالى رحلوا وألقوا في الظمير سؤالا هل مثلهم نجم سما وتلالا ملأوا الحياة مفاخراً بالفعلهم وزهت بهم دنيا الأناه