بسم الله الرحمن الرحيم إنما يخشى الله من عباده العلماء سير الأئمة الأربعة أربع سير حافلة بالجمال والجلال أختصرت بعناية من الكتاب الفذ العظيم سير أعلام النبلاء للإمام الذهبي رحمه الله من إعداد الشيخ محمد المهنى حفظه الله الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله هو الإمام حقا وشيخ الإسلام صدقا أبو عبدالله أحمد بن محمد بن حنبل المروزي ثم البغدادي أحد الأئمة الأعلام كان محمد والد أبي عبدالله من أجناد مرو مات شابا له نحو من ثلاثين سنة ورب أحمد يتيما وقيل إن أمه تحولت من مرو وهي حامل به فقال صالح بن أحمد قال لي أبي ولدت في ربيع الأول سنة أربع وستين ومائة قال صالح جي أبي أبي حمل من مرو فمات أبوه شابا فوليته أمه شيوخ طلب العلم وهو ابن خمس عشرة سنة في العام الذي مات فيه مالك وحماد بن زيد فسمع منه شيم بن بشير فأكثر وجود ومن سفيان بن عيينة الهلالي والقاضي أبي يوسف وجرير بن عبد الحميد وأبي بكر بن عياش وأبي معاوية الضرير وغندر وبن علية ويزيد بن هارون وسمع من وكيع فأكثر ويحيى القطان فبالغ وعبد الرحمن بن مهدي ومحمد بن إدريس الشافعي إلى أن ينزل في الرواية عن قتيبة بن سعيد وعلي بن المديني وأبي بكر بن أبي شيبة وجماعة من أقرانه وعدد شيوخه الذين روا عنهم في المسند مئتان وثمانون ونيف وحدث عنه البخاري حديثا وعن أحمد بن الحسن عنه حديثا آخر في المغازي وحدث عنه مسلم وأبو داوود بجملة وافرة وحدث عنه أيضا ولدا صالح وعبد الله وبن عمه حنبل بن إسحاق وشيوخه عبد الرزاق والشافعي لكن الشافعي لم يسمه بل قال حدثني الثقة وحدث عنه علي بن المديني ويحيى بن معين وأبو زرعة وأبو حاتم وأمم سواهم صفته قال محمد بن عباسن النحوي رأيت أحمد بن حنبل حسن الوجه ربعة يخضب بالحناء خضابا ليس بالقاني في لحيته شعرات سود ورأيت ثيابه غلاضا بيضا ورأيته معتما وعليه إزار وقال المروذي رأيت أبا عبد الله إذا كان في البيت عامة جلوسه متربعا خاشعا فإذا كان برا لم يتبين منه شدة خشوع وكنت أدخل والجزء في يده يقرى ما أعلم أني رأيت أحدا أنظف بدنا ولا أشدت عاهدا لنفسه في شاربه وشعر رأسه وشعر بدنه ولا أنقى ثوبا بشدة بيض من أحمد بن حنبل رضي الله عنه قال عبد الله بن أحمد قال لي أبي خذ أي كتاب إن شئت من كتب وكيع من المصنف فإن شئت أن تسألني عن الكلام حتى أخبرك أخبرك بالإسناد وإن شئت بالإسناد حتى أخبرك أنا بالكلام قال عبد الله بن أحمد قال لي أبو زرعة أبوك يحفظ ألف ألف حديث فقيل له وما يدريك قال ذاكرته فأخذت عليه الأبواب فهذه حكاية صحيحة في سعة علم أبي عبد الله وكانوا يعدون ذلك في المكرر والأثر وفتوى التابعي وما فسر ونحو ذلك وإلا فالمتون المرفوعة القوية لا تبلغ عشر معشار ذلك قال إبراهيم الحربي رأيت أبا عبد الله كأن الله جمع له علم الأولين والآخرين وقال ابن راهوي كنت أجالس أحمد وابن معين ونتذاكر ما تفسيره فيسكتون إلا أحمد قال أبو بكر الخلال كان أحمد قد كتب كتب الرأي وحفظها ثم لم يلتفت إليها قال إبراهيم بن شماس سمعت وكيعا وحفص ابن غياث يقولان ما قدم الكوفة مثل ذلك الفتا يعنيان أحمد ابن حنبل قال يحيى القطان ما قدم علينا مثل هذه أحمد ويحيى بن معين وما قدم علي من بغداد أحب إلي من أحمد بن حنبل وقال مهنى بن يحيا قد رأيت ابن عيينة ووكيعا وعبد الرزاقي والناس ما رأيت رجلا أجمع من أحمد في علمه وزهده وورعه وذكر أشياء قال عبد الله بن أحمد سمعت أبي يقول قدمت صنعاء أنا ويحيى بن معين فمضيت إلى عبد الرزاقي في قريته وتخلف يحيا فلما ذهبت أدق الباب قال لي بقال تجاه داره مه لا تدق فإن الشيخ يهاب فجلست حتى إذا كان قبل المغرب خرج فوثبت إليه وفي يدي أحاديث تقيتها فسلمت وقلت حدثني بهذه رحمك الله فإني رجل غريب قال ومن أنت قلت أنا أحمد بن حنبل قال فضمني إليه وقال بالله أنت أبو عبد الله ثم أخذ الأحاديث وجعل يقرأها حتى أظلم الليل قال الرمادي سمعت عبد الرزاقي ذكر أحمد بن حنبل فدمعت عيناه قال بلغني أن نفقته نفدت فأخذت بيده فأقمته خلف الباب وما معنا أحد فأعطيته عشرة دنانير فقال لي يا أبا بكر لو قبلت من أحد شيئا قبلت منك وقال عبد الله قلت لأبي بلغني أن عبد الرزاقي عرض عليك دنانير قال نعم قلت لنا خمسمائة درهم على ما أظن فلم أقبل قال الجوز جاني كان أحمد بن حنبل يصلي بعبد الرزاقي فسهى فسآل عنه عبد الرزاقي فأخبر أنه لم يأكل شيئا منذ ثلاثة أيام وقال أحمد بن سنان للقطان ما رأيت يزيد لأحد أشد تعظيما منه لأحمد بن حنبل وقرم أحدا مثله كان يقعده إلى جنبه ويوقره ولا يمازحه وقال عبد الرزاقي ما رأيت أحدا أفقها ولا أورع من أحمد بن حنبل قلت قال هذا وقد رأى مثل الثوري ومالك وبن جريج وعن اسماعيل بن علية أنه أقيمت الصلاة فقال ها هنا أحمد بن حنبل قولوا له يتقدم يصلي بنا وقال الهيث مبن جميل الحافظ إن عاش أحمد سيكون حجة على أهل زمانه وقال قتيبة خير أهل زمان نبن المبارك ثم هذا الشاب يعني أحمد بن حنبل وإذا رأيت رجلا يحب أحمد فعلم أنه صاحب سنة ولو أدرك عصر الثوري وزاعي والليث لكان هو المقدم عليهم فقيل لقطيبة يضم أحمد إلى التابعين فقال إلى كبار التابعين قلت قد روا أحمد في مسنده عن قتيبة كثيرا قال المزني قال لي الشافعي رأيت ببغداد شابا إذا قال حدثنا قال الناس كلهم صدق قلت ومن هو قال أحمد بن حنبل وقال حرم له سمعت الشافعي يقول خرجت من بغداد فما خلفت بها رجلا أفضل ولا أعلم ولا أفقه ولا أتقى من أحمد بن حنبل وعن علي بن المديني قال أعز الله الدين بالصديق يوم الردة وبأحمد يوم المحنة قال أبو عبيد إني لأتدين بذكر أحمد ما رأيت رجلا أعلم بالسنة منه وقال ابن معين أراد أن أكون مثل أحمد والله لا أكون مثله أبدا قال ابن أبي حاتم سألت أبي عن علي بن المديني وأحمد بن حنبل أيهما أحفظ فقال كان في الحفظ متقاربين وكان أحمد أفقه إذا رأيت من يحب أحمد فعلم أنه صاحب سنة وقال أبو زرعة أحمد بن حنبل أكبر من إسحاق وأفقه ما رأيت أحد أكمل من أحمد وقال النسائي جمع أحمد بن حنبل المعرفة بالحديث والفق والورع والزهد والصبر وقال أبو داوود كانت مجالس أحمد مجالس الآخرة لا يذكر فيها شيء من أمر الدنيا ما رأيته ذكر الدنيا قط قال ابن سلم سمعت محمد بن نصر المروزي يقول صرت إلى دار أحمد بن حنبل مرارا وسألته عن مسائل فقيل له أكان أكثر حديثا أم إسحاق قال بل أحمد أكثر حديثا وأورع أحمد فاق أهل زمانه قلت كان أحمد عظيم الشأن رأسا في الحديث وفي الفقه وفي التأله أثنى عليه خلق من خصومه فما الظن بإخوانه وأقرانه وكان مهيبا في ذات الله حتى قال أبو عبيد ما هبت أحدا في مسألة ما هبت أحمد بن حنبل في فضله وتألهه وشمائله قال صالح بن أحمد دخلت على أبي يوما أيام الوافق والله يعلم على أي حال نحن وقد خرج لصلاة العصر وكان له لبد يجلس عليه قد أتى عليه سنون كثيرة حتى بلي وإذا تحته كتاب كاغد أي قرطاس فيه فلغني يا أبا عبدالله ما أنت فيه من الضيق وما عليك من الدين وقد وجهت إليك بأربعة آلاف درهم وما هي من صدقة ولا زكاه وإنما هو شيء ورثته من أبي فقرأت الكتاب ووضعته فلما دخل قلت يا أبي ما هذا الكتاب فحمر وجهه وقال قد رفعته منك وكتب إلى الرجل وصل كتابك إلي ونحن في عافية فأما الدين فإنه لرجل لا يرهقنا وأما عيالنا ففي نعمة الله فلما مضت سنة أو نحوها ذكرناها فقال لو كنا قبلناها كانت قد ذهبت قال عبيد القاري دخل على أحمد عمه فقال يا ابن أخي أيش هذا الغم وايش هذا الحزن فرفع رأسه وقال يا عم طوبا لمن أخمل الله ذكرة قال صالح ربما رأيت أبي يأخذ الكسر ينفض الغبار عنها ويصيرها في قصعة ويصب عليها ماء ثم يأكلها بالملح وكان يأتدم بالخل كثيرا فما اعتللت فيأخذ قدحا فيه ماء فيقرأ فيه ثم يقول اشرب منه واغسل وجهك ويديك وكان ربما خرج إلى البقال فيشتر الحطب والشيء فيحمله بيده وكنت اسمعه كثيرا يقول اللهم سلم سلم وقال المروذي قلت لأبي عبدالله ما أكثر الداعي لك فقال أخاف أن يكون هذا استدراجا بأي شيء هذا قال المروذي رأيت طبيبا نصرانيا خرج من عند أحمد ومعه راهب فقال إنه سألني أن يجيأ معي ليرى أبا عبدالله وأدخلت نصرانيا على أبي عبدالله فقال له إني لأشتهي أن أراك منذ سنين فقاؤك صلاح للإسلام وحدهم بل للخلق جميعا وليس من أصحابنا أحد إلا وقد رضي بك فقلت لأبي عبدالله إني لأرجو أن يكون يدعى لك في جميع الأمصار فقال يا أبا بكر إذا عرف الرجل نفسه فما ينفعه كلام الناس ومن آدابه قال عبدالله بن أحمد رأيت أبي يأخذ شعرة من شعر النبي صلى الله عليه وسلم فيضعها على فيه يقبلها وأحسب أني رأيته يضعها على عينه ويغمسها في الماء ويشربه يستشفي به ورأيته أخذ قصعة النبي صلى الله عليه وسلم فغسلها ثم شرب فيها ورأيته يشرب من ماء زمزم يستشفي به ويمسح به يديه ووجهه قال أحمد بن سعيد الدانمي كتب إلي أحمد بن حنبل إلى أبي جعفر أكرمه الله من أحمد بن حنبل وقال عبد الرحمن الزهري مضى عمي إلى أحمد بن حنبل فسلم عليه فلما رآه وثب قائما وأكرمه وقال المروذ قال لي أحمد ما كتبت حديثا إلا وقد عملت به حتى مر بي أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وأعطى أبا طيبة دي نارا فأعطيت الحجام دي نارا حين احتجمت وقال حنبل رأيت أبا عبد الله إذا أراد القيامة قال لجلسائه إذا شئتم وقال عبد الله بن أحمد سمعت أبي يقول قال لي الشافعي يا أبا عبد الله إذا صح عندكم الحديث فأخبرونا حتى نرجع إليه أنتم أعلم بالأخبار الصحاح منا فإذا كان خبر صحيح فأعلمني حتى أذهب إليه قال يحيى بن معين ما رأيت مثل أحمد صحبناه خمسين سنة مفتخر علينا بشيء مما كان فيه قال عبد الله بن أحمد كان أبي يقرأ كل يوم سبعة وكان ينام نوم خفيفة بعد العشاء ثم يقوم إلى الصباح يصلي ويدعو قال أحمد الدورقي لما قدم أحمد بن حنبل من اليمن من عند عبد الرزاق رأيت به شحوبا بمكة وقد تبين عليه النصب والتعب فكلمته فقال هذا هين فيما استفدنا من عبد الرزاق قال المروذي كان أبو عبد الله إذا ذكر الموت خنقته العبر وكان يقول إذا ذكرت الموت هان علي كل أمر الدنيا إنما هو طعام دون طعام ولباس دون لباس وإنها أيام قلائل ما أعدل الفقر شيئا ولو وجدت السبيل لخرجت حتى لا يكون لي ذكر وقال أريد أن أكون في شعب بمكة حتى لا أعرف قد بليت بالشهرة ومن سيرته قال الخلال قلت لزهير بن صالح حفيد الإمام أحمد هل رأيت جدك قال نعم مات عشر سنين كنا ندخل إليه في كل يوم جمعة أنا وأخواتي وكان بيننا وبينه باب وكان يكتب لكل واحد منا حبتين حبتين من فضة في رقعة إلى فامي يعامله وربما مررت به وهو قاعد في الشمس وظهره مكشوف فيه أثر الضرب بين وكان لي أخ أصغر مني وردته علي فأراد أبي أن يختنه فاتخذ له طعاما كثيرا ودعا قوما فوجه إليه جدي بلغني ما أحدثته لهذا وإنك أسرفت فبدأ بالفقراء والضعفاء فلما أن كان من الغد حضر الحجام وحضر أهلنا جاء جدي حتى جلس عند الصبي وأخرج فدفعها إلى الحجام وقام فنظر الحجام في الصريرة فإذا درهم واحد وكنا قد رفعنا كثيرا من الفرش وكان الصبي على مصطبة مرتفعة من الثياب الملونة فلم ينكر ذلك وقدم علينا من خراسان ابن خالة جدي فنزل على أبي فدخلت معه إلى جدي فجاءت جارية بطبق عليه خبز وبقل وملح وبغضارة فيها لحم وصلق أي شواء كثير فأكل معنا واسأل ابن خالته عن من بقي من أهله بخراسان في خلال الأكل فربما استعجم عليه فيكلمه جدي بالفارسية ويضع اللحم بين يديه وبين يدي ثم أخذ طبقا إلى جنبه فوضع فيه تمرا وجوزا وجعل يأكل ويناول الرجل قال الميموني كثيرا ما كنت أسأل أبا عبدالله عن الشيء فيقول لبيك لبيك وعن المروذي قال لم أر الفقير في مجلس أعز منه في مجلس أحمد كان مائلا إليهم مقصرا عن أهل الدنيا وكان فيه حلم ولم يكن بالعجول وكان كثير التواضع تعالوه السكينة والوقار وإذا جلس في مجلسه بعد العصر للفتياء لا يتكلم حتى يسأل وإذا خرج إلى مسجده لم يتصدر وكان أبو عبدالله شديد الحياة كريم الأخلاق يعجبه السخاء قال هارون المستملي لقيت أحمد بن حنبل فقلت ما عندنا شيء فأعطاني خمسة دراهم وقال ما عندنا غيرها قال حمدان بن علي لم يكن لباس أحمد بذاك إلا أنه قطن نظيف وقال الفضل بن زياد رأيت على أبي عبدالله في الشتاء قميصين وجبة ملونة بينهما وربما قميصا وفرواً ثقيلا ورأيته عليه عمامة فوق القلنسوة وكساءً ثقيلا فسمعت أبا عمران الوركاني يقول له يوما يا أبا عبدالله هذا اللباس كله فضحك ثم قال أنا رقيق في البرد وذكر محمد بن الحسين أن أبا بكرن المروذي حدثهم في آداب أبي عبدالله قال كان أبو عبدالله لا يجهل وأن جهل عليه حلما واحتمل ويقول يكفي الله ولم يكن بالحقود ولا العجول كثير التواضع حسن الخلق دائما البشر لينا الجانب ليس بفض وكان يحب في الله ويبغض في الله وإذا كان في أمر من الدين اشتد له غضبه وكان يحتمل الأذى من الجيران وقال إبراهيم بن شماس كنت أعرف أحمد بن حنبل وهو غلام وهو يحيي الليل وقال المروذي رأيت أبا عبدالله يقوم لورده قريبا من نصف الليل حتى يقارب السحر وقال عبدالله ربما سمعت أبي في السحر يدعو لأقوام بأسمائهم كان يكثر الدعاء ويخفيه ويصلي بين العشاءين فإذا صلى عشاء الآخرة ركع ركعات صالحة ثم يوتر وينام نومة خفيفة ثم يقوم فيصلي قال الميموني قال لي القاضي محمد بن محمد بن إدريس الشافعي قال لي أحمد أبوك يعني الإمام الشافعي ستة الذين أدعو لهم سحرا وكانت قراءته لينة وربما لم أفهم بعضها وكان يصوم ويدمن ثم يفطر ما شاء الله ولا يترك صوم الاثنين والخميس وأيام البيض فلما رجع من العسكر أدمن الصوم إلى أن مات قال الأثرم أخبرت أن الشافعي قال لأبي عبدالله يعني أحمد بن حنبل إن أمير المؤمنين سألني أن ألتمس له قاضيا لليمن وأنت تحب الخروج إلى عبد الرزاق فقد نلت حاجتك وتقضي بالحق فقال أحمد للشافعي يا أبا عبدالله إن سمعت هذا منك ثانية لم ترني عندك قال محمد بن موسى رأيت أبا عبدالله فقد قال له خراساني الحمد لله الذي رأيتك قال أقعد أي شيء ذا من أنا وعن رجل قال رأيت أثر الغم في وجه أبي عبدالله وقد أثنى عليه شخص وقيل له جزاك الله عن الإسلام خيرا فقال بل جزى الله الإسلام عني خيرا من أنا وما أنا وقال المروذي سمعت أحمد بن حنبل ذكر أخلاق الورعين فقال أسأل الله أن لا يمقطنا أين نحن من هؤلاء وكان يحب الخمولة ولنزواء عن الناس ويعود المريض وكان يكره المشي في الأسواق ويؤثر الوحدة قال الميموني قال أحمد رأيت الخلوة وقال محمد بن الحسن بن هارون رأيت أبا عبدالله إذا مشا في الطريق يكره أن يتبعه أحد قلت إيثار الخمول والتواضع وكثرة الوجل من علامات التقوى والفلاح قال صالح بن أحمد كان أبي إذا دعا له رجل يقول الأعمال بخواتيمها المحنة الصدع بالحق عظيم يحتاج إلى قوة وإخلاص فالمخلص بلا قوة يعجز عن القيام به والقوي بلا إخلاص يخذل فمن قام بهما كاملا فهو صديق ومن ضعف فلا أقل من التألم والإنكار بالقلب ليس وراء ذلك إيمان ولا قوة إلا بالله حيث أمتا واحدة ودينهم قائما في خلافة أبي بكر وعمر فلما استشهد عمر رضي الله عنه قام رؤوس الشر على الشهيد عثمان حتى ذبح صبرا وتفرقت الكلمة وتمت وقعة الجمل ثم وقعة صفين فظهرت الخوارج وكفرت سادة الصحابة ثم ظهرت الروافض والنواصب في زمن الصحابة ظهرت القدرية ثم ظهرت المعتزلة بالبصرة والجهمية والمجسمة بخراسان في أثناء عصر التابعين مع ظهور السنة وأهلها إلى بعد المائتين فظهر المأمون الخليفة وكان ذكيا متكلما له نظر في المعقول فاستجلب كتب الأوائل وعرب حكمة اليونان وقام في ذلك وقعد وخب ووضع ورفعت الجهمية والمعتزلة رؤوسها بل والشيعة فإنه كان كذلك وآل به الحال أن حمل الأمة على القول بخلق القرآن وامتحن العلماء فلم يمهل وهلك لعامه وخلى بعده شرا وبلاء في الدين فإن الأمة ما زالت على أن القرآن العظيم لما كلام الله ووحيه وتنزيله لا يعرفون غير ذلك حتى نبغ لهم القول بأنه كلام الله مخلوق وأنه إنما يضاف إلى الله إضافة تشريف كبيت الله وناقة الله فأنكر العلماء ذلك ولم تكن الجهمية يظهرون في دولة المهدي والرشيد والأمين فلما ولي المأمون قلت لهم وأظهر المقالة قال محمد بن نوح قال هارون الرشيد بلغني أن بشر ابن غياثن المريسي يقول إن القرآن مخلوق فلله علي إن أظفرني به لأقتلنه قال الدورقي وكان المريسي متواريا أيام الرشيد فلما مات الرشيد ظهر ودعى إلى الضلالة ثم إن المأمون نظر في الكلام وناظر وبقي متوقفا في الدعاء إلى بدعته قال أبو الفرج بن الجوزي خالطه قوم من المعتزلة فحسنوا له القول بخلق القرآن وكان يتردد ويراقب بقايا الشيوخ ثم قوي عزمه وامتحن الناس قال ابن أكثم قال لنا المأمون إذا يزيد ابن هارون لأظهرت أن القرآن مخلوق فقال بعض جلسائه يا أمير المؤمنين ومن يزيد حتى يتقى فقال ويحك إني أخاف إن أظهرته أن يرد علي فيختلف الناس وتكون فتنة وأنا أكره الفتنة فقال الرجل فأنا أستخبر ذلك منه فخرج إلى واسط فجاء إلى يزيد وقال يا أبا خالد إن أمير المؤمنين يقرئك السلام ويقول لك إني أريد أن أظهر خلق القرآن فقال كذبت على أمير المؤمنين أمير المؤمنين لا يحمل الناس على ما لا يعرفونه فإن كنت صادقا فقعد فإذا اجتمع الناس فقال فلما أن كان الغد اجتمعوا فقام فقال كما قالته فقال يزيد كذبت على أمير المؤمنين إنه لا يحمل الناس على ما لا يعرفونه وما لم يقل به أحد فرجع الرجل إلى المأمون وقال يا أمير المؤمنين كنت أنت أعلم وقص عليه الخبر قال صالح بن أحمد ثم امتحن القوم ووجه بمن امتنع إلى الحبس فأجاب القوم جميعا غير أربعة أبي ومحمد بن نوح والقواريري والحسن بن حماد سجادة ثم أجاب هاذان وبقي أبي ومحمد بن نوح في الحبس أياما ثم جاء كتاب من طرسوس ومقيدين زميلين وقال أبو معمر القطيعي لما أحضرنا إلى دار السلطان أيام المحنة وكان أحمد بن حنبل قد أحضر فلما رأى الناس يجيبون وكان رجلا لينا فانتفقت أوداجه وحمرت عيناه وذهب ذلك اللين فقلت أبشر حدثن ابن فضيل عن الوليد بن عبد الله عن أبي سلمة قال كان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من إذا أريد على شيء من أمر دينه رأيت حماليق عينيه في رأسه تدور كأنه مجنون قال ابن أبي أسامة حكي لنا أن أحمد قيل له أيام المحنة يا أبا عبد الله أولا ترى الحق كيف ظهر عليه الباطل فقال كلا إن ظهور الباطل على الحق أن تنتقل القلوب من الهدى الى الضلالة وقلوبنا بعد لازمة للحق قال أبو جعفر الأمباري لما حمل أحمد إلى المأمون أخبرت فعبرت الفرات فإذا أحمد جالس في الخان فسلمت عليه فقال يا أبا جعفر تعنيت أنت اليوم رأس والناس يقتدون بك فوالله لإن أجبت إلى خلق القرآن ليجيبن خلق وإن أنت لم تجب ليمتني عن خلق من الناس كثير ومع هذا فإن الرجل إن لم يقتلك فإنك تموت لا بد من الموت فاتق الله ولا تجب فجعل أحمد يبكي ويقول ما شاء ثم قال يا أبا جعفر أعد عليه فآعدت عليه وهو يقول ما شاء الله قال محمد بن إبراهيم البوشنجي جعلوا يذاكرون أبا عبدالله يعني الإمام أحمد في التقية وما روي فيها فقال لهم كيف تصنعون بحديث خباب إن من كان قبلكم كان ينشر أحدهم في المنشار لا يصده ذلك عن دينه قال فأيسنا منه ثم قال أحمد لست أبالي بالحبس ما هو ومنزلي إلا واحد ولا قتلا بالسيف إنما أخاف فتنة السوط فسمعه بعض أهل الحبس فقال لا عليك يا أبا عبدالله فما هو إلا سوطان ثم لا تدري أين يقع فكأنه سري عنه قال صالح بن أحمد حمل أبي ومحمد بن نوح من بغداد مقيدين فصرنا معهما إلى الأنبار فسأل أبو بكر الأحوال أبي يا أبا عبدالله إن عرضت على السيف تجيب قال لا ثم سيرا فسمعت أبي يقول صرنا إلى الرحبة في جوف الليل فعرض لنا رجل فقال أيكم أحمد بن حنبل فقيل له هذا فقال له يا أحمد ما عليك أن تقتلها هنا وتدخل الجنة ثم قال أستودعك الله ومضى قال أحمد فسألت عنه فقيل لي هذا رجل من العربي من ربيعة يقول له جابر بن عامر يذكر بخير قال إبراهيم بن عبدالله قال أحمد بن حنبل ما سمعت كلمة منذ وقعت في هذا الأمر أقوى من كلمة أعرابي كلمني بها في رحبة طوق قال لي يا أحمد إن يقتلك الحق مت شهيدا وإن عشت عشت حميدا فقوى قلبي قال صالح بن أحمد قال أبي فلما صرنا إلى أذنه ورحلنا منها في جوف الليل وفتح لنا بابها إذا رجل قد دخل فقال البشرة قد مات الرجل يعني المأمون قال أبي وكنت أدعو الله ألا أراه فلم أره مات بالبذندون بذندون هو نهر الروم وبقي أحمد محبوسا بالرقة حتى بويع المعتصم إثر موت أخيه فرد أحمد إلى بغداد قال صالح لما صدر أبي ومحمد بن نوح إلى طرسوس رد في أقيادهما فلما صار إلى الرقة حمل في سفينه فلما وصل إلى عانة توفي محمد بن نوح وفك قيده وصلى عليه أبي وقال حنبل قال أبو عبد الله أحمد بن حنبل ما رأيت أحدا على حداثة سنه أقوم بأمر الله من محمد بن نوح إني لأرجو أن يكون قد ختم له بخير قال لي ذات يوم يا أبا عبد الله الله الله إنك لست مثلي قد مد قد مد الخلق أعناقهم إليك لما يكون منك فاتق الله واثبت لأمر الله أو نحو هذا فمات وصليت عليه ودفنته قال صالح وصار أبي إلى بغداد مقيدا فمكث بالياسرية أياما ثم حبس في دار نكتوريت عند دار عمارة ثم حول إلى حبس العامة بالموصلية قال أحمد كنت أصلي بأهل السجن وأنا مقيد فلما كان في رمضان سنة تسع عشر قلت وذلك بعد موت المأمون بأربعة عشر شهرا حولت إلى دار إسحاق بن إبراهيم يعني نائب بغداد وأما حنبل فقال حبس أبو عبد الله في دار عمارة ببغداد في إصطبل الأمير محمد بن إبراهيم أخي إسحاق بن إبراهيم وكان في حبس ضيق ومرض في رمضان ثم حول بعد قليل إلى سجن العامة فمكث في السجن نحو من ثلاثين شهرا وكنا نأته فقرأ علي كتاب الإرجاء وغيره في الحبس ورأيته يصلي بهم في القيد قال أبي كان يوجه إلي كل يوم برجلين أحدهما يقال له أحمد بن أحمد بن رباح والآخر أبو شعي بن الحجام فلا يزالان يناظران حتى إذا قام دعي بقيد فزيد في قيود فصار في رجلي أربعة أقياد قال فلما صرنا إلى الموضع المعروف بباب في البستان أخرجت وجي أبي داب فأركبت وعلي الأقياد ما معي من يمسكني فكدت غير مرة أن أخر على وجه لثقل القيود فجي أبي إلى دار المعتصم فأدخلت حجرة ثم أدخلت بيتا وأقفل الباب علي في جوف الليل ولا سراج فلما كان من الغد أخرجت تكتي وشددت بها الأقياد أحملها وعطفت سراويلي فجاء رسول المعتصم فقال أجب فأخذ بيدي وأدخلني عليه وأنا أحمل الأقياد وأيضا هو جالس وأحمد بن أبي دواد حاضر وقد جمع خلقا كثيرا من أصحابه فقال لي المعتصم أدنه أدنه فلم يزل يدني حتى ثم قال إجلس فجلست وقد أثقلتني الأقياد فمكثت قليلا ثم قلت أتأذن في الكلام قال تكلم فقلت إلى ما دع الله ورسوله فسكت هنية ثم قال إلى شهادة ألا إله إلا الله فقلت فأنا أشهد ألا إله إلا الله ثم قلت إن جدك بن عباس يقول لما قدم وفد عبد القيس على رسول الله صلى الله عليه وسلم سألوه عن الإيمان فقال أتدرون ما الإيمان قالوا الله ورسوله أعلم قال شهادة ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإيقام الصلاة وإيتاء الزكاه وأن تعطو الخمس من المغنم فقال المعتصم لولا أني وجدتك في يد من كان قبلي ما عرضت لك ثم قال يا عبد الرحمن بن إسحاق ألم آمرك برفع المحنة فقلت الله أكبر إن في هذا لفرجا للمسلمين ثم قال لهم ناظروه وكلموه يا عبد الرحمن فقال ما تقول في القرآن قلت ما تقول أنت في علم الله فسكت فقال لي بعضهم أليس قال الله تعالى الله خالق كل شيء والقرآن أليس شيئا فقلت قال الله تدمر كل شيء فهل دمرت إلا ما أراد الله ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث أفيكون محدث إلا مخلوق فقلت قال الله صاد والقرآن ذي الذكر فالذكر هو القرآن وتلك ليس فيها ألف ولام وذكر بعضهم حديث عمران بن حسين إن الله خلق الذكر فقلت هذا خطى حدثنا بذكر واحد إن الله كتب الذكر واحتجوا بحديث ابن مسعود ما خلق الله من جنة ولا نار ولا سماء ولا أرض أعظم من آية الكرسي فقلت إنما وقع الخلق على الجنة والنار والسماء والأرض ولم يقع على القرآن فقال بعضهم حديث خباب يا هنتاه تقرأ إلى الله بما استطعت فإنك لن تتقرب إليه بشيء أحب إليه من كلامه فقلت هكذا هو قال صالح وجعل ابن أبي دواد ينظر إلى أبيك المغضب قال أبي وكان يتكلم هذا فأرد عليه ويتكلم هذا فأرد عليه فإذا انقطع الرجل منهم اعترض ابن أبي دواد فيقول يا أمير المؤمنين هو والله ضال مضل مبتدع فيقول كلموه ناظروه فيكلمني هذا فأرد عليه ويكلمني هذا فأرد عليه فإذا انقطعوا يقول المعتصم ويحك يا أحمد ما تقول فأقول يا أمير المؤمنين أعطوني شيئا من كتاب الله قلت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أقول به قال حنبل قال أبو عبدالله لقد احتجوا علي بشئ ما يقوى قلبي ولا ينطلق لساني ان احكيه انكروا الاثار وما ظننتهم على هذا حتى سمعته قال محمد ابن إبراهيم البوشنجي حدثني بعض أصحابنا ان أحمد قال ابن أبيد واد أقبل على أحمد يكلمه فلم يلتفت إليه حتى قال المعتصم يا أحمد ألا تكلم أبا عبدالله فقلت لست أعرفه من أهل العلم فأكلمه قال صالح وجعل ابن أبيد واد يقول يا أمير المؤمنين والله لإن أجابك له أحب إلي من ألف دينار ومئة ألف دينار فيعد من ذلك ما شاء الله أن يعد فقال لئن أجابني لأطلق كن عنه بيدي ولأركبن إليه بجندي ولأطأن عقبه ثم قال يا أحمد والله إني عليك لشفيق وإني لأشفق عليك كشفقتي على ابني هارون ما تقول فأقول أعطوني من كتاب الله وسنة رسوله فلما طال المجلس ضجر وقال قوموا وحبسني عنده وعبد الرحمن بن إسحاق يكلمني وقال ويحك أجبني فقال له عبد الرحمن يا أمير المؤمنين أعرفه منذ ثلاثين سنة يرى طاعتك والحج والجهاد معك فيقول والله إنه لعالم وإنه لفقيه وما يسوءني أن يكون معي يرد عني أهل الملل ثم قال ما كنت تعرف صالحني الرشيدي قلت قد سمعت به قال كان مؤدبي وكان في ذلك الموضع جالسا وآشار إلى ناحية من الدار فسألني عن القرآن فخالفني فأمرت به فوطئ وسحب يا أحمد أجبني إلى شيء لك فيه أدنى فرج حتى أطلق عنك بيدي قلت أعطوني شيئا من كتاب الله وسنة رسوله فطال المجلس وقام ورددت إلى الموضع فلما كان بعد المغرب وجه إلي رجلين من أصحاب ابن أبي داوود يبيتان عندي ويناظران ويقيمان معي حتى إذا كان وقت الإفطار جئ بالطعام ويجتهدان بي أن أفطر فلا أفعل قلت وكانت ليالي رمضان قال ووجه المعتصم إلي ابن أبي دواد في الليل فقال يقول لك أمير المؤمنين ما تقول فأرد عليه نحوا مما كنت أرد فقال ابن أبي دواد إن أمير المؤمنين قد حلف أن يضربك ضربا بعد ضرب وأن يلقيك في موضع لا ترى فيه الشمس ويقول إن أجابني جئت إليه حتى أطلق عنه بيدي ثم انصرف فلما أصبحنا جاء رسوله فأخذ بيدي حتى ذهب بي إليه فقال لهم ناظروه وكلموه فجعلوا يناظروني فأرد عليهم قال فلم يزالوا كذلك إلى قرب الزوال فلما ضجر قال قوموا ثم خلا بي وبعبد الرحمن ابن إسحاق فلم يزل يكلمني ثم قام ودخل وردت إلى الموضع قال فلما كانت الليلة الثالثة قلت خليق أن يحدث غدا من أمري شيء وكل بي أريد خيطا فجاءني بخيط فشددت به الأقياد ورددت التكة إلى سراويلي مخافة أن يحدث من أمري شيء فأتعرى فلما كان من الغد أدخلت إلى الدار فإذا هي غاصة فجعلت أدخل من موضع إلى موضع وقوم معهم السيوف وقوم معهم السياط ولم يكن في اليومين الماضيين كبير أحد من هؤلاء فلما انتهيت إليه قال قعد ثم قال ناظروه كلموه فجعلوا يناظروني يتكلم هذا فأرد عليه ويتكلم هذا فأرد عليه وجعل صوتي يعلو أصواتهم فجعل بعض من هو قائم على رأسي يومئ إلي بيده فلما طال المجلس نحّاني ثم خلابهم ثم نحّاهم وردني إلى عنده وقال ويحك يا أحمد أجبني حتى أطلق عنك بيدي فردت عليه نحو ردي فقال خذوه اسحبوه خلعوه فسحبت وخلعت قال وجلس المعتصم على كرسي ثم قال العقابين والسياط فجيأ بالعقابين فمدت يداي فقال بعض من حضر خلفي خذ نات الخشبتين بيديك وشد عليهما فلم أفهم ما قال فتخلعت يداي قال محمد بن إبراهيم البوشنجي ذكروا أن المعتصم آلان في أمر أحمد لما علق في العقابين ورأى ثباته وصميمه وصلابته حتى أغراه أحمد بن أبي دواد وقال يا أمير المؤمنين إن تركته قيل قد ترك مذهب المأمون وسخط قوله فهاجه ذلك على ضربه ثم قال للجلادين تقدموا فجعل يتقدم إلي الرجل منهم فيضربني سوطين فيقول له شد قطع الله يدك ثم يتنحى ويتقدم آخر فيضربني سوطين وهو يقول في كل ذلك شد قطع الله يدك فلما ضربت سبعة عشر سوطا قام إلي يعني المعتصم فقال يا أحمد علامة قتل نفسك إني والله عليك لشفيق وجعل عجيف ينخسني بقائمة سيفه أتريد أن تغلب هؤلاء كلهم وجعل بعضهم يقول ويلك إمامك على رأسك قائم وقال بعضهم يا أمير المؤمنين دمه في عنقي اقتله وجعل يقولون يا أمير المؤمنين أنت صائم وأنت في الشمس قائم فقال لي ويحك يا أحمد ما تقول فأقول أعطوني شيئا من كتاب الله أو سنة رسول الله أقول به فرجع وجلس وقال للجلاد تقدم وأوجع قطع الله يدك ثم قام الثانية وجعل يقول ويحك يا أحمد أجبني فجعلوا يقبلون علي ويقولون يا أحمد إمامك على رأسك قائم وجعل عبد الرحمن يقول من صنع من أصحابك في هذا الأمر ما تصنع والمعتصم يقول أجبني إلى شيء لك فيه أدنى فرج حتى أطلق عنك بيدي ثم رجع وقال للجلاد تقدم فجعل يضربني سوطين ويتنحى وهو في خلال ذلك يقول شد قطع الله يدك فذهب عقلي ثم أفقت بعد فإذا الأقياد قد أطلقت عني فقال لي رجل ممن حضر كببناك على وجهك وطرحنا على ظهرك بارية ودسناك أي طرحنا على ظهرك حصيرة ثم جي أبي إلى دار إسحاق بن إبراهيم فحضرت الظهر فتقدم ابن سماعة فصلى وقال لي صليت والدم يسيل في ثوبك قلت قد صلى عمر وجرحه يثعب دما قال صالح ثم خلي عنه فصار إلى منزله قال صالح وأخبرني رجل حضر أنه تفقده في الأيام الثلاثة وهم يناظرونه فما لحن في كلمه قال وما ظننت أن أحدا في مثل شجاعته وشدة قلبه قال حنبل سمعت أبا عبدالله يقول ذهب عقلي مرارا فكان إذا رفع عني الضرب رجعت إلي نفسي وأذا استرخيت وسقط رفع الضرب أصابني ذلك مرارا ورأيته يعني المعتصم قاعدا في الشمس بغير مظلة فسمعته وقد أفقت يقول لابن أبي دواد لقد ارتكبت إثما في أمر هذا الرجل فقال يا أمير المؤمنين إنه والله كافر مشرك فلا يزال به حتى يصرفه عما يريد وقد كان أراد تخليتي بلا ضرب فلم يدعه ولا إسحاق ابن إبراهيم قال حنبل وبلغني أن المعتصم قال لابن أبي دواد بعد كم ضرب أبو عبدالله كم ضرب قال أربعة أو نيف وثلاثين سوط قال ابن أبي حاتم حدثنا عبدالله ابن محمد بن الفضل الأسدي قال لما حمل أحمد ليضرب جاءوا إلى بشر بن الحارث الحافي وقالوا قد وجب عليك أن تتكلم فقال أتريدون لي أقوم مقام الأنبياء ليس ذا عندي حفظ الله أحمد من بين يديه ومن خلفه قال صالح فخلي عنه فصار إلى المنزل ووجه إلى المطبق فجئ برجل ممن يبصر الضرب والعلاج فنظر إلى ضربه فقال قد رأيت من ضرب الفسوط ما رأيت ضربا مثل هذا فقد جر عليه من خلفه ومن قدامه ثم أخذ ميلا فأدخله في بعض تلك الجراحات فنظر إليه فقال لم ينقب وجعل يأتيه ويعالجه وكان قد أصاب وجهه غير ضربه ومكث منكبا على وجهه كم شاء الله ثم قال له إنها هنا شيئا أريد أن أقطعه فجاء بحديدة فجعل يعلق اللحم بها فيقطعه بسكين معه وهو صابر لذلك يجهر بحمد الله في ذلك فبرأ منه ولم يزل يتوجع من مواضع منه وكان أثر الضرب بينا في ظهره إلى أن توفي قال صالح ودخلت يوما فقلت له بلغني أن رجلا جاء إليك لا أجعلني في حل إذ لم أقم بنصرتك فقلت لا أجعل أحدا في حل فتبسم أبي وسكت وسمعت أبي يقول لقد جعلت الميت في حل من ضربه إياي ثم قال مررت بهذه الآية فمن عفا وأصلح فأجره على الله فنظرت في تفسيرها فإذا هو ما أخبرنا أخبرنا المبارك بن فضالة قال أخبرني من سمع الحسن يقول إذا كان يوم القيامة جثت الأمم كلها بين يدي الله رب العالمين ثم نودي ألا يقوم إلا من أجره على الله فلا يقوم إلا من عفا في الدنيا قال فجعلت الميت في حل ثم قال قال رجل ألا يعذب الله بسببه أحد وقال أحمد بن سنان بلغني أن أحمد بن حنبل جعل المعتصم في حل في فتح عمورية فقال هو في حل من ضربي قال ابن أبي حاتم سمعت أبا زرعة يقول دع المعتصم بعم أحمد ثم قال للناس تعرفونه هو أحمد بن حنبل قال فانظرو إليه أليس هو صحيح البدن قالوا نعم ولولا أنه فعل ذلك لكنت أخاف أن يقع شيء لا يقام له قال ولما قال قد سلمته إليكم صحيح البدن هدأ الناس وسكنوا قلت ما قال هذا مع تمكنه في الخلافة وشجاعته يقول الله عن أمر كبير كأنه خاف أن يموت من الضرب فتخرج عليه العامة ولو خرج عليه عامة بغداد لربما عجز عنهم وقال حنبل لما أمر المعتصم بتخلية أبي عبد الله خلع عليه مبطنة وقميص وطيل سانا وقلنسوة وخفا فبينا نحن على باب الدار والدروب وغيرها وغلقت الأسواق إذ خرج أبو عبد الله على دابة من دار المعتصم في تلك الثياب وأحمد ابن أبي دواد عن يمينه وإسحاق ابن إبراهيم يعني نائب بغداد عن يساره فلما صار في الدهليز قبل أن يخرج قال لهم ابن أبي دواد اكشفوا رأسه فكشفوه يعني من الطيل سان وذهبوا يأخذون به ناحية الميدان نحو طريق الحبس فقال لهم إسحاق خذو به هاهنا يريد دجلة فذهب به إلى الزورة وحمل إلى دار إسحاق ابن إبراهيم فأقام عنده إلى أنصلية الظهر وبعث إلى والدي وإلى جيراننا ومشايخ المحال فجمعوا وأدخلوا عليه هذا أحمد بن حنبل وإن كان فيكم من يعرفه وإلا فليعرف قال ابن سماعة لهم حين دخل الجماعة هذا أحمد بن حنبل وإن أمير المؤمنين ناظره في أمره وقد خلى سبيله وهاه ذا فأخرج على فرس الإسحاق ابن إبراهيم عند غروب الشمس فصار إلى منزله ومعه السلطان والناس وهو منحن فلما ذهب لينزل احتظنته ولم أعلم فوقعت يدي على موقع الضرب فصاح فنحيت يدي فنزل متوكئا علي وأغلق الباب ودخلنا معه ورمى بنفسه على وجهه لا يقدر أن يتحرك إلا بجهد ونزع ما كان خلع عليه فأمر به فبيع وكان المعتصم أمر إسحاق ابن إبراهيم أن لا يقطع عنه خبره وذلك أنه ترك فيما حكي لنا عند الإياس منه وبلغنا أن المعتصم ندم وأسقط في يده حتى صلح فكان صاحب خبر إسحاق ابن إبراهيم يأتينا كل يوم يتعرف خبره حتى صح وبقيت إبهاماهم يضرباني عليه في البرد فيسخن له الماء ولما أردنا علاجه خفنا أن يدس أحمد بن أبي دواد سمًا إلى المعالج فعملنا الدواء والمرهم في منزلنا وسمعته يقول كل من ذكرني ففي حل إلا مبتدعا وقد جعلت أباء إسحاق في حل يعني المعتصم ورأيت الله يقول وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر بالعفو في قصة مصطح قال أبو عبدالله وما ينفعك أن يعذب الله أخاك المسلم في سببك قال حنبل لما أردنا علاجه خفنا أن يدس ابن أبي دواد إلى المعالج فعملنا الدواء والمرهم عندنا فكان في برنية فإذا دواه رفعناها قال وكان إذا أصابه البرد ضرب عليه محنة الواثق قال حنبل لم يزل أبو عبدالله بعد أن برئ من الضرب يحضر الجمعة والجماعة ويحدث ويفتي حتى مات المعتصم فأظهر ما أظهر من المحنة والميل إلى أحمد بن أبي دواد وأصحابه فلما اشتد الأمر على أهل بغداد وأظهرت القضاة المحنة بخلق القرآن كان أبو عبدالله يشهد الجمعة ويعيد الصلاة إذا رجع ويقول تؤتى الجمعة لفضلها والصلاة تعاد خلف من قال بهذه المقالة وجاء نفر إلى أبي عبدالله وقالوا هذا الأمر قد فشى وتفاقم ونحن نخافه على أكثر من هذا وذكر ابن أبي دواد وأنه على أن يأمر المعلمين بتعليم الصبيان في المكاتب القرآن كذا وكذا فنحن لا نرضى بإمارته فمنعهم من ذلك وناظرهم وأمرهم بالصبر قال فبينا نحن في أيام الوافق عقوب ليلا برسالة الأمير إسحاق بن إبراهيم إلى أبي عبدالله يقول لك الأمير إن أمير المؤمنين قد ذكرك فلا يجتمعن إليك أحد ولا تساكن بأرض ولا مدينة أنا فيها فاذهب حيث شئت من أرض الله قال فاختفى أبو عبدالله بقية حياة الوافق وكانت تلك الفتنة ولم يزل أبو عبدالله مختفيا في البيت لا يخرج إلى صلاة ولا إلى غيرها حتى هلك الوافق وعن إبراهيم بن هان قال اختفى أبو عبدالله عندي ثلاثا ثم قال أطلب لي موضع قلت لا آمن عليك قال فعل فإذا فعلت أفدتك فطلبت له موضع اختفى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار ثلاثة أيام ثم تحول والعجب من أبي القاسم علي بن الحسن الحافظ يعني بن عساكر كيف ذكر ترجمة أحمد مطولة كعوائده ولكن ما أورد من أمر المحنة كلمة مع صحة أسانيدها فإن حنبلا ألفها في جزئين وكذلك صالح بن أحمد وجماعة فصل في حال الإمام في دولة المتوكل قال حنبل ولي المتوكل فأظهر الله السنة وفرج عن الناس وكان أبو عبدالله يحدثنا ويحدث أصحابه في أيام المتوكل وسمعته يقول ما كان الناس إلى الحديث والعلم أحوج منهم إليه في زماننا ثم إن رافعا رفع إلى المتوكل إن أحمد ربص علويا في منزله يريد أن يخرجه ويبايع عليه قال ولم يكن عندنا علم فبينا نحن ذات ليلة نيام في الصيف سمعنا الجلبة ورأينا النيران في دار أبي عبدالله فأسرعنا وإذا به قاعد في إيزار ومظفر ابن الكلبي صاحب الخبر وجماعة معهم فقرأ صاحب الخبر كتاب المتوكل ورد على أمير المؤمنين أن عندكم علوي ربسته لتبايع له وتظهره في كلام طويل ثم قال له مظفر ما تقول قال ما أعرف من هذا شيئا وإني لأرى له السمع والطاعة في عسري ويسري ومنشطي وأثرة علي وإني لأدعو الله له بالتسديد والتوفيق في الليل والنهار في كلام كثير فقال مظفر قد أمرني أمير المؤمنين أن أحلفك قال فأحلفه بالطلاق ثلاثا أن ما عنده طربة أمير المؤمنين ثم فتشوا منزل أبي عبدالله والسرب والغرف والسطوح وفتشوا تابوت الكتب وفتشوا النساء والمنازل فلم يروا شيئا ولم يحسوا بشي ورد الله الذين كفروا بغيظهم وكتب بذلك إلى المتوكل فوقع منه موقعا حسنا وعلم أن أبا عبدالله مكذوب عليه وكان الذي دس عليه رجل من أهل البدع ولم يمت حتى بين الله أمره للمسلمين فلما كان بعد أيام بينا نحن جلوس بباب الدار إذا يعقوب أحد حجاب المتوكل قد جاء فاستأذن على أبي عبدالله فدخل ودخل أبي وأنا ومع بعض غلمانه بدرة على بغل ومعه كتاب المتوكل فقرأه على أبي عبدالله إنه صح عند أمير المؤمنين براءة ساحتك وقد وجه إليك بهذا ما لي تستعين به فأبا أن يقبله وقال ما لي إليه حاجة فقال يا أبا عبدالله اقبل من أمير المؤمنين ما أمرك به فإنه خير لك عنده فإنك إن رددته خفت أن يظن بك سوء فحينئذ قبلها فلما خرج قال يا أبا علي قلت لبيك هذه الإنجانة وضع البدرة تحتها ففعلت وخرجنا فلما كان من الليل إذا أم ولد أبي عبدالله تدق علينا الحائط فقالت مولاي يدعو عمه فأعلمت أبي وخرجنا فدخلنا على أبي عبدالله وذلك في جوف الليل فقال يا عم ما أخذني النوم قال ولما قال لهذا المال وجعل يتوجع لأخذه وأبي يسكنه ويسهل عليه وقال حتى تصبح وترى فيه رأيك فإن هذا ليل والناس في المنازل فأمسك وخرجنا فلما كان من السحر وجه إلى عبدوس بن مالك وإلى الحسن بن البزار فحضر وحضر جماعة منهم هارون وصال وأحمد بن منيع وابن الدورقي وأبي وأنا وصالح وعبد الله وجعلنا نكتب من يذكرونه من أهل الستر والصلاح ببغداد والكوفة فوجه منها إلى أبي كريب وللأشج وإلى من يعلمون حاجته ففرقها كلها ما بين الخمسين إلى المئة وإلى المئتين فلما كان بعد ذلك جاء رسول إلى أبي عبد الله فذهب إليه فقرأ عليه كتاب المتوكل وقال له يأمرك بالخروج يعني إلى سام الرا فقال أنا شيخ ضعيف عليل فكتب عبد الله بما رد عليه فورد جواب الكتاب إن أمير المؤمنين يأمره بالخروج فرجها عبد الله أجنادا فباتوا على بابنا أياما حتى تهيأ أبو عبد الله للخروج فخرج قال حنبل فأخبرني أبي قال دخلنا إلى العسكر فإذا نحن بموكب عظيم مقبل فلما حاذا بنا قالوا هذا وصيف وإذا بفارس قد أقبل فقال لأبي عبد الله وصيف يقرئك السلام ويقول لك إن الله قد أمكنك من عدوك يعني ابن أبي دواد وأمير المؤمنين يقبل منك فلا تدع شيئا إلا تكلمت به فما رد عليه أبو عبد الله شيئا وجعلت أنا أدعو لأمير المؤمنين ودعوت لوصيف ومضينا فأنزلنا في دار إيتاخ ولم يعرف أبو عبد الله فاسأل بعد لمن هذه الدار قالوا هذه دار إيتاخ فقال حولوني اكتروا لي دارا قالوا هذه دار أنزلكها أمير المؤمنين قال لا أبيتها هنا ولم يزل حتى اكترينا له دارا وكانت تأتينا في كل يوم مائدة فيها ألوان يأمر بها المتوكل والثلج والفاكهة وغير ذلك فما ذاق منها أبو عبد الله شيئا ولا نظر إليها وكان نفقة المائدة في اليوم مئة وعشرين درهما ووجه إليه المتوكل بمال عظيم فرده فقال له عبيد الله بن يحيا فإن أمير المؤمنين يأمرك أن تدفعها إلى ولدك وأهلك قال هم مستغنون فردها عليه فأخذها عبيد الله فقسمها على ولده ثم أجر المتوكل على أهله وولده في كل شهر أربعة آلاف فبعث إليه أبو عبد الله إنهم في كفاية وليست بهم حاجة فبعث إليه المتوكل إنما هذا لولدك فما لك ولهذا فأمسك أبو عبد الله فلم يزل يجري علينا حتى مات المتوكل وجرى بين أبي عبد الله وبين أبي كلام كثير وقال يا عم ما بقي من أعمارنا كأنك بالأمر قد نزل فالله الله فإن أولادنا إنما يريدون أن يأكلوا بنا وإنما هي أيام قلائل وإنما هذه فتنة فقلت أرجو أن يؤمنك الله مما تحذر فقال كيف وأنتم لا تتركون طعامهم ولا جوائزهم لو تركتموها لتركوكم ماذا ننتظر إنما هو الموت فإما إلى جنة وإما إلى نار فطوبا لمن قدم على خير وبلغ المتوكل ما هو فيه لا يريد الدنيا فأذن له في الانصراف فجاء عبيد الله ابن يحيا وقت العصر فقال إن أمير المؤمنين قد أذن لك وأمر أن يفرش لك حراقة تنحدر فيها فقال أبو عبدالله أطلبوا لي زورق أن حدر الساعة فطلبوا له زورق فانحدر لوقته قال حنبل حدومه حتى قيل إنه قد وافى فاستقبلته بناحية القطيع وقد خرج من الزورق فمشيت معه فقال لي تقدم لا يراك الناس فيعرفوني فتقدمته قال فلما وصل ألقى نفسه على قفاه من التعب والعياء وكان ربما استعار الشيء من منزلنا ومنزل ولده أما صار إلينا من مال السلطان ما صار امتنع من ذلك حتى لقد وصف له في علته قرعة تشوا فشويت في تنور صالح فعلم فلم يستعملها ومثل هذا كثير وقد ذكر صالح قصة خروج أبيه إلى العسكر ورجوعه وتفتيش بيوتهم على العلوي وورود يعقوب بالبدرة وأنه بكى فقال سلمت منهم حتى إذا كان في آخر عمري بليت بهم عزمت عليك أن تفرقها غدا فلما أصبح جاءه حسن بن البزار فقال جئني يا صالح بميزان وجه إلى أبناء المهاجرين والأنصار وأي لا فلان حتى فرق الجميع ونحن في حالة الله بها عليم فكتب صاحب البريد إنه تصدق بالكل ليومه حتى بالكيس فجاء عري بن الجهم وقال قد أمر لكم أمير المؤمنين بعشرة آلاف مكانا التي فرقها وأن لا يعلم شيخكم بذلك فيغتم وأمر المتوكل أن تشترى لنا دار فقال يا صالح قلت لبيك إن أقررت لهم بشراء دار لتكونن القطيعة بيني وبينكم إنما يريدون أن يصيروا هذا البلد لي مأوى فلم يزل يدافع بشراء الدار حتى اندفع وجعلت رسل المتوكل تأتيه يسألونه عن خبره ويرجعون فيقولون هو ضعيف وفي خلال ذلك يقولون يا أبا عبد الله لا بد من أن يراك وجاءه يعقوب فقال أمير المؤمنين مشتاق إليك ويقول انظر يوما تصير فيه حتى أعرفه فقال ذاك إليكم فقال يوم الأربع وخرج فلما كان من الغد جاء فقال البشرى يا أبا عبد الله إن أمير المؤمنين يقرأ عليك السلام يقول قد أعفيتك من لبس السود والركوب إلى ولاة العهود وإلى الدار فالبس ما شئت فجعل يحمد الله على ذلك ثم قال يعقوب إن لي ابنا به معجب وإن له في قلبي موقعا فأوحب أن تحدثه بأحاديث فسكت فلما خرج قال أتراه لا يرى ما أنا فيه وكان يختم القرآن من جمعة إلى جمعة وإذا ختم دعا ونحن نؤمن فلما كان غداة الجمعة وجه إلي وإلى أخي فلما ختم جعل يدعو ونحن نؤمن فلما فرغ جعل يقول أستخير الله مرات فجعلت أقول ما يريد ثم قال إني أعطي الله عهدا إن عهده كان مسؤولا وقال تعالى يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود إني لا أحدث بحديث تمام أبدا حتى ألقى الله ولا أستثني منكم أحدا فخرجنا وجاء علي بن الجهم فأخبرناه فقال إننا لله وإنا إليه راجعون وأخبر المتوكل وقال إنما يريدون أو حدث ويكون هذا البلد حبسي وإنما كان سببا الذين أقاموا بهذا البلد لما أعطوا فقبلوا وأمروا فحدثوا والله لقد تمنيت الموت في الأمر الذي كان وإني لأتمنى الموت في هذا وذاك إن هذا فتنة الدنيا وذاك كان فتنة الدين ثم جعل يضم أصابعه ويقول لو كان نفسي في يدي لأرسلتها ثم يفتح أصابعه وكان المتوكل يكثر السؤال عنه وفي خلال ذلك يأمر لنا بالمال ويقول لا يعلم شيخهم فيغتم ما يريد منهم إن كان هو لا يريد الدنيا فلم يمنعهم وقالوا للمتوكل لا يأكل من طعامك ولا يجلس على فراشك ويحرم الذي تشرب فقال المتوكل لو نشر لي المعتصم وقال فيه شيئا لم أقبل منه قال صالح ثم انحدرت إلى بغداد وخلفت عبد الله عنده فإذا عبد الله قد قدم فقلت ما لك قال أمرني أن أنحدر قال قل لصالح لا تخرج فأنتم كنتم آفتي والله لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أخرجت واحدا منكم معي لولاكم لمن كانت توضع هذه المائدة وتفرش الفرش وتجرى الأجرى فكتبت إليه أعلمه بما قال لي عبد الله فكتب إليه بخطه أحسن الله عاقبتك وفع عنك كل مكروه ومحذور الذي حملني على الكتاب إليك الذي قلت لعبد الله لا يأتيني منكم أحد رجاء أن ينقطع ذكري ويخمل وإذا كنتم هاهنا فشى ذكري وكان يجتمع إليكم قوم ينقلون أخبارنا ولم يكن إلا خير فإن أقمت فلم يأتني أنت ولا أخوك فهو رضائي ولا تجعل في نفسك إلا خيرا والسلام عليك قال ولما سافرنا رفعت المائدة والفرش وكل ما أقيم لنا قال صالح وبعث المتوكل إلى أبي بألف دينار ليقسمها فجاءه علي بن الجهم في جوف الليل فأخبره بأنه يهيئ له حراقه ثم جاء عبيد الله بألف دينار فقال إن أمير المؤمنين قد أذن لك وأمر لك بهذا فقال قد أعثاني أمير المؤمنين مما أكره فردها فقدم علينا ثم قال يا صالح قلت لبيك قال أحب أن تدع هذا الرزق فإنما تأخذونه بسببي فسكت فقال ما لك أكره أن أعطيك بلساني وأو خالف إلى غيره وليس في القوم أكثر عيالا مني ولا أعذر وقد كنت أشكو إليك وتقول أمرك منعقد بأمري ولعل الله أن يحل عني هذه العقدة وقد كنت تدعو لي فأرجو أن يكون الله قد استجاب لك فقال لا تفعل فقلت لا فهجرنا أبي وسد الأبواب بيننا وبينه وتحامى منازلنا ثم ذكر قصة في دعائه صالحا ومعاتبته له ثم في كتابته إلى يحيى بن خاقان ليترك معونة أولاده وأن الخبر بلغ المتوكل فأمر بحمل مجتمع لهم من عشرة أشهر إليهم فكان أربعين ألف جرهم أبا عبدالله أخبر بذلك فسكت قليلا وأطرق ثم قال ما حيلتي إن أردت أمرا وأراد الله أمرا وإلى الإمام أحمد المنتهى في معرفة السنة علما وعملا وفي معرفة الحديث وفنونه ومعرفة الفقه وفروعه وكان رأسا في الزهد والورع والعبادة والصدق قال المرروذي قال لي أبو عبدالله ما كتبت حديثا إلا وقد عملت به حتى مر بي أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وأعطى أبا طيبة دي نارا فاحتجمت وأعطيت الحجام دي نارا وقال قلت لأبي عبدالله من مات على الإسلام والسنة مات على الخير فقال بل مات على الخير كله وقال الميموني قال لي أحمد يا أبا الحسن إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام وقال الفضل ابن زياد سمعت أحمد ابن حنبل يقول من رد حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو على شفاه لك وقال محمد ابن اسماعيل الترمذي كنت أنا وأحمد ابن الحسن عند أحمد ابن حنبل فقال له أحمد يا أبا عبدالله ذكروا لابن أبي قتيلة بمكة أصحاب الحديث فقال أصحاب الحديث قوم سوء فقام أبو عبدالله ينفض ثوبه ويقول زنديق زنديق ودخل البيت ومن سيرته قال عبد الملك الميموني ما رأيت عمامة أبي عبدالله قط إلا تحت ذقنه ورأيته يكره غير ذلك وقال الميموني ما أعلم أني رأيت أحدا أنظف بدنا ولا أشدت عاهدا لنفسه في شاربه وشعر رأسه وشعر بدنه ولا أنقى ثوبا بشدة بياض من أحمد ابن حنبل رضي الله عنه وقال عاصم ابن عصام البيهقي قلت ليلة عند أحمد ابن حنبل فجاء بماء فوضعه فلما أصبح نظر إلى الماء بحاله فقال سبحان الله رجل يطلب العلم لا يكون له ورد بالليل وقال عبد الله سمعت أبي يقول ربما أردت البكور في الحديث فتأخذ أمي بثوبي وتقول حتى يؤذن المؤذن قال الكديمي حدثنا علي بن المديني قال لي أحمد بن حنبل إني لأشتهي أن أصحبك إلى مكة وما يمنعني إلا خوف أن أمل لك أو تملني فلما ودعته قلت أوصني قال اجعل التقوى زادك وانصب الآخرة أمامك قال عبد الله بن أحمد رأيت كثيرا من العلماء والفقهاء والمحدثين وبني هاشم وقريش والأنصار يقبلون أبي بعضهم يده وبعضهم رأسه ويعظمونه تعظيما لم أرهم يفعلون ذلك بأحد من الفقهاء غيره ولم أره يشتهي ذلك ومن تواضع قال أحمد بن الحسن الترمذي رأيت أبا عبد الله يشتري الخبز من السوق ويحمله في الزنبيل ورأيته يشتري الباق اللاء غير مرة ويجعله في خرقة فيحمله ومن جهاده قال عبد الله بن محمود بن الفرج سمعت عبد الله بن أحمد يقول خرج أبي إلى طرسوس ورابط بها وغزا وقال لرجل عليك بالثغر عليك بقزوين قال الحسين بن إسماعيل قال أبي كان يجتمع في مجلس أحمد زهاء خمسة آلاف يكتبون الحديث والباقون يتعلمون منه حسن الأدب والسمت وقال أبو بكر بن المتطوعي اختلفت إلى أبي عبد الله ثنتي عشرة سنة وهو يقرأ المسند على أولاده فما كتبت عنه حديثا واحدا فكنت أنظر إلى هديه وأخلاقه قال عبد الله بن محمد الوراق كنت في مجلس أحمد بن حنبل فقال من أين أقبلتم قلنا من مجلس أبي كريب فقال اكتبوا عنه فإنه شيخ صالح فقلنا إنه يطعن عليك فقال فأي شيء حيلتي شيخ صالح قد قال أبو جعفر كان أحمد من أحيا الناس وأكرمهم وأحسنهم عشرة وأدبا كثير الإطراق لا يسمع منه إلا المذاكرة للحديث وذكر الصالحين في وقار وسكون ولفظ حسن وإذا لقيه إنسان بش به وأقبل عليه وكان يتواضع للشيوخ شديدا وكانوا يعظمونه وكان يفعل بيحيا بني معين ما لم أره يعمل بغيره من التواضع والتكريم والتبجيل كان يحيا أكبر منه بسبع سنين وقال عبدالله ابن أحمد كان أبي إذا أتى البيت من المسجد ضرب برجله حتى يسمع صوت نعله وربما تنحنح ليعلموا به وقال عبدوسني العطار وجهت بابني مع الجارية كان يسلم على أبي عبدالله فرحب به وأجلسه في حجره وساءله واتخذ له خبيصا وقال للجارية كلي معه وجعل يبسطه وقال الميموني كان أبو عبدالله حسن الخلق دائما البشر يحتمل الأذى من الجار معيشته قال ابن الجوزي خلف له أبوه طرزا كان يسكنها فكان يكري تلك الطرزا ويتعفف بها قلت وربما نسخ بأجرة وربما عملت تكك وأجر نفسه لجمال رحمة الله عليه قال ابن عقيل من عجيب ما سمعته عن هؤلاء الأحداث الجهال أنهم يقولون أحمد بن حنبل ليس بفقيه لكنه محدث قال وهذا غاية الجهل لأن له اختيارات بناها على الأحاديث بناء لا يعرفه أكثرهم وربما زاد على كبارهم قلت أحسبهم يظنونه كان محدثا وبس بل يتخيلونه من بابة محدثي زماننا ووالله لقد بلغ في الفقه خاصة رتبة الليث ومالك والشافعي وأبي يوسف رتبة الفضل وإبراهيم بن أدهم وفي الحفظ رتبة شعبة ويحيى القطان وبن المديني ولكن الجاهل لا يعلم رتبة نفسه فكيف يعرف رتبة غيره قال ابن الجوزي كان الإمام لا يرى وضع الكتب وينهى عن كتبة كلامه ومسائله ولو رأى ذلك لكانت له تصانيف كثيرة وصنف المسند وهو ثلاثون ألف حديث وكان يقول لابنه عبدالله احتفظ بهذا المسند فإنه سيكون للناس إماما والتفسير وهو مئة وعشرون ألف والناسخ والمنسوخ والتاريخ وحديث شعبة والمقدمة والمؤخر في القرآن وجوابات القرآن والمناسك الكبير والصغير وأشياء أخر قلت وكتاب الإيمان وكتاب الأشرب ورأيت له ورقة من كتاب الفرائض وتفسيره المذكور شيء لا وجود له ولو وجد لاجتهد الفضلاء في تحصيله ولشتهر ثم لو ألف تفسيرا لما كان يكون أزيد من عشرة آلاف أثر ولاقتضى أن يكون في خمس مجلدات فهذا تفسير بن جرير الذي جمع فيه فأوعى لا يبلغ عشرين ألف وما ذكر تفسير أحمد أحد سوى أبي الحسين بن المنادي فقال في تاريخه لم يكن أحد أروى في الدنيا عن أبيه من عبد الله بن أحمد لأنه سمع منه المسند وهو ثلاثون ألف والتفسير وهو مئة وعشرون ألف وله من المصنفات يعني أبا عبد الله كتاب نفي التشبيه مجلدة وكتاب الإمامة مجلدة صغيرة وكتاب الرد على الزنادقة ثلاثة أجزاء وكتاب الزهد مجلد كبير وكتاب فضاء للصحابة مجلدة وكتاب الرسالة في الصلاة قلت هو موضوع وقد دون عنه كبار تلامذته مسائل وافرة في عدة مجلدات كالمروذي والأثرم وحرب وبن هانئ والكوسج وأبي طالب وفوران ومهن الشامي وصالح بن أحمد وآخيه وبن عمهما حنبل وجمع أبو بكر الخلال سائر ما عند هؤلاء من أقوال أحمد وفتاويه وكلامه في العلل والرجال والسنة والفروع حتى حصل عنده من ذلك ما لا يوصف كثرة ورحل إلى النواحي في تحصيله وكتب عن نحو من مئة نفس من أصحاب الإمام ثم كتب كثيرا من ذلك عن أصحاب أصحابه ثم أخذ في ترتيب ذلك وتهذي به وتبوي به وعمل كتاب العلم وكتاب العلل وكتاب السنة ثلاثة في ثلاث مجلدات وألف كتاب الجامع في بضعة عشر مجلدة أو أكثر وقد قال في كتاب أخلاق أحمد بن حنبل لم يكن أحد فيما علمت عني بمسائل أبي عبدالله قط ما عنيت بها أنا ومولد الخلال كان في حياة الإمام أحمد يمكن أن يكون رآه وهو صبي حياة الإمام أحمد وآله قال زهير بن صالح تزوج جدي بأم أبي عباسة فلم يولد له منها سوى أبي ثم توفيت ثم تزوج بعدها ريحانة امرأة من العرب فما ولدت له سوى عمي عبدالله قال المروذي سمعت أبا عبدالله ذكر أهله فترحم عليها وقال مكثنا عشرين سنة مختلفنا في كلمة وقال زهير لما توفيت أم عبدالله اشترى جدي حسن فولدت له أم علي زينب والحسن والحسين توأما وماتى بالقرب من ولادتهما ثم ولدت الحسن ومحمدا فعاشا نحو الأربعين وولدت بعدهما سعيدا وكان أسن بني أحمد بن حنبل صالح فولي قضاء أصبهان ومات بها سنة خمس وستين ومائتين عن نيف وستين سنة وأما الولد الثاني فهو الحافظ أبو عبد الرحمن عبدالله بن أحمد راوية أبيه من كبار الأئمة مات سنة تسعين ومائتين عن سبع وسبعين سنة وله ترجمة أفرتها والولد الثالث سعيد بن أحمد فهذا ولد لأحمد قبل موته بخمسين يوما فكبر وتفقه ومات قبل أخيه عبد الله وأما حسن ومحمد وزينب فلم يبلغنا شيء من أحوالهم وانقطع عقب أبي عبد الله في ما نعلم مرضه عبد الله سمعت أبي يقول استكملت سبع وسبعين سنة ودخلت في ثمان وقال صالح لما كان أول ربيع الأول من سنة احدى واربعين ومائتين حم أبي ليلة الأربعى وبات وهو محموم يتنفس تنفسا شديدا وكثر الناس فقال فما ترى فجعلوا يدخلون عليه أفواجا حتى تمتلئ الدار فيسألونه ويدعون له ويخرجون ويدخلوا فوج وكثر الناس وامتلأ الشارع وأغلقنا باب الزقاق وجاء جار لنا قد خضب فقال أبي اني لأرى الرجل يحيي شيء من السنة فأفرح به فقال لي وجه فاشتري تمرا وكفر عني كفارة يمين وكنت أنام إلى جنبه فإذا أراد حاجة حركني فأناوله وجعل يحرك لسانه ولم يزل يصلي قائما أمسكه فيركع ويسجد وأرفعه في ركوعه قال واجتمعت عليه أو جاع الحصر وغير ذلك ولم يزل عقله ثابتا فلما كان يوم الجمعة لثنتين عشرة خلت من ربيع الأول لساعتين من النهار توفي وقال المروذي مرض أحمد تسعة أيام وكان ربما أذن للناس فيدخلون عليه أفواجا يسلمون ويرد بيده فكسامع الناس وكثر وسمع السلطان بكثرة الناس فوكل السلطان ببابه وبباب الزقاق الرابطة وأصحاب الأخبار ثم أغلق باب الزقاق فكان الناس في الشوارع والمساجد حتى تعطل بعض الباع وجاءه حاجب ابن طاهر فقال إن الأمير يقرئك السلام فقال هذا مما أكره وأمير المؤمنين قد أعفاني مما أكره وجاء بن هاشم فدخلوا عليه وجعلوا يبكون عليه وجاء قوم من القضاة وغيرهم فلم يؤذن لهم ودخل عليه شيخ فقال اذكر وقوفك بين يدي الله فشهق أبو عبد الله وسال الدموع فلما كان قبل وفاته بيوم أو يومين قال ادعوا لي الصبيان بلسان ثقيل قال فجعلوا ينضمون إليه وجعل يشمهم ويمسح رؤوسهم وعينه تدمع واشتدت علته يوم الخميس ووضأته فقال خلل الأصابع فلما كانت ليلة الجمعة يقل وقبض صدر النهار فصاح الناس وعلت الأصوات بالبكاء حتى كأن الدنيا قد ارتجت وامتلأت السكك والشوارع قال المروذي فأخرجت الجنازة بعد منصرف الناس من الجمعة قال صالح بن أحمد وجه ابن طاهر يعني نائب بغداد بحاجبه مظفر ومعه غلامان معهما مناديل فيها ثياب وطيب فقالوا الأمير يقرئك السلام ويقول قد فعلت ما لو كان أمير المؤمنين حاضره كان يفعله فقلت أقرئ الأمير السلام وقل له إن أمير المؤمنين قد أعفى أبا عبدالله في حياته مما يكره ولا أحب أن أتبعه بعد موته بما كان يكره فعاد وقال يكون شعاره فأعدت عليه مثل قولي وقد كانت غزلت له الجارية ثوبا عشاريا قوم ب ثمانية وعشرين درهم ليقطع منه قميصين فقطعنا له لفافتين وآخذنا من فوران لفافة أخرى فأدرجناه في ثلاث لفائف واشترينا له حنوط وفرغ من غسله وكفناه وحضر نحو مئة من بني هاشم ونحن نكفنه وجعلوا يقبلون جبهته حتى رفعناه على السرير قال عبد الوهاب الوراق ما بلغنا أن جمعا في الجاهلية ولا الإسلام مثله يعني من شهد الجنازة حتى بلغنا أن الموضع مسح وحزر على الصحيح فإذا هو نحو من ألف ألف يعني مليون رجل هذا عدد الذين شهدوا جنازة الإمام أحمد قال موسى بن هارون الحافظ يقال إن أحمد لما مات مسحة الأمكنة المبسوطة التي وقف الناس للصلاة عليها فحزر مقادير الناس بالمساحة على التقدير 600 ألف أو أكثر كان في الأطراف والحوالي والسطوح والمواضع المتفرقة أكثر من ألف ألف وفتح الناس أبواب المنازل في الشوارع والدروب ينادون من أراد الوضوع قال الخلال سمعت بن أبي صالح القنطري يقول شهدت الموسم يعني الحج أربعين عاما فما رأيت جمعا قط مثل هذا يعني مشهد أبي عبد الله رحمه الله سير الأمة الأربعة