بسم الله الرحمن الرحيم بأقلام الشوف ومداد الحب نسطر حظوفاً أغلى من الذهب في وصف سيد الخلق صلى الله عليه وسلم الشمائل المحمدي باب ما جاء في عيش رسول الله صلى الله عليه وسلم عن محمد بن سيرين قال كنا عند أبي هريرة وعليه ثوبان ممشقان من كتان فتمخط في أحدهما فقال بخ بخ يتمخط أبو هريرة في الكتان لقد رأيتني وإني لآخر فيما بين من بل رسول الله صلى الله عليه وسلم وحجرة عائشة مغشياً علي فيجيء الجاء فيضع رجله على عنقي يرى أنبي جنونا وما بي من جنون وما هو إلا الجوع في هذا الحديث تذكر أبو هريرة رضي الله عنه حاله الماضية وقارنها بحاله الحاضرة وأنه في يوم من الأيام اشتد به الجوع فلم يجد طعاماً يغذي به بدنه ويسد حاجته حتى إنه أخذ يتلوى في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم من الجوع حتى يغشى عليه فيظن من يراه أنه يتلوى لما به من جنون وما هو إلا شدة الجوع الذي يجده وإذا هو اليوم عليه ثوبان ممشقان من كتان يتمخط به ومعنى ثوبان ممشقان أي مصبوغان بالمشق وهو الطين الأحمر والكتان نوع من القماش معروف ثيابه معتدلة في الحر والبرد واليبوسة لا تلزق بالبدن وهو من الثياب النفيسة وسبب ذكر هذا الحديث في هذا الباب لأنه يدل على ضيق عيشه صلى الله عليه وسلم فلو كان عنده شي لما ترك أباه ريرة جائعة حتى وصل به الحال إلى سقوطه من شدة الجوع وعن سعد بن أبي وقاصر رضي الله عنه قال إني لأول رجل أهرا قدما في سبيل الله عز وجل وإني لأول رجل رما بسهم في سبيل الله لقد رأيتني أغزو في العصابة لأننا نأكل إلا ورق الشجر والحبلة حتى تقرحت أشداقنا وإن أحدنا ليضع كما تضع الشات والبعير وأصبحت بن أسد يعزروني في الدين لقد خبت وخسرت إذا وضل عملي في هذا الحديث يذكر سعد بن أبي وقاصر رضي الله عنه رضي الله عنه سابقته في الإسلام وبعض أعماله فقال إني لأول رجل أهرا قدما في سبيل الله عز وجل يعني أن أول دم من المشركين أهريق في سبيل الله كان على يده وذلك أنه كان يصلي في مكة مستخفيا في أول الإسلام رأاه بعض المشركين فثاروا عليه فصارعهم وضرب أحدهم بلحي جمل فأسال منه الدم فكان أول دم أهريق في سبيل الله وقوله وإني لأول رجل رمى بسهم في سبيل الله وكان ذلك في سرية عبيدة بن الحارث رضي الله عنه وكان القتال فيها أول حرب وقعت بين المشركين والمسلمين في السنة الأولى من الهجرة حيث بعث النبي صلى الله عليه وسلم ناسا من المسلمين إلى رابغ ليلقوا عيرا لقريش فتراموا بالسهام ولم يكن بينهم مسايفة فكان سعد رضي الله عنه أول مرما سهما في سبيل الله وقوله ولقد رأيتني أغزو في العصابة من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ما نأكل إلا ورق الشجر والحبلة حتى تقرحت أشداقنا يعني أنه كان يغزو مع جماعة من الصحابة وليس لهم زاد إلا ورق الشجر والحبلة والحبلة هي ثمر السمر وقوله حتى تقرحت أشداقنا أي أصابتنا الجراح في جوانب الفم من خشونة الورق الذي نأكله وحرارته وقوله وإن أحدنا ليضع كما تضع الشات والبعير أي إذا قضى أحدنا حاجته أخرج من الفضلات ما تشبه فضلات الشات والبعير لأنه أكل مثل ما أكلت وذكر سعد رضي الله عنه لهذه الأمور له قصة فقد شكى أهل الكوفة سعدا إلى عمر رضي الله عنه وكان سعد واليا عليهم وذكروا أنه لا يحسن يصلي فأرسل إليه عمر فقال يا أبا إسحاق إن هؤلاء يزعمون أنك لا تحسن تصلي فقال سعد رضي الله عنه أما أنا والله فإني كنت أصلي بهم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أخرم عنها أصلي صلاة العشاء فأركض في الأوليين وأوخفف في الأخريين فقال عمر ذاك الظن بك يا أبا إسحاق وفي هذا الحديث يقول سعد وأصبحت بنو أسد يعزروني في الدين وفي رواية للبخاري تعزرني على الإسلام أي تؤدّبني وتعلمني الصلاة أو تعيّرني بأني لا أحسنها والمعنى أن سعد رضي الله عنه أنكر أهلية بن أسد لتعليمه الأحكام مع سابقته وقدم صحبته وتضحيته في الإسلام وقوله لقد خبت وخسرت إذا أي إذا كنت لا أحسن الصلاة وأحتاج إلى تعليمهم كنت خائبا خاصرا وضل عملي أي فيما مضى من صلاتي وقد ساغل سعد رضي الله عنه أن يمدح نفسه ومن شأن المؤمن ترك ذلك ولكن لما عيّره الجهال بأنه لا يحسن الصلاة أضطر إلى ذكر فضله وسابقته في الإسلام وعمله ومدح الإنسان نفسه إذا خلى من البغي والاستطالة وكان مقصود قائله إظهار الحق لم يكره في حقه ذلك وعن عتبة بن غزوان رضي الله عنه قال لقد رأيتني وإني لسابع سبعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لنا طعام إلا ورق الشجر حتى تقرحت أشداقنا فالتقطت بردة فقسمتها بيني وبين سعد فما منا من أولئك السبعة أحد إلا وهو أمير مصر من الأمصار وستجربون الأمراء بعدنا لهذا الحديث قصة وهي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعث عتبة بن غزوان في جماعة من الصحابة رضي الله عنهم ليكونوا على الرباط في ثغور أهل الإسلام وحدد لهم منطقة ليكونوا فيها فلما وصلوا إلى المكان خطب عتبة رضي الله عنه في أصحابه خطبة طويلة أو ردها مسلم في صحيحه الشاهد منها في هذا الباب هو قول عتبة رضي الله عنه لقد رأيتني وإني لسابع سبعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لنا طعام إلا ورق الشجر حتى تقرحت أشداقنا وهذا يدل على شضف العيش والشدة التي كانوا عليها في أول الأمر وقوله فالتقطت بردة فقسمتها بيني وبين سعد يعني أنه وجد بردة ملقاة في الأرض بالية فالتقطها وقسمها بينه وبين سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه للحاجة الشديدة التي كانوا عليها ثم يقول فما منا من أولئك السبعة أحد إلا وهو أمير مصر من الأمصار يذكر عتبة رضي الله عنه النعمة التي آل إليها أمرهم بعد تلك الحال من الشغف وقلة العيش حيث أصبحوا أمراء على الأمصار وقوله وستجربون الأمراء بعدنا أي بأن بعدهم من الأمراء ليسوا مثل الصحابة في العدالة والديانة والإعراض عن الدنيا الدنيا وكان الأمر كذلك فهو من الكرامات بالخبر عن الأمور الغيبية وأشار إلى الفرق بأنهم رأوا منه صلى الله عليه وسلم ما كان سببا لرياضتهم ومجاهدتهم وتقللهم في أمر معيشتهم فمضوا بعده على ذلك وأما غيرهم من من بعدهم فليسوا كذلك وعن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يخاف أحد ولقد أذيت في الله وما يؤذى أحد ولقد أتت علي ثلاثون من بين ليلة ويوم وما لي ولبلال طعام يأكله ذوكبد إلا شيء يواريه إبطبلال في هذا الحديث يخبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال لقد أخفت في الله وما يخاف أحد أي هددت وتوعدت بالتعذيب والقتل بسبب إظهاري لدين الله عز وجل وما كان يخاف أحد غيري في وقتها وقوله ولقد أذيت في الله وما يؤذى أحد أي أذيت بالفعل بعد وقول وذلك في ذات الله وما يؤذى أحد من الناس في ذلك الزمان وقوله ولقد أتت علي ثلاثون ما بين يوم وليلة وما لي ولبلال طعام يأكله ذوكبد إلا شيء يواريه إبطبلال أي أن بلال رضي الله عنه كان رفيقي في ذلك الوقت وضعت علينا ثلاثون يوما وليلة بالتمام والكمال وليس لنا طعام يأكله أي حي كان إلا شيء قليل بقدر ما يأخذه بلال تحت إبطه ولم يكن لنا ضرف نضع الطعام فيه وهذا كله نتيجة التضييق من قومه عليه صلى الله عليه وسلم ليكف عن المضي في الدعوة لكنه صلى الله عليه وسلم مضى صابراً ومجاهداً حتى أظهر الله به الدين وعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجتمع عنده غداء ولا عشاء من خبز ولحم إلا على ضفف قال عبد الله قال بعضهم هو كثرة الأيدي في هذا الحديث يخبر أنس ابن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجتمع عنده غداء ولا عشاء في يوم واحد من خبز ولحم إلا على ضفف قال عبد الله وهو شيخ الترمذي قال بعضهم ضفف أي كثرة الأيدي وقال مالك ابن دينار رحمه الله رحمه الله سألت رجلا من أهل البادية ماذظف؟ قال أن يتناول مع الناس وكثرة الأيدي على الطعام من بركته قال الإمام أحمد إذا جمع الطعام أربعا فقد كمل إذا ذكر اسم الله في أوله وحمد الله في آخره وكثرت عليه الأيدي وكان من حل وعن نوفل بن إياسن الهذلي قال كان عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه لنا جليسا وكان نعم الجليس وإنه انقلب بنا ذات يوم حتى إذا دخلنا بيته دخل فاغتسل ثم خرج وأوتينا بصحفة فيها خبز ولحم فلما وضعت بك عبد الرحمن فقلت يا أبا محمد ما يبكيك فقال هلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يشبع هو وأهل بيته من خبز الشعير فلا أرانا أخرنا لما هو خير لنا هذا الحديث ضعيف لكن ورد قريبا منه في صحيح الإمام البخاري أتي عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه يوما بطعامه فقال قتل مصعب بن عمير وكان خيرا مني فلم يوجد له ما يكفن فيه إلا بردة وقتل حمزة أو رجل آخر خير مني فلم يوجد له ما يكفن فيه إلا بردة لقد خشيت أن يكون قد عجلت لنا طيباتنا في حياتنا الدنيا ثم جعل يبكي للحديث بقية إن شاء الله والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين