بسم الله الرحمن الرحيم بأقلام الشوق ومداد الحب نُسطِّر حُظوفًا أغلى من الذهب في وصف سيد الخلق صلى الله عليه وسلم الشمائل المحمدية باب ما جاء في ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم المقصود بميراث النبي صلى الله عليه وسلم أي ما تركه النبي صلى الله عليه وسلم من الدنيا بعد وفاته عن عمر بن الحارث أخي جويرية له صحبة قال ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا سلاحه وبغلةه وأرضا جعلها صدقه راوي هذا الحديث عمر بن الحارث بن أبي ضرار أخو أم المؤمنين جويرية بنت الحارث رضي الله عنها وهو صحابي قال في هذا الحديث ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم أي عند موته إلا سلاحه أي ما كان يختص بلبسه في الحرب من نحو سيف ورمح ودرع ومغفر وحرب وقوله وبغلةه أي البغلة البيضاء واسمها دلدل وقد بقيت إلى زمن معاوية رضي الله عنه وقوله وأرضا جعلها صدقه هي نصف أرض فدك وثلث أرض وادي القرى وسهمه من خمس خيبر وحصة من أرض بن النظير وهذه الأرض جعلها صدقة على المسلمين رفاد من الحديث ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من الزهد في الدنيا والتقلل منها حيث إنه خرج منها ولم يترك إلا ما يحتاجه الإنسان كالسلاح الذي يجاهد به الكفار والبغلة التي كان يركبها وأما ما ترك من أرض فقد جعلها صدقة قال ابن كثير رحمه الله في الدنيا بحذافرها كانت أحقر عنده كما هي عند الله من أن يسعى لها أو يتركها بعده ميراثا صلوات الله وسلامه عليه وعلى إخوانه من النبيين والمرسلين وسلم تسليما كثيرا دائما إلى يوم الدين وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال جاءت فاطمة إلى أبي بكر فقالت من يرثك فقال أهلي وولدي فقالت مالي لا أرث أبي فقال أبو بكر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا نورث ولكني أعول من كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوله وأنفق على من كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفق عليه في هذا الحديث أن فاطمة رضي الله عنها بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءت إلى أبي بكر رضي الله عنه خليفة المسلمين تطلب نصيبها من ميراث والدها ولعله لم يبلغها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا نورث فقالت تمهيداً لحاجتها ولطلبها من يرثك أي إذا مت فمن الذي يرثك فقال صديق أهلي وولدي أي إذا مت يرثني أهلي وولدي من الذكور والإناث فقالت مالي لا أرث أبي أي إذا كنت يرثك أهلك وولدك فلماذا لا يكون لي ميراث ونصيب من والدي فقال أبو بكر رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا نورث فلذلك لم يقسم رضي الله عنه ما تركه النبي صلى الله عليه وسلم بين أقربائه وأزواجه فلما سمعت رضي الله عنها الحديث من أبي بكر لم تتجاوزه وقال مما يؤكد أنها لم تسمع به من قبل وإلا لما جاء التطلب وقوله ولكني أعول من كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوله وأنفق على من كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفق عليه يعني أنه لن يقطع عنهم النفقة بل سينفق على كل من كان ينفق عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه قام مقامه في مصالح المسلمين وحاجاتهم وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا نورث ما تركنا فهو صدقه في هذا الحديث انصاف أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وصدقها لأنها من ورثة النبي صلى الله عليه وسلم لو كان يورث فحدثت بهذا الحديث دليلا على إظهار الحق ولو كان على حساب نفسها قال العلماء ولعل الحكمة في أن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم لا يورثون لأنهم كالآباء للأمة فمالهم لكل وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يقسم ورثتي دينارا ولا درهما ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقه هذا الحديث بمعنى الأحاديث المتقدمة فالنبي صلى الله عليه وسلم لا يورث ورثته دينارا ولا درهما والتقييد بالدينار والدرهم هو من باب التنبيه على ما سواه فذكرهما تنبيها على ما فوقهما وقوله ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقه أي أن ما تركه صلى الله عليه وسلم يؤخذ منه نفقة لنسائه وما فضل عن ذلك يكون صدقة على المسلمين والمراد بالعامل الذي يلي أمر المسلمين بعده وقيل خادمه وعن مالك بن أوسي بن الحدثان قال دخلت على عمر فدخل عليه عبد الرحمن بن عوف وطلحة وسعد وجاء علي والعباس يختصمان أنشدكم بالذي بإذنه تقوم السماء والأرض أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا نورث ما تركناه صدقة فقالوا اللهم نعم وفي الحديث قصة طويلة كانت أرض بن النظير مما أفاء الله على نبيه صلى الله عليه وسلم فكان النبي صلى الله عليه وسلم يأخذ منها نفقة سنة لأهله وما زاد عن ذلك يجعله للمسلمين فلما توفي صلى الله عليه وسلم كان أبو بكر رضي الله عنه ينفق على قرابة النبي صلى الله عليه وسلم منها ثم لما توفي عمل بذلك عمر رضي الله عنه ثم وكلها إلى العباس وعلي رضي الله عنهما لينفق منها على قرابة النبي صلى الله عليه وسلم فحصل بينهما شيء من الخصومة في ذلك فأراد من عمر أن يقسمها بينهما حتى يتولى كل منهما قسما فامتنع من ذلك عمر رضي الله عنه واستدل بهذا الحديث وقوله وفي الحديث قصة طويلة هذه القصة ذكرت في الصحيحين وهي عن مالك بن أوس بن الحدثان النصري أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه دعاه إذ جاءه حاجبه يرفى فقال هل لك في عثمان وعبد الرحمن والزبير وسعد يستأذنون فقال نعم فأدخلهم فلبث قليلا ثم جاء فقال هل لك في عباس وعلي يستأذنان قال نعم فلما دخل قال عباس يا أمير المؤمنين اقضي بيني وبين هذا وهما يختصمان في الذي أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم فاستب علي وعباس فقال الرهط يا أمير المؤمنين اقضي بينهما وآرح أحدهما من الآخر فقال عمر اتأذو أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا نورث يريد بذلك نفسه قالوا قد قال ذلك فأقبل عمر على عباس وعلي فقال أنشدكما بالله هل تعلمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال ذلك قال نعم قال فإني أحدثكم عن هذا الأمر إن الله سبحانه الله عليه وسلم في هذا الفي بشئ لم يعطيه أحدا غيره فقال جل ذكره وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب إلى قوله قدير فكانت هذه خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم والله محتازها لقد أعطاكمها وقسمها فيكم حتى بقي هذا المال منها فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفق على أهله نفقة سنتهم من هذا المال ثم يأخذ ما بقي فيجعله مجعل مال الله فعمل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم حياته ثم توفي النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر فأنا ولي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبضه أبو بكر فعمل فيه بما عمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنتم حينئذ فأقبل على علي وعباس فقال تذكراني أن أبا بكر فيه كما تقولان والله يعلم إنه فيه لصادق بار راشد تابع للحق ثم توفى الله أبا بكر فقلت أنا ولي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر فقبضته سنتين من إمارتي أعمل فيه بما عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر والله يعلم أني فيه صادق بار راشد تابع للحق ثم جئتماني كلاكما وكلمتكما واحدة وأمركما جميع فجئتني يعني عباس فقلت لكما إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا نورث ما تركنا صدقه أن أدفعه إليكما قلت إن شئتما دفعته إليكما على أن عليكما عهد الله ومثاقه لتعملاني فيه بما عمل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وما عملت فيه مذوليت وإلا فلا تكلماني فقلتما إدفعه إلينا بذلك أفتلتمساني مني قضاء غير ذلك فوالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض لا أقضي فيه بقضاء غير ذلك حتى تقوم الساعة فإن عجزتما عنه فادفع إلي فأنا أكفيكما وعن زر بن حبيش قال قالت عائشة رضي الله عنها رك رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارا ولا درهما ولا شاتا ولا بعيرا قال وأشك في العبد والأمة في هذا الحديث بيان أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يترك شيئا من الدنيا يذكر وهو بمعنى الأحاديث السابقة والدنيا كانت عنده صلى الله عليه وسلم أحقر من أن يعمل على جمعها أو أن يتركها ميراثا وإنما كان همه نشر دين الله عز وجل فورث العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر وقوله وأشك في العبد والأمة هذا الشك من التابعي أي هل ذكرت عائشة رضي الله عنها العبد والأمة في ضمن حديثها أم لا ومن لطيف ما يروى في هذا الباب ما جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه مر بسوق المدينة فوقف عليها فقال يا أهل السوق ما أعجزكم قالوا وما ذاك يا أبا هريرة قال ذاك ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم وأنتم هاهنا لا تذهبون فتأخذون نصيبكم منه قالوا وأين هو قال في المسجد فخرجوا سراعا إلى المسجد ووقف أبو هريرة لهم حتى رجعوا فقال لهم ما لكم قالوا يا أبا هريرة فقد أتينا المسجد فدخلنا فلم نر فيه شيئا يقسم فقال لهم أبو هريرة أما رأيتم في المسجد أحدا قالوا بلى رأينا قوما يصلون وقوما يقرأون القرآن وقوما يتذاكرون الحلال والحرام فقال لهم أبو هريرة ويحكم فذاك ميراث محمد صلى الله عليه وسلم للحديث بقية إن شاء الله والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين