بسم الله الرحمن الرحيم يسر جمعية مودة أن تقدم لكم صورا من حياة الصحابة لعد الرحمن رأفة الباشا رحمه الله سعيد بن زيد رضي الله عنه وقف زيد بن عمر بن نوفيل بعيدا عن زحمة الناس يشهد قريشا وهي تحتفل بعيد من أعيادها فرأى الرجال يعتجرون العمائم السندسية الغالية ويختالون بالبرود اليمانية الثمينة وأبصر النساء والولدان وقد لبسوا زاهية الثياب وبديع الحلل ونظر إلى الأنعام يقودها الموسرون بعد أن حلوها بأنواع الزينة ليذبحوها بين أيدي الأوثان فوقف مسندا ظهره إلى جدار الكعبة وقال يا معشر قريش الشات خلقها الله وهو الذي أنزل لها المطر من السماء فرويت وأمبت لها العشب من الأرض فشبعت ثم تذبحونها على غير اسمه إني أراكم قوما تجهلون فقام إليه عمه الخطاب والد عمر بن الخطاب فلطمه وقال تبلك ما زلنا نسمع منك هذا البذاء ونحتمله حتى نفذ صبرنا ثم أغرى به سفهاء قومه فآذوه ولجوا في إيذاءه حتى نزح عن مكة والتجأ إلى جبل حراء فوكل به الخطاب طائفة من شباب قريش ليحولوا دونه ودون دخول مكة فكان لا يدخلها إلا سرا ثم إن زيد بن عمر بن نفيل اجتمع في غفلة من قريش إلى كل من ورقة بن نوفل وعبد الله بن جحش وعثمان بن الحارث وأميمة بنت عبد المطلب عمة محمد بن عبد الله وجعلوا يتذاكرون ما غرقت فيه العرب من الضلال فقال زيد لأصحابه إنكم والله لتعلمون أن قومكم ليسوا على شيء وأنهم أخطأوا دين إبراهيم وخالفوه فابتغوا لأنفسكم دينا تدينون به إن كنتم ترومون النجا فهب الرجال الأربعة إلى الأحبار من اليهود والنصارة وغيرهم من أصحاب الملل يلتمسون عندهم الحنيفية دين إبراهيم أما ورقة بن نوفل فتنصر وأما عبد الله بن جحش وعثمان بن الحارث فلم يصل إلى شيء وأما زيد بن عمر بن نفيل فكانت له قصة فلندع له الكلام ليرويها لنا قال زيد وقفت على اليهودية والنصرانية فأعرضت عنهما إذ لم أجد فيهما ما أطمئن إليه وجعلت أضرب في الآفاق بحثا عن ملة إبراهيم حتى صرت إلى بلاد الشام فذكر لي راهب عنده علم من الكتاب فأتيته فقصصت عليه أمري فقال أراك تريد دين إبراهيم يا أخى مكة قلت نعم ذلك ما أبغي فقال إنك تطلب دينا لا يوجد اليوم ولكن الحق ببلدك فإن الله يبعث من قومك من يجدد دين إبراهيم فإذا أدركته فالتزمه فقفل زيد راجعا إلى مكة يحث الخطى التماسا للنبي الموعود ولما كان في بعض طريقه بعث الله نبيه محمدا بدين الهدا والحق لكن زيدا لم يدرك إذ خرجت عليه جماعة من الأعراب فقتلته قبل أن يبلغ مكة وتكتحل عيناه برؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيما كان زيد يلفظ أنفاسه الأخيرة رفع بصره إلى السماء وقال اللهم إن كنت حرمتني من هذا الخير فلا تحرم منه ابني سعيدا وشاء الله سبحانه أن يستجيب دعوة زيد فما إن قام الرسول عليه الصلاة والسلام يدعو الناس إلى الإسلام حتى كان سعيد بن زيد في طليعة من آمنوا بالله وصدقوا رسالة نبيه ولا غروا فقد نشأ سعيد في بيت يستنكر ما كانت عليه قريش من الضلال وربي في حجر أب عاش حياته وهو يبحث عن الحق ومات وهو يركض لاهثا وراء الحق ولم يسلم سعيد وحده وإنما أسلمت معه زوجته فاطمة بنت الخطاب أخة عمر بن الخطاب ولقد لقي الفتى القرشي من أذى قومه ما كان خليقا أن يفتنه عن دينه ولكن قريشا بدلا من أن تصرفه عن الإسلام استطاعه وزوجه أن ينتزع منها رجلا من أثقل رجالها وزنا وأجلهم خطرا حيث كان سببا في إسلام عمر بن الخطاب وضع سعيد بن عمر بن نفيل طاقاته الفتية الشهابة كلها في خدمة الإسلام إذ أنه أسلم وسنه لم تجاوز العشرين بعد فشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المشاهد كلها إلا بدرا فقد غاب عن ذلك اليوم لأنه كان في مهمة كلفه إياها النبي عليه الصلاة والسلام وأسهم مع المسلمين في استلال عرش كسرا وتقويض ملك قيصر وكانت له في كل موقعة خاضغ ما ره المسلمون مواقف غر مشهودة وأياد بيض محمودة ولعل أرواع بطولاته تلك التي سجلها يوم اليرموك فلنترك له الكلام ليقص علينا طرفا من خبر ذلك اليوم قال سعيد بن زيد بن عمر بن نفيل لما كان يوم اليرموك كنا أربع وعشرين ألف أو نحو من ذلك فخرجت لنا الروم بعشرين ومائة ألف وأقبلوا علينا بخطا ثقيلة كأنهم الجبال تحركها أيدي خفية وسار أمامهم الأساقفة والبطارقة والقسيسون يحملون الصلبان وهم يجهرون بالصلوات فيرددها الجيش من ورائهم ولهم هزيم كهزيم رعد فلما رأاهم المسلمون على حالهم هذه وخالط قلوبهم شيء من خوفهم عند ذلك قام أبو عبيدة بن الجراح يحض المسلمين على القتال فقال عباد الله انصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم عباد الله إصبروا فإن الصبر منجات من الكفر ومرضاة للرب ومدحظة للعار وأشرعوا الرماح واستثروا بالتروس والزموا الصمت إلا من ذكر الله عز وجل في أنفسكم حتى آمركم إن شاء الله قال سعيد عند ذلك خرج رجل من صفوف المسلمين وقال لأبي عبيدة إني أزمعت على أن أقضي أمر الساعة فهل لك من رسالة تبعث بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو عبيدة نعم تقرئه مني ومن المسلمين السلام وتقول له يا رسول الله إنا وجدنا ما وعدنا ربنا حقا قال سعيد فما إن سمعت كلامه ورأيته يمتشق حسامه ويمضي إلى لقاء أعداء الله حتى اقتحمت إلى الأرض وجثوت على ركبتي وأشرعت رمحي وطعنت أول فارس أقبل علينا ثم وثبت على العدو وقد انتزع الله كل ما في قلبي من الخوف فثار الناس في وجوه الروم وما زالوا يقاتلونهم حتى كتب الله للمؤمنين النصر شهد سعيد بن زيد بعد ذلك فتحد مشق فلما دانت للمسلمين بالطاعة جعله أبو عبيدة بن الجراح واليا عليها فكان أول من ولي إمرة دمشق من المسلمين وفي زمن بني أمية وقعت لسعيد بن زيد حادثة ظل أهل يثرب يتحدثون بها زمنا طويلا ذلك أن أروى بنت أوويس زعمت أن سعيد بن زيد قد غصب شيئا من أرضها وضمها إلى أرضه وجعل التلوك ذلك بين المسلمين وتتحدث به ثم رفعت أمرها إلى مروان بن الحكم والي المدينة فأرسل إليه مروان أناسا يكلمونه في ذلك فصعب الأمر على صاحب رسول الله وقال يرونني أظلمها كيف أظلمها وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من ظلم شبرا من الأرض طوقه يوم القيامة من سبع أراضين اللهم إنها قد زعمت أني ظلمتها فإن كانت كاذبة فأعمي بصرها وألقها في بئرها الذي تنازعني فيه وأظهر من حق نورا يبين للمسلمين أني لم أظلمها فلم يمضي على ذلك غير قليل حتى سال العقيق بسير لم يسل مثله قط فكشف عن الحد الذي كان يختلفان فيه وظهر للمسلمين أن سعيدا كان صادقا فلم تلبث المرأة بعد ذلك إلا شهرا حتى عميت وبينها هي تطوف في أرضها تلك سقطت في بئرها قال عبد الله بن عمر فكنا ونحن غلمان نسمع الإنسان يقول للإنسان أعمى كالله كما أعمى الأروى ولا عجب في ذلك فالرسول عليه الصلاة والسلام يقول اتقوا دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب فكيف إذا كان المظلوم سعيد بن زيد أحد العشرة المبشرين بالجنة اللهم إن كنت حرمتني من هذا الخير فلا تحرم منه ابني سعيدا زيد والد سعيد المظلوم