بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ معالِمُ فِي طَرِيقِ الثَّبَاتِ المطلب الثاني وسائل الثَّبَات للثَّبَات وسائله التي شرعها الله في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم وتمثلت في قصص الثابتين من الأنبياء والمرسلين وأولياء الله الصالحين من الأولين والآخرين وبيان ذلك وتفصيله فيما يأتي أولا الله هو المثبت قطب الرحى في عملية الثبات أن نعلم علم اليقين أن الله هو المثبت وأن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء فالله عز وجل يثبت أولياءه الصالحين في الحياة الدنيا والآخرة والثبيت هو وصفه وفعله وليس اسما من أسمائه ولا يستغني أحد لحظة واحدة عن تثبيت الله سبحانه وتعالى حتى الأنبياء والرسل قال تعالى وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا لاتخذوك خليلا ولولا أن ثبتناك لقد كتت تركن إليهم شيئا قليلا إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا قال ابن القيم في روضة المحبين فلا يركن العبد إلى نفسه وصبره وحاله وعفته ومتركن إلى ذلك تخلت عنه عصمة الله وأحاط به الخذلان وقد قال الله تعالى لأكرم الخلق عليه وأحبهم إليه ولولا أن ثبتناك لقد كت تركن إليهم شيئا قليلا ولهذا كان من دعائه يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك وكانت أكثر يمينه لا ومقلب القلوب كيف وهو الذي أنزل عليه واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وقال تعالى يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء وفي الصحيحين واللفظ لمسلم عن البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت قال نزلت في عذاب القبر فيقال له من ربك فيقول ربي الله ونبي محمد صلى الله عليه وسلم فذلك قوله عز وجل يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة قال ابن القيم في إعلام الموقعين وتحت قوله يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة كنز عظيم من وفق لمظنته وأحسن استخراجه واقتناءه وأنفق منه فقد غنم ومن حرمه فقد حرم وذلك أن العبد لا يستغني عن تثبيت الله له طرفة عين فإن لم يثبت وإلا زالت سماء إيمانه وأرضه عن مكانهما وقد قال تعالى لأكرم خلقه عليه عبده ورسوله ولولا أن ثبتناك لقد كت تركن إليهم شيئا قليلا وقال تعالى لأكرم خلقه إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا وقال تعالى لرسوله وكلا نقص عليك من أمباء الرسل ما نثبت به فؤادك فالخلق كلهم قسمان موفق بالتثبيت ومخذول بترك التثبيت ومادة التثبيت أصله ومن شأه من القول الثابت وفعل ما أمر به العبد فبهما يثبت الله عبده وكل من كان أثبت قولا وأحسن فعلا كان أعظم تثبيتا قال تعالى ولو أنهم فعلوا ما يعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا فأثبت الناس قلبا أثبتهم قولا والقول الثابت هو القول الحق والصدق وهو ضد القول الباطل الكذب فالقول نوعا ثابت له حقيقة وباطل لا حقيقة له وأثبت القول كلمة التوحيد ولوازمها فهي أعظم ما يثبت الله به عباده في الدنيا والآخرة ولهذا ترى الصادق من أثبت الناس وأشجعهم قلبا والكاذب من أمهن الناس وأجبنهم وأكثرهم تلونا وأقلهم ثباتا وأهل الفراسة يعرفون صدق الصادق من ثبات قلبه وقت الاقتبار وشجاعته ومهابته ويعرفون كذب الكاذب بضد ذلك ولا يخفى ذلك إلا على ضعيف البصيرة ولما كان الله هو المثبت فالثبات منه وإليه فلذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من الدعاء بالثبات فعن شهر بن حوش بن قال قلت لأم سلمة رضي الله عنها يا أم المؤمنين ما كان أكثر دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان عندك قالت كان أكثر دعائه يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك قالت فقلت له يا رسول الله ما أكثر دعائك بهذا قال يا أم سلمة إنه ليس آدمي إلا وقلبه بين إصبعين من أصابع الله فمن شاء أقام ومن شاء أزار وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله عنهما قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك وعن أنس قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك قال فقلنا يا رسول الله آمنا بك وبما جئت به فهل تخاف علينا قال فقال نعم إن القلوب بين أصبعين من أصابع الله عز وجل يقلبها قال ابن القيم في طريق الهجرتين وباب السعادتين إن العبد إذا علم أن الله سبحانه وتعالى هو مقلب القلوب وأنه يحول بين المرء وقلبه وأنه سبحانه كل يوم هو في شأن يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد وأنه يهدي من يشاء ويضل من يشاء ويرفع من يشاء ويخفض من يشاء فما يؤمنه أن يقلب الله قلبه ويحول بينه وبينه ويزيغه بعد إقامته وقد أثنى الله على عباده المؤمنين بقولهم ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا فلولا خوف الإزاغة لما سألوه ألا يزيغ قلوبهم وقال في مفتاح دار السعادة ولهذا في الدعاء الذي رواه الإمام أحمد والنسائي عن النبي صلى الله عليه وسلم اللهم إني أسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد وهتاني الكلمتان هما جماع الفلاح وما أتي العبد إلا من تضييعهما أو تضييع أحدهما فما أتي أحد إلا من باب العجلة والطيش واستفزاز البدوات له أو من باب التهاون والتماوت وتضييع الفرصة بعد مواتاتها فإذا حصل الثبات أولا والعزم ثانيا أفلح كل الفلاح والله ولي التوفيق والدعاء بالثبات كان ديدن الصالحين من قبل ولا سيما في مقامات الشدائد قال تعالى واصفا المجاهدين الأولين ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرز علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين وقال وكأين من نبي إن قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين وما كان قولهم إلا أن قالوا قالوا ربنا أغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين وقال في دعاء المؤمنين ربنا لا تزغ قلوبنا بعب إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب وفي الصحيحين عن البراء رضي الله عنه قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب ينقل التراب وقد وارت تراب بياض بطنه وهو يقول لولا أنت مهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلا سكينة علينا وثبت الأقدام إلا قينا إن الأولا قد بغوا علينا إذا أرادوا فتنة أبينا معالم في طريق الثبات