بسم الله الرحمن الرحيم مختصر كتاب رمضان أحداث وعبر وفات الحجاج بن يوسف الثقفي الزمان في شهر رمضان من السنة الخامسة والتسعين للهجرة إن أعمال الإنسان وأقواله في حياته هي سيرته الباقية من بعده فإن كانت صالحة أورثته في الناس ثناءً وحمدًا وإن كانت طالحة ساقط إليه كره الناس وذمهم ورسمت له في أذهان الأجيال صورةً مشوهة يستعيد الناس من الاقتداء بصاحبها واعتبار الصلاح وخلافه يتباين عند الناس حسب أهوائهم ونحلهم والذي نعنيه هنا من ذلك ما كان صلاحاً أو فساداً في ميزان الشرع ومدحاً وذماً عند أهل الإيمان الذين يطلقون تلك الأحكام ويزنون تلك الأوصاف بمعيار الشرع الحكيم وأذا تفاوتت الذنوب في مراتب الذم عند الله وعند خلقه فإن الظلم يأتي في الصدارة ويحتل مرتبة متقدمة في مراتب الخطايا وإن كان الظلم أيضاً تختلف درجاته فإنه لا ظلم بعد الشرك بالله يتقدم الظلم بسفك الدماء المعصومة بلها دماء سادة الصالحين وأولياء الله المقربين لقد دون تاريخ الناس أخبار الملوك والأمراء والولاه ونقلوا من أحوالهم شيئا كثيرا فذكروا محاسنهم ومساوئهم وظلمهم وعدلهم غير أن هناك شخصية تاريخية صارت مضرب المثل في الجور خاصة سفك الدماء تواتر المؤرخون على اختلاف مشاربهم على وصفها بذلك هذه الشخصية هي الحجاج ابن يوسف الثقافي فلنقترب قليلاً من حياة هذا الرجل لنعرف شيئاً من سيرته ونعتبر بما جرى منه وما جرى عليه فإن الرجل له أحوال متباينة وأطوار متعددة وتجاوزات فاق بها من قبله من الولاه حتى لم يسلم من أذاه الصحابة رضي الله عنهم اسمه ونسبه ومولده هو الحجاج ابن يوسف ابن أبي عقيل ابن مسعود ابن عامر ابن مالك ابن كعب ابن عمر ابن سعد ابن عوف ابن ثقيف وهو قسي بن منبه ابن بكر بن هواز ابو محمد الثقافي ورد في الطائف سنة 39 وقيل في سنة 40 وقيل في سنة 41 وفي الطائف نشأ وتربى ولايته انتقل الحجاج إلى الشام فلحق بروح ابن زمباع نائب عبد الملك ابن مروان فكان في عديد شرطته ثم ما زال يظهر حتى قل له عبد الملك أمر عسكره بإشارة من روح ابن زمباع وأمره بقتال عبد الله ابن الزبير فزحف إلى الحجاز بجيش كبير وقتل عبد الله وفرق بجموعة فولاه عبد الملك مكة والمدينة والطائف ثم عزله عنها وولاه العراق بعد موت أخيه بشر والثورة قائمة فيه فانصرف إلى بغداد فقمع الثورة ودخل الكوفة وفعل بأهلها ما فعل وبنى مدينة واصط بين البصرة والكوفة وثبتت له الإمارة والعراق عشرين سنة حاله مع بعض الصحابة وكبار التابعين لم تكن حال الحجاج حالة حسنة مع من تبقى من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا مع كبار تلاميذهم من التابعين فقد قتل بعضهم وجفى على آخرين بلسانه ولم يكتفي بأحيائهم بل تعدى على أمواتهم بسوء أقواله أيضا ومن أشهر من تعدى عليهم عبد الله بن الزبير وأمه أسماء بنت أبي بكر وأنس بن مالك وبن عمر وسهل بن سعد وجابر بن عبد الله رضي الله عنهم أجمعين ومن علماء التابعين سعيد بن جبير والحسن البصري وغيرهما ومن الأمثلة على بعض من ذكرنا من الصحابة قتله عبد الله بن الزبير رضي الله عنه في مكة ورميه الكعبة بالمنجنيق سنة ثلاث وسبعين للهجرة تعديه على أنس بن مالك رضي الله عنه تعديه على عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وقد مات تعديه على سلمة بن الأكوع رضي الله عنه تعديه على بن عمر رضي الله عنهما ما قيل فيه من المحاسن رغم ما ذكر المؤرخون عن الحجاج من المساوئ إلا أنه كانت له محاسن ذكرها من ترجم له وهذا من العدل الذي أمر الله تعالى به بقوله يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله لا أب القصط ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون وقد ذكر الحجاج عند عبد الوهاب الثقافي بسوء فغضب وقال إنما تذكرون المساوئ أما تعلمون أنه أول من رب درهما عليه لا إله إلا الله محمد رسول الله وأول من بنا مدينة بعد الصحابة في الإسلام وأول من اتخذ المحامل وأن امرأة من المسلمين سبيت في الهند فنادت يا حجاجاه فاتصل به ذلك فجعل يقول لبيك لبيك وأنفق سبعة آلاف درهم حتى أنقذ المرأة فمن المحاسن التي ذكرها المؤرخون للحجاج عنايته بالقرآن الكريم فصاحته وبلاغته في حديثه وخطابته فتوحاته الإسلامية كانت له يد لا تنكر في امتداد الإسلام إلى بلاد عديدة قال ابن كثير وقد كان حريصا على الجهاد عفوه عمن يحسن الكلام ويصدقه في الجواب وله في هذا الشأن قصص كثيرة فمنها أنه خطب يوما فقال أيها الناس الصبر عن محارم الله أي سر من الصبر على عذاب الله فقام إليه رجل فقال له ويحك يا حجاج أصفق وجهك وأقل حيائك تفعل ما تفعل وتقول مثل هذا الكلام خبت وظل سعيك فقال للحرس خذوه فلما فرغ من خطمته قال له مالذي جرأك علي فقال ويحك يا حجاج أنت تجترئ على الله ولا أجترئ أنا عليك حتى لا أجترئ عليك وأنت تجترئ على الله رب العالمين فقال خلوا سبيله فأطلق أقوال بعض العلماء والمؤرخين فيه قال عمر بن عبد العزيز لو تخابثت الأمم فجاءت كل أمة بخبيثها وجئنا بالحجاج لغلبناهم وقال ابن كثير وكانت فيه شهامة عظيمة وفي سيفه رهق وكان كثير قتل النفوس التي حرمها الله بأدنى شبه وكان يغضب غضب الملوك وقال الذهبي وكان ظلوم جبار ناصبي خبيث سفاك للدمى وكان ذا شجاعة وإقدام ومكر ودهى حسابات وبلاغة وتعظيم للقرآن وقد سقت من سوء سيرته في تاريخ الكبير وحصاره لابن الزبير بالكعبة ورميه إياها بالمنجنيق وإذناله لأهل الحرمين ثم ولايته على العراق والمشرق كله عشرين سنة وحروب ابن الأشعث له وتأخيره للصلوات حين استأصله الله فنسبه ولا نحبه بل نبغضه في الله فإن ذلك من أوثق عرى الإيمان وله حسنات مغمورة في بحر ذنوبه وأمره إلى الله وله توحيد في الجملة ونظراء من ظلمة الجبابرة والأمراء وعن صالح ابن أحمد بن حنبلة أنه قال لأبي الرجل يذكر عنده الحجاج أو غيره فيلعنه قال لا يعجبني لو عبر فقال ألا لعنة الله على الظالمين وفاته توفي الحجاج ليلة سبع وعشرين من شهر رمضان وقيل كان ذلك لخمس بقين من رمضان سنة خمس وتسعين للهجرة فعاش خمسا وخمسين سنة على القول بأنه ولد عام الجماعة سنة أربعين للهجرة ولما احتضر جعل يقول يا ربي قد حلف الأعداء واجتهدوا بأنني رجل من ساكن الناري أيحلفون على عمياء ويحهم ما علمهم بكثير العفوي ستاري ولما مات لم يعلم أحد بموته حتى أشرفت جارية فبكت فقالت ألا إن مطعم الطعام وميتم الأيتام ومرمل النساء ومفلق الهام وسيد أهل الشام قد مات ثم أنشأت تقول اليوم يرحمنا من كان يبغضنا لأمننا من كان يخشانا وقال حماد ابن أبي سليمان قلت لإبراهيم النخعي مات الحجاج فبكى من الفرح وعن ابن طاووس عن أبي أنه أخبر بموت الحجاج مرارا فلما تحقق من وفاته قال فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله لرب العالمين وروا غير واحد أن الحسن لما بشر بموت الحجاج سجد شكرا لله تعالى وكان مختفيا فظهر وقال اللهم أمته فأذهب عنا سنته وفي هذا الحدث من العبر أولا أن سيرة الإنسان هي تاريخه من بعده مدحا أو ذما فمن عاش حياته صالحا حمد ومن قضى عمره طالحا ذم ثانيا الإنسان قد تجتمع فيه خصال حسنة وخصال سيئة وما من سيئ إلا وفيه بعض الخلال المبدوحة بجانب سوءه ثالثا الظلم وصمة لوم وعيب لا تتذهب عنها كل ما ذكر ولا تذهب عنه بذهاب الزمان رابعا على الإنسان أن يحسن الظن بالله مهما كثرت ذنوبه خامسا الإنصاف والتجرد من عواطف النفس وأهوائها هو الميزان الذي يجب أن نزن به الناس ونصدر عنه بالحكم العادل رمضان ثون وعبر