نسيم السحر لا تشتر الهم والألم يشتر العاقل في الدنيا ما فيه منفعة له فيبذل ما له العزيزة حتى يحصل على ما هو أغلى له منه لكن أن يسعى الإنسان إلى شراء ما فيه مضرته فهذا ليس من العقل هناك صنف من الناس يجهد في شراء ما يؤلمه لكن من غير أن يشعر أنه شار لذلك وهم أولئك الناس الذين ينتقلون بخواطرهم من عالم الحاضر إلى عالم المستقبل فيغطيلون التفكير في أوجاعه وما سيحصل فيه من الكوارث والآلام فهذا شراء ولكنه ليس بالدينار والدرهم بل بالسعي والجهد وتكدير النفس وإيلامها بتوقع حوادث المستقبل الموجعة إن المرأة قد يكون في راحة وطمئنان وأمن وسعادة في حاضره ولكن حين أن يفكر في قادم الأيام وتغير الموازين التي أجراها في خاطره لها يبدأ شعوره بالقلق والهم لما سيجري فيها له أو لأولاده أو لمن يحب من تغير الأحوال وتبدل الأطوار وأن هذه الراحة التي هو فيها الآن لن يلاقيها هو وإياهم في المستقبل الذي رسمه في خياله مستقبلا مليئا بالمشكلات المعقدة التي تورث الشقاء والخوف والأهوال أو قد يكون الإنسان في وضع أمني أو اقتصادي أو سياسي مترد فيجري مع نفسه حوارا يقارن فيه بين حاضره ومستقبله فيقول هذا وضعنا اليوم على هذا الترد الممكن احتماله فكيف سيكون مستقبلنا ومستقبل من نحب إذا خل الجو لمن أوصلنا إلى هذه الأحوال السيئة وبعيد العودة من رحلة هذا التفكير المضني يصير صاحبه في بؤس وقلق وهم يكدر عليه نفسه ويضيق عليه حالة ويذبل جسده ويلبد خاطره بالشتات ويملأ حاضره بالمنغصات وقد كان في سلامة من ذلك لو رفض تلك الرحلة الخيالية البئيسة وبقي يفكر فيما هو في حاضره لهذا نقول لك دعي المستقبل لله فهو الذي يصنع أحداثه بتقديره وأمره وليس البشر إلا أدوات لتنفيذ ذلك القدر السابق فهم لن يستطيعوا أن يضروا أو ينفعوا إلا بإذن الله تعالى وعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ولو اجتمعوا على أن يضرواك بشيء لم يضرواك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف وعلم كذلك أن الأجال بيد الله متقدمة ومتأخرة فما يدريك أنك ستدرك أنت أو أولادك ذلك الزمن الذي رسمته بفكرك زمن صعب فما الحياة إلا أنفاس إذن قطعت ذهبت في لمحة عين والليل فعلم والنهار كلاهما أنفاسنا فيه تعد وتحسب وعلم أيضا أن الأحوال في هذه الدنيا سريعة التبدل قريبة التغير فسرورها لا يدوم وحزنها لا يقيم وعدلها لا يستمر وظلمها لا يبقى وسعادتها لا تطول وشقاؤها موعود بالارتحال وفي هذا عبرة ولكن القليل من يعتبر قال تعالى قُلِ اللَّهُمَّ مَارِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِنْ مَنْ تَشَاءُ وَتُعِزُ مَنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرِ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ وقال الشاعر دعي المقادير تجري في أعنتها ولا تبيتن إلا خالي البالي ما بين غمضة عين وانتباهتها يغير الله من حال إلى حالي ثم أقول لك لا تعلق قلبك بالأسباب الدنيوية في سعادة مستقبلك أو شقائه ولكن علقه بالله متوكلا عليه مفوضا أمرك إليه راجيا منه لا من غيره فهذا الذي سيجعلك مطمئن النفس مشرق البال قوي الإرادة ماضي العزم قال تعالى ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا وأقول لك أيضا اشغل مساحة تفكيرك بساعتك الحاضرة ويومك الذي أنت فيه إنما هذه الحياة متاع والسفيه الغبي من يصطفيها ما مضافات والمؤمل غيب ولك الساعة التي أنت فيها ولا تشغل بالك بفقر المستقبل بعد غنى الحاضر فالرزق بيد الله لا بيدك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصبح آمنا في سربه أي في نفسه معافا في جسده عنده طعام يومه فكأنما حيزت له الدنيا ونسب للشافعي قوله إذا أصبحت عندي قوت يومي فخل الهم عني يا سعيد ولا تخطر هموم غد ببالي فإن غدا له رزق جديد أسلم إن أراد الله أمرا فأترك ما أريد لما يريد غير أننا نقول لا تعني الدعوة إلى حصر التفكير في الحاضر أن يتغافل المرء عن إعداد العدة الممكنة أيًا كانت لمواجهة صعوبات المستقبل وحاجاته ولكن القصد البعد عن التفكير البائس في أوجاع المستقبل وآلامه لأن طول التفكير في ذلك إنما هو سعي وبحث عن الألم لا غير وصرف الذهن إلى الانشغال بالمتوقع الأليم إنما هو تعكير للواقع الكريم