بسم الله الرحمن الرحيم يسر جمعية مودة أن تقدم لكم صورا من حياة الصحابة لعد الرحمن رأفة الباشا رحمه الله سالب مولى أبي حذيفة رضي الله عنه اعتقد ثبيتة بنت يعار غلامها سالما وهو يومئذ فتنيافع يقترب من الحلم وقد دعاها إلى تحريره ما كانت ترا فيه من رقة الشمائل ونبالة الخصائل وآيات النجابة وما تلمح في سلوكه من أمارات الخير والبر فشق على زوجها الشاب أبي حذيفة بن عتبة أحد سرات بني عبد شمس أن يسرح سالم في هذه السن المبكرة وأن يوكل أمره إلى نفسه فأخذه بيده ومضى به إلى الحرم وانتصب قائما في جموع قريش المنتثرة حول الكعبة وقال اشهدوا يا معشر قريش أني قد تبنيت سالما هذا بعد أن أعتقدته زوجتي ثبيته وأنه غدا مني بمنزلة لبني من أبيه فقالت قريش نعم ما صنعت يبن عتبة ومنذ ذلك اليوم أصبح الفتا يدعى سالم ابن أبي حذيفة حتى انبثق من بطحاء مكة قبس من النور الإلهي وبعث الله نبيه بدين الهدى والحق فكان أبو حذيفة وبنه سالم من أوائل من أشرقت نفوسهم بهذا الضياء القدسي واستنارت قلوبهم بنوره فمضى الأبو وبنه إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام وأعلنى إسلامهما بين يديه وشهدى معا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده وخاتم رسله لم يمضي غير قليل على دخول أبي حذيفة وبنه سالم في دين الله حتى أبطل الإسلام طريقة التبني وأمر الناس برد الأبناء إلى آبائهم حفظا للأنساب وإقلاعا عن مسلك من مسالك الجاهلية ونزل قول الله عز وجل في شأن المتبنيين أدعوهم لآبائهم فاستجاب المسلمون إلى أمر ربهم وهبوا يبحثون عن أنساب من تبنوهم ويتعرفون على آبائهم ويردونهم إليهم لكن أبا حذيفة لم يهتد إلى والد سالم على الرغم من كثرة البحث والتنقيب ذلك لأن سالم سبي صغير وجلب إلى مكة وبيع في سوق النخاسين وهو في سن لا تمكنه من أن يعرف لنفسه أبا أو أما فأطلق عليه الناس اسم سالم مولى أبي حذيفة وظل يعرف بذلك ما امتدت به الحياة غير أن العلاقة بين أبي حذيفة وسالم لم تكن علاقة مولا بمولاه وإنما هي علاقة أخ بأخيه بعد أن وحد الإسلام بين قلبيهما وآخ الإيمان بين نفسيهما وغمر فؤاديهما حب الله ورسوله وقد أراد أبو حذيفة أن يزيد صلته بسالم رسوخا وعمقا وأن يقضي على كل أثر من آثار العصبية الجاهلية التي وآدها الإسلام فزوج سالما من ابنة أخيه القرشية العبشمية ذات الحسب والنسب فأصبح أخا له في الله وواحدا من ذوي قرباه لم يمضي على ذلك طويل وقت حتى فرقت بين الأخوين الأحداث الجسام التي كابد منها المسلمون الأولون ما كابدوا وعانوا من قسوتها ما عانوا أمضى أبو حذيفة إلى الحبشة مهاجرا إلى الله بدينه وإيمانه فارا بعقيدته من أذاق ريش أما سالم فقد آثر أن يبقى في مكة مع رسول الله صلوات الله وسلامه عليه وأن يكب على كتاب الله جل وعز ليأخذه غضا طريا كلما أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم فطفق يتلو آياته البينات في خشوع ويستظهر سوره المنزلة في فهم وتدبر حتى غدا واحدا من كبار حملة القرآن على عهد النبي صلوات الله وسلامه عليه وأصبح رابع أربعة أوصى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بأن يؤخذ عنهم القرآن فقال استقرئ القرآن من أربعة من عبد الله بن مسعود وسالم مولى أبي حذيفة وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وقد عرف الصحابة الكرام لسالم فضله عليهم في حفظه لكتاب الله وإتقانه له وتدبره لمعانيه وإدراكه لمراميه فلما هاجر المسلمون من مكة إلى المدينة دعوا سالما ليأمهم في الصلاة فما زال يصلي بهم حتى قدم الرسول عليه الصلاة والسلام مع أنه كان فيهم عمر بن الخطاب وطائفة كبيرة من جلة الصحابة ثم شاء الله أن يجمع بين سالم وأخيه في الله أبي حذيفة بعد الهجرة وأن يمضي إلى بدر جمبا إلى جمب مع رسول الله صلوات الله وسلامه عليه وفيما كان المسلمون يستعدون لنزال المشركين قال سالم لأخيه أبي حذيفة أنظر يا أبا حذيفة هذا أبوك عتبة بن ربيعة يتقدم الصفوف ويتأهب للقضاء على الإسلام والمسلمين فقال أبو حذيفة نعم لقد رأيته وهذان عدو الله عمي شيبة بن ربيعة وآخي الوليد بن عتبة يحيطان به ولو أذن لي رسول الله عليه الصلاة والسلام لبارزتهم واحدا بعد آخر وأوردتهم مواردا ردا أو أمضي إلى جوار ربي راضيا مرضيا ولما انتهت المعركة وقف سالم وأبو حذيفة ينظران إلى القتلا فإذا عتبة والد أبي حذيفة وشيبة عمه والوليد أخوه قد لقوا مصارعهم فقال أبو حذيفة الحمد لله الذي أقر عين نبيه بمقتلهم جميعا ثم ما فتئ الأخوان في الله يجاهدان تحت راية الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم معا في كل غزوة غزاها في حياته ويؤديان حق الله ورسوله عليهما إلى أن كان يوم اليمامة في عهد الصديق ففي ذلك اليوم العظيم من أيام الله هب أبو بكر رضوان الله عليه لقتال مسيلمة الكذاب واستنفر المسلمين في كل مكان للقضاء على فتنته العمياء التي أوشكت أن تودي بالإسلام وتدمر أهله فبادر سالم وأبو حذيفة للذود عن دين الله ونفر لقتال مسيلمة عدو الله إلتق الجمعان على أرض اليمامة ودارت بينهما معركتان طاحنتان قل ما شهد تاريخ الحروب لهما نظيرا فقد أبدى فيها المسلمون بقيادة عكرمة بن أبي جهل وخالد بن الوليد رضي الله عنهما من ضروب الشجاعة ما يعجز عن وصفه الواصفون كما أبدى فيها المرتدون بقيادة مسيلمة ما لا يقل عن ذلك شجاعة وإقداما وبذلا لكن النصر في هاتين المعركتين كان حريف مسيلمة الكذاب حتى إن رجاله اقتحموا فصطاط خالد بن الوليد وكادوا أن يسبوا زوجته لولا أن أجارها رجل منهم عند ذلك دبت الحمية في صدور المسلمين وبرز بينهم أبطال غر ميامين باعوا لله نفوسا تموت اليوم أو غدا بنفوس لا تموت أبدا وأعاد خالد بن الوليد تعبئة جيشه فأسلم لواء المهاجرين لسالم مولى أبي حذيفة وأسلم لواء الأنصار لثابت بن قيس ووقف زيد بن الخطاب يحرض المسلمين على القتال فقال أيها الناس عضوا على أضراسكم واضربوا في عدوكم وامضوا قدما أيها الناس والله لا أتكلم بعد هذه الكلمة أبدا حتى يهزم الله مسيلمة الكذاب ومن معه أو أقتل فألق الله بحجتي ثم انطلق يشق الصفوف وظل يقاتل حتى قتل ثم تلاه أبو حذيفة وهو ينادي يا أهل القرآن زينوا القرآن بفعالكم ثم هب يجاهد حتى استشهد مقبلا غير مدبر وأما سالم مولى أبي حذيفة فتوجه إلى المهاجرين وقال بئس حامل القرآن أنا إن أثي المسلمون من قبلي ثم اندفع يجالد عن راية بني قومه حتى قطعت يمينه فأخذ الراية بشماله وناضل عنها حتى قطعت شماله فأخذ الراية بعضديه وثبت بها حتى أثقنته الجراح وسقط على الأرض مضرجا بدمائه ولما وضعت المعركة أوزارها وقف خالد بن الوليد على سالم مولى أبي حذيفة وكان ما يزال به رمق فقال له سالم ما صنع المسلمون يا خالد فقال كتب الله لهم النصر وقتل لهم مسيلمة الكذاب وهزم لهم جنده وأتباعه فقال وما فعل أخي أبو حذيفة فقال مضى إلى ربه مقبلا غير مدبر وقتل شهيدا فقال أفجعوني إلى جانبه فقال ها هو ذا موسد عند قدميك فأغمض عينيه وهو يقول معا هنا يا أبا حذيفة ومعا هناك إن شاء الله ولفظ آخر أنفاسه لو كان سالم حيا لوليته الأمر من بعدي عمر بن الخطاب