بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ قِصَّةُ مَرْيَمَ بْنَةِ عِمْرَانِ عَلَيْهَا السَّلَامِ دعاءُ مرأةِ عِمْرَانَ لِبْنَتِهَا مَرْيَمْ لما ولدتِ مرأةُ عِمْرَانِ وعَلِمَتْ بِنَوْعِ مَوْلُودِهَا والذي جاء على غير رغبتها وأمنيتها لم تجلس تندُ بحظها وتكتأب وتتحسر وإنما بادرت بأخذ خطواتٍ عمليةٍ في حياتها وحياة مولودتها الجديدة فالموضوع لا يحتمل التأخير والتحسر والتألم لا يغير من الواقع شيئا فبدأت أولاً بتسميتها فقالت رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الزَّكَرُ كَالْأُنْثَا وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمْ وأخذ العلماء من فعلها جواز تسمية المولود عند ولادته كما قال ابن عطيَّة رحمه الله وفي قولها وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمْ سنة تسمية الأطفال قرب الولادة ونحوه قول النبي صلى الله عليه وسلم وُلِدَ لي اللَّيْلَةَ مَوْلُودٌ فَسَمَّيْتُهُ بِاسْمِ أَبِي إِبْرَاهِيمَ كما أن في سرعة أخذها لهذه الخطوة دليلاً على رضاها بنوع المولود قال أبو زهرة رحمه الله فهي قد اختارت الإسم راضية بما أعطيت ثم انتقلت امرأة عمران إلى أهم وسيلة في تربية الذرية وهي الاستعانة بالله على صلاحهم والدعاء لهم فقالت وَإِنِّيْ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ متأسية بفعل أبي الأنبياء إبراهيم الخليل عليه السلام والذي دعا لذريته في مواقن كثيرة قصها الله علينا فقال ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم وقال رب اجعل هذا البلد آمنا وجنبني وبني أن نعبد الأصنام وقال ربنا إني أسكنت من ذرية بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيم الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون وقال رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء وهذا خلق عباد الله الصالحين الاستعانة بالله في تربيتهم لذرياتهم وعدم الاتكال على أنفسهم وعلمهم وخبرتهم كما يتصورون قال تعالى والذين يقولون ربنا هبلنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما أولئك يجزونا الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاما لقد خافت امرأة عمران على ابنتها من غواية الشيطان لها ولذريتها فعوذتها وذريتها بالله من الشيطان الرجيم قال ابن كثير رحمه الله عوذتها بالله عز وجل من شر الشيطان وعوذت ذريتها وقال أبو زهرة رحمه الله ومعنى الإعاذة أن تكون في ملجأ من الله تعالى يعصمها من الشيطان وذلك لأن التعوذ الالتجاء فمعنى أعوذ بالله ألجأ إليه وأتخذ منه معاذا ومعنى أعذته بالله من الشيطان جعلت الله تعالى معاذا له منه وهذه الإعاذة كانت دعاء من الله تعالى فكان هذا الدعاء عبادة أخرى وهكذا اقترنت ولادة مريم وحملها من قبل بعبادات متظافرة متوالية مستمرة وضراعة تدل على إخلاص النفس وإسلام الوجه لله تعالى واليوم أخت المسلمة تنوعت وسائل الشيطان في غواية بني الإنسان حتى أصبحنا نشتري وسيلة الشيطان التي يغوي بها بناتنا بأموالنا وندعها في أيديهن فيلازمنها أكثر من ملازمتهن لذكر الله والصلاة وهي هذه الهواتف المحمولة المتصلة بالإنترنت فهل عوذت ابنتك من شرها وهل أخلصت لها الدعاء بظهر الغيب أن يحفظها الله من كيد شياطين الإنس والجن وهنا لفتة جميلة في قول مرأة عمران وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم أود أن أشير إليها وهي أن مرأة عمران أم على الفطرة التي فطر الله الناس عليها تفكر في مصلحة ابنتها وفي مستقبلها ومن مصلحة ابنتها الزواج والإنجاب لذلك دعت مرأة عمران لابنتها مريم بالنتيجة التي تتمناها كل فتاة وهي الذرية الصالحة ومن هذه تفكيرها فلن تؤخر زواج ابنتها إذا جاءها الرجل المناسب بحجة إكمال الدراسة والحصول على الشهادة وضمان المستقبل كما هو حال بعض الأمهات الأنانيات في هذا الزمان التي لا يفكرن إلا في مصلحتهن الشخصية ولو على حساب تحطم نفسية ابنتها فهذه الأم الأنانية لا يهمها ما تعانيه ابنتها من رغبتها في الزواج لأنها مكفية بزوجها فلا تشعر بمعاناة ابنتها وهذه الأم الأنانية تحب الافتخار بين النساء بدراسة ابنتها ولو كانت على حساب نفسيتها وتعاستها وهذه الأم الأنانية تملي على ابنتها التخصص الذي تريدهه لا ما تريده ابنتها وهذه الأم الأنانية تقدم مصلحتها على مصلحة ابنتها فهي لا تربيها على الاستعداد للحياة الزوجية أو تشجعها على ذلك وإنما تكره لها الزواج وتزين لها الدراسة والعمل إما لتفتخر بها أو لتستفيد من أموالها ولو أدى ذلك إلى فساد حياتها الزوجية لو حصلت في المستقبل وهذه الأم الأنانية لا يهمها أين تدرس ابنتها هل في مكان مختلط بالرجال أم لا ولا يهمها مدى موافقة التخصص الذي تدرسه ابنتها لأنوثتها أم لا ولا يهمها مكان التوظيف المستقبلي لهذا التخصص أهو موافق لرضى الله أم لا لأن هذه الأم الأنانية لا تراعي شرع الله في تربيتها لابنتها وإنما يهمها التفاخر بابنتها في مجالس النساء وأمام العائلة أما أمرأة عمران فكانت بخلاف ذلك كله ولذلك كانت نتيجة دعائها فتقبلها ربها بقبول حسن وأمبتها نبات حسنا وكفلها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنا لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب قال ابن جرير الطبري رحمه الله معناه وأمبتها ربها في غذائه ورزقه نباتا حسنا حتى تمت فكملت امرأة بالغة تامة وقال ابن كثير رحمه الله يخبر ربنا أنه تقبلها من أمها نذيره وأنه أنبتها نباتا حسنا أي جعلها شكلا مليحا ومنظرا بهيجا ويسر لها أسباب القبول وقرنها بالصالحين من عباده تتعلم منهم العلم والخير والدين وقال السعدي رحمه الله أي ربية تربية عجيبة دينية أخلاقية أدبية كملت بها أحوالها وصلحت بها أقوالها وأفعالها ونمى فيها كمالها وقال الطاهر ابن عاشور رحمه الله ومعنى وأمبتها نباتا حسنا أنشأها إنشاءا صالحا وذلك في الخلق ونزاهة الباطن فشبه إنشاؤها وشبابها بإنبات النبات الغض فهل تتمنين لابنتك أن ينبتها الله نباتا حسنا وهل أخذت بأسباب حصول ذلك أسأل الله أن ينبت ابنتك وبنات الصالحين والصالحات نباتا حسنا وأن يصلح قلوبهن نكمل في لقاء قادم إنشاء الله والحمد لله رب العالمين قصة مريم ابنة عمران