بسم الله الرحمن الرحيم خير القرون مواقفاً ومثالاً تبع الرسول إذا سعى أو قالا جمهية مودة تقدم صور من حياة التابعين للدكتور عبد الرحمن رأفة الباشا رحمه الله عمر بن عبد العزيز رحمه الله الحديث عن الخليفة العباد الزهاد خامس الخلفاء الراشدين حديث أطيب من نشر المسك وأزهى من قطع الروض وسيرته الفذة الغرى واحة معطار أينما حللت منها الفيت نبتاً طريا وزهراً بهيا وثمراً جنيا وأذا لم يكن في وسعنا أن نستوعب الآن تلك السيرة التي ازدان بها هام التاريخ فإن ذلك لا يمنعنا من أن نقطف من روضها زهرة وأن نقبس من نورها ومضى ذلك لأن ما لا يدرك كله لا يترك بعضه فإليك ثلاث صور من حياة عمر بن عبد العزيز تتبعها صور أخرى في كتاب تال إذا أذن الله ويسر أما أولى هذه الصور فروها لنا سلمة بن دينار عالم المدينة وقاضيها وشيخها فقال قدمت على خليفة المسلمين عمر بن عبد العزيز وهو بخناصرة من أعمال حلب وكانت قد تقدمت بيسن وبعد بيني وبين لقائه العهد فوجدته في صدر البيت غير أني لم أعرف لتغير حاله عما عهدته عليه يوم كان واليا على المدينة فرحب بي وقال أذن مني يا أبا حازم فلما دلوت منه قلت ألست أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز فقال بلى فقلت ألم يكن وجهك بهية وأيهابك طريا وعيشك رخيا فقال بلى فقلت فمن الذي غير ما بك بعد أن غدوت تملك الأصفر والأبيض وأصبحت أميرا للمؤمنين فقال ومن الذي تغير بي يا أبا حازم فقلت جسمك الذي نحل وجلدك الذي خشوشا ووجهك الذي صفر وعيناك اللتان خبا وانظهما فبكى وقال فكيف لو رأيتني في قبري بعد ثلاث وقد سالت حدقتايا على وجنتي وتفسخ بطني وتشقق وانطلق الدود يرتع في بدني إنك لو رأيتني آنذاك يا أبا حازم لكنت أشد إنكارا لي من يومك هذا ثم رفع بصره إلي وقال أما تذكر حديثا كنت حدثتني به في المدينة يا أبا حازم فقلت لقد حدثتك بأحاديث كثيرة يا أمير المؤمنين فأيها تقصد فقال إنه حديث رواه أبو هريرة فقلت نعم تذكره يا أمير المؤمنين فقال أعده علي فإني أريد أن أسمعه منك فقلت سمعت أباه هريرة يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن بين أيديكم عقبة كأودا مضرسة لن يجوزها إلا كل ضامر مهزول فبكى عمر بكاء شديدا خشيت معه أن تنشق مرارته ثم كفكف دموعه والتفت إلي وقال فهل تلومني يا أبا حازم إذا أنا أهزلت نفسي لتلك العقبة رجاء أن أنجو منها وما أظنني بناج أما صورة الثانية من صور حياة عمر فيرويها لنا الطبري عن الطفيل بن مرداس فيقول إن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز حين ولي الخلافة كتب إلى سليمان بن أبي السري واليه على الصغد كتابا قال فيه اتخذ في بلادك فنادق لاستضافة المسلمين فإذا مر بها أحد منهم فاستضيفوه يوما وليلة وأصلحو شأنه وتعهدو دوابه فإذا كان يشكو نصبا فاستضيفوه يومين وليلتين وواسوه فإذا كان منقطعا لا مأونة عنده ولا دابة تحمله فأعطوه ما يسد حاجته وأوصلوه إلى بلده فصدع الوالي بأمر أمير المؤمنين وأقام الفنادق التي أمره بإعدادها فسرت أخبارها في كل مكان وطفق الناس في مشارق البلاد الاسلامية ومغاربها يتحدثون عنها ويشيدون بعدل الخليفة وتقواه فما كان من وجوه أهل سمرقند إلا أن وفدوا على واليها سليمان ابن أبي السري وقالوا إن سلفك قتيبة ابن مسلم الباهلي قد دهم بلادنا من غير إنذار ولم يسلك في حربنا ما تسلكونه معشر المسلمين فقد عرفنا أنكم تدعون أعداءكم إلى الدخول في الإسلام فإن أبوا دعوتموهم إلى دفع الجزية فإن أبوا أعلنتم عليهم القتال وإنا قد رأينا من عدل خليفتكم وتقواه ما أغرانا بشكوى جيشكم إليكم والاستنصار بكم على ما أنزله بنا قائد من قوادكم فأذن أيها الأمير يوجد مننا بأن يفد على خليفتكم وأن يرفع ظلامتنا إليه فإن كان لنا حق أعطيناه وإن لم يكن عدنا من حيث ذهبنا فأذن سليمان لوفد منهم بالقدوم على الخليفة في دمشق فلمّا صاروا في دار الخلافة رفعوا أمرهم إلى خليفة المسلمين عمر بن عبد العزيز الخليفة كتاباً إلى وليه سليمان ابن أبي السري يقول فيه اما بعد فاذا جاءك كتابي هذا فاجلس إلى أهل سمرقند قاضياً ينظر في شكواهم فان قضى لهم فمر جيش المسلمين بأن يغادر مدينتهم وادعو المسلمين المقيمين بينهم الى النزوح عنهم وعودوا كما كنتم وكانوا قبل ان يدخل ديارهم قتيبة ابن مسلم الباهلي فلما قدم الوفد على سليمان ابن أبي السري ودفع إليه كتاب أمير المؤمنين بادر فاجلس لهم قاضي القضاة جميع ابن حاضر الناجي فنظر في شكواهم واستقصى خبرهم واستمع إلى شهادة طائفة من جند المسلمين وقادتهم فاستبان له صحة مدعاهم وقضا لهم عند ذلك أمر الوالي جند المسلمين بأن يخلو لهم ديارهم وأن يعودوا الى معسكراتهم وأن ينابذوهم كرةً أخرى فإما أن يدخلوا بلادهم صلحاً وإما أن يظفروا بها حرباً وإما أن لا يكتب لهم الفتح فلما سمع وجوه القوم حكم قاضي قضاة المسلمين لهم قال بعضهم لبعض ويحكم لقد خالضتم هؤلاء القوم وأقمتم معهم ورأيتم من سيرتهم وعدلهم وصدقهم ما رأيتم فاستبقوهم عندكم وطيبوا بمعاشرتهم نفسا وقروا بصحبتهم عينا وأما صورة الثالثة من صور حياة عمر رضوان الله عليه فيرويها لنبن عبد الحكم في كتابه النفيس المسمى سيرة عمر بن عبد العزيز فيقول لما حضرت عمر الوفاه دخل عليه مسلمة بن عبد الملك وقال إنك يا أمير المؤمنين قد فطمت أفواه أولادك عن هذا المال فحبذا لو أوصيت بهم إلي أو إلى من تفضله من أهل بيتك فلم انتهى من كلامه قال عمر أجلسوني فأجلسوه فقال قد سمعتم قالتك يا مسلمة أما قولك إني قد فطمت أفواه أولادي عن هذا المال فإني والله ما منعتهم حقا هو لهم ولم أكن لأعطيهم شيئا ليس لهم وأما قولك لو أوصيت بهم إلي أو إلى من تفضله من أهل بيتك فإنما وصي وولي فيهم الله الذي نزل الكتاب بالحق وهو يتولى الصالحين وعلم يا مسلمة أن أبنائي أحد رجليم إما رجل صالح متق فسيغنيه الله من فضله ويجعل له من أمره مخرجا وإما رجل طالح مكب على المعاصي فلن أكون أول من يعينه بالمال على معصية الله تعالى ثم قال ادعو لي بني فدعوهم وهم بضعة عشر ولدا فلما رآهم ترقرقت عيناه وقال بنفسي فتيةا تركتهم عالةا لا شيء لهم وبكا بكاءا صامتا ثم التفت إليهم وقال أي بني إني قد تركت لكم خيرا كثيرا فإنكم لا تمرون بأحد من المسلمين أو أهل ذمتهم إلا رأوا أن لكم عليهم حقا يا بني إن أمامكم خيارا بين أمرين فإما أن تستغنوا ويدخل أبوكم النار وإما أن تفتقروا ويدخل الجنة ولا أحسب إلا أنكم تؤثرون إن قاذ أبيكم من النار على الغناء ثم نظر إليهم في رفق وقال قوموا عصمكم الله قوموا رزقكم الله فالتفت إليه مسلمة وقال عندي ما هو خير من ذلك يا أمير المؤمنين فقال وما هو قال لدي ثلاثمائة ألف دينار وإني أهبها لك ففرقها فيهم أو تصدق بها إذا شئت فقال له عمر أو خير من ذلك يا مسلمة فقال وما هو يا أمير المؤمنين فقال تردها إلى من أخذت منه فإنها ليست لك بحق فترقر قتعينا مسلمة وقال رحمك الله يا أمير المؤمنين حيا وميتا فقد ألنت منا قلوبا قاسية وذكرتها وقد كانت ناسية وأبقيت لنا في الصالحين ذكرا ثم تتبع الناس أخبار أبناء عمر من بعده فرأوا أنه محتاج أحد منهم ولفتقر وصدق الله العظيم إذ يقول عمر بن عبد العزيز معدودٌ عند أهل العلم من العلماء العاملين والخلفاء الراشدين الذهبين مواقفاً ومثالا تبع الرسول إذا سعى أو قالا كانوا هنا يسقون غيم حياتنا فما مو فينا ذكرهم يتعالى رحلوا وألقوا في الظمير سؤالا هل مثلهم نجمٌ سما وتلالا ملأوا الحياة مفاخراً بالفعلهم وزهت بهم دنيا الأناة