خلاصة مفاهيم أهل السنة بين أعمال القلوب وأمراضها تطلق أعمال القلوب على الطاعات الباطنة النابعة من القلب كالإخلاص والتوكل والخوف والرجاء والمحبة إلى آخر ذلك بينما يغلب على المعاص الباطنة الصادرة عن القلب مسمى أمراض القلوب كالحسد والغل والحقد والرياء إلى آخر ذلك أثر أعمال القلوب الباطنة على أعمال الجوارح الظاهرة ترتبط أعمال الجوارح الظاهرة بأعمال القلوب الباطنة ارتباطا وثيقا فلا تصح الأعمال الظاهرة ولا تنفع إلا بصحة أعمال القلب الباطنة فالصلاة رياءا فاسدة والزكاة رياءً كذلك باطلة كما قال تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَا لَهُ رِئَاءَ النَّاسِ ولذا فإن أعمال القلوب وإصلاح السرائر أوجب على العبد من أعمال الجوارح مع وجوبك ليهما وبصلاحها تصلح الظواهر وبفسادها تفسد وقد قال صلى الله عليه وسلم ألا وإن في الجسد مضغةً إذا صلحت صلح الجسد كله وأذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب متفق عليه وهل تتميز حقيقة المؤمن الصادق عن المنافق إلا بما في قلب كل واحد منهما من الأعمال والأحوال فالقلوب هي محل نظر الله عز وجل كما قال صلى الله عليه وسلم إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم رواه مسلم فسبحان من كان السر عنده علانية وخفايا القلوب له بادية وخلاصة القول إن المطلوبة هو أن يحرص المرء على أن يحقق كل من عبودية الجوارح وعبودية القلب وأن يكون الظاهر متوافقا مع الباطن ونابعا منه وهذا هو ما أضن السلف أنفسهم في العناية به لتنقية سرائرهم من الشوائب والآفات أثر أعمال الجوارح الظاهرة على القلوب وأعمالها الباطنة كما أن لأعمال القلوب أثرا بالغا على أعمال الجوارح وصحتها فإن لأعمال الجوارح الظاهرة أيضا تأثيرا ملموسا على القلوب وأعمالها فإن كانت هذه الأعمال الظاهرة طاعات فهي تؤثر إيجابيا على القلب وأعماله وإن كانت معاص فهي تؤثر سلبا على القلب وأعماله أثر معاص الجوارح الظاهرة على القلب وأعماله الباطنة لمعاص الجوارح على القلب آثار وخيمة لعل من أبرزها أولا ظلمة في القلب وحيرة فكما أن الطاعة نور في القلب فإن المعصية ظلمة الله وكلما قويت المعصية وكثرت ازدادت الظلمة والحيرة حتى تذهب بصيرة القلب قال الله تعالى فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ثانيا وهن القلب وذل صاحبه فالمعصية تورث الذل كما أن العز في طاعة الله تعالى وقد أنشد عبدالله بن المبارك رأيت الذنوبة ميت القلوب وقد يورث الذل إدمانها وترك الذنوب حياة القلوب وخير لنفسك عصيانها ثالثا الصدأ والران على القلب كما قال الله تعالى كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون وقال صلى الله عليه وسلم إن المؤمن إذا أذنب كانت نكتة سوداء في قلبه فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه فإن زاد زادت فذلك الران الذي ذكر الله في كتابه رواه ابن ماجة والترمذي وحسنه الألباني وبهذا الران يختم على القلب فلا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا ويصير للشيطان سلطان على صاحبه رابعا ذهاب غيرة القلب على محارم الله أن تنتهك فترى صاحب المعاصي لا يعبأ بانتهاك محارم الله أو محاربة دينه وابتلاء الصالحين خامسا ذهاب الحياة من القلب فلا يستحي من الله ولا من العباد ويجاهر بالمعاصي ولا يخفى على أحد التلازم بين ارتكاب المحرمات وقلة الحياة ذهاب تعظيم الله ووقاره من القلب حتى يستخفى العاصي بذلك ويستهين بأمر الله ثم يصير الأمر إلى وحشة بين العبد وربه وكل من يذكره به من أهل الصلاح سابعا إذا استوحش المرء من الله ومن أهل الصلاح مرض قلبه وضعف عن فعل الطاعات وعن الترقي في مراتب الكمال حتى يأول الأمر به من الكسر واستثقال الطاعة إلى الكراهية والنفور فلا ينشرح صدره لطاعة ولا يتحرج عن معصية وبالجملة فإن المعاصي الظاهرة وكثرتها تقس القلب وتميته وإن أبعد الناس من الله القلب القاسي أثر طاعات الجوارح الظاهرة على القلب وأعماله الباطنة الجوارح هي منافذ القلب وثغوره فمهما استعملت الجوارح في الطاعات كان ذلك تقوية للقلب وسند له تماما كما تسهم قوة الثغور في قوة عاصمة الدولة وسلطانها فهل يخفى كيف أن الصلاة تورث القلب الرضا والطمأنينة والخشوع والإنابة وهل يخفى أثر الصيام على التقوى والإخلاص واليقين قال تعالى يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون وكذلك لا يخفى ما يورثه الجهاد في سبيل الله من حب للآخرة وزهد في الدنيا واستسلام لله وثبات على الحق ويكفي لبيان أثر طاعات الجوارح على أعمال القلوب أن نفصل القول في آثار طاعة واحدة من الطاعات على القلب وهي طاعة غضب البصر عن المحرمات فذلك يورث الآتي أولا يجمع القلب على حب الله والأنس به بينما يتسبب إطلاق البصر في صرف القلب عن الله وتشتته ويوقع الوحشة بين العبد وربه ثانيا أنه يكسي القلب نورا كما أن إطلاقه يورثه الظلمة ولهذا أمر الله أولا المؤمنين والمؤمنات بغض البصر كما قال تعالى قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم وقال وقل للمؤمنات يغضبن من أبصارهم ثم ذكر بعد تفصيل ذلك آية النور الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكات فيها مصباح المصباح في زجاجه الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهد الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم للإشارة إلى أن نور المرء الذي يغض من بصره مستمد من نور الله تعالى وتوفيقه فبهذا النور تحصل الهداية وتمتنع البدع والضلالات ثالثا أن غض البصر يقوي القلب ويفرحه ويورثه الفراسة الصادقة التي يميز بها بين الحق والباطل والصادق والكاذب رابعا أنه يورث القلب ثباتا وشجاعة وقوة فيجمع الله له بين سلطان البصيرة والحجة وسلطان القدرة والقوة خامسا أنه يفرق القلب للتفكر في مصالحه والاشتغال بها بدلا عن أن يصرفه إطلاق البصر عن كل ذلك ويوقعه في الغفلة ثادسا وأخيرا فإن غض البصر يحفظ القلب من سهام إبليس المسمومة الموجهة إليه فالشيطان يدخل بوساوسه إلى القلب مع النظرة المحرمة وينفذ إليه أسرع من نفوذ الهواء في المكان الخالي فيمثل له الصورة المنظورة إليها ويزينها في خاطره ويعده ويمنيه ويلهب قلبه بها ويشغله بذلك عن الطاعات شطط المتصوفة في أعمال القلوب كما اعتنى السلف الصالح رضي الله عنهم بالقلوب وأعمالها وأحوالها اعتنى أيضا المتصوفة بذلك ولكنهم بالغوا فيه مبالغة تتجاوز حدود الكتاب والسنة في توصيف أعمال القلوب وتفصيلها فقد شطوا في ذلك المجال وضلوا من حيث أرادوا الهداية فلا تكاد تجد عملا من أعمال القلوب إلا ولهم فيه ضلال وانحراف فمن ذلك أولا ضلالهم في الرضا حيث جاوزوا الحد في الرضا بقضاء الله وقدره فخلطوا بين إرادة الله الكونية وإرادته الشرعية واعتقدوا وجوب الرضا بالكفر والفسوق والعصيان بحجة أنه لو لم يكن الرضا به مطلوبا لما وقع في الكون فوقعوا بذلك في الجبر المحض تحت ستار عبارات لهم في ذلك غالية غامضة مثل شهود الحقيقة الكونية والاستبصار بسر الله في القدر ثانيا ضلالهم في محبة الله حيث أدى تعظيمهم لها إلى احتقار كل من الخوف والرجاء أعني الخوف من الله تعالى وعذابه ورجاء جنته وثوابه وعدوا ذلك أضعف مقامات السالكين إلى الله وزعموا أن عبادة الله تكون لذاته فحسب لا طمعا في جنته ولا خوفا من ناره وجعلوا ذروة المحبة هي الفناء في المحبوب وهي عندهم خاصة بأولياء الله فقط ومقامهم عندهم أعلى من مقام الأنبياء وبسبب هذا الضلال منهم في المحبة قال السلف فيهم من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق والصحيح أن يعبد الله بكل من المحبة والخوف والرجاء ثالثا ضلالهم في التوكل على الله حيث جعلوا التوكل تواكلا رخيصا وتسولا وتعمدوا إلحاق الضرر بأنفسهم بتركهم للأسباب المشروعة والدعاء الذي هو أعظم العبادة ولبها فضلا عن غفلتهم عن أعظم درجات التوكل وهي التوكل على الله في إقامة دينه والجهاد في سبيله ومقاومة الكفر والفساد كما كان توكل الأنبياء عليهم السلام رابعا ضلالهم في الزهد حيث أخرجوه من كونه عملا قلبيا إيجابيا إلى مظهر سلبي حرموا به الطيبات من الرزق كما حرموا طلب العلم وزعموا أن من يشتغل به له الشريعة أما هم فلهم الحقيقة لأن العلم يؤدي إلى تقدير الناس للعالم ويشغل عن الجمعية على الله وهذا ينافي الزهد فجعلوا الزهد فقرا وجهلا وسمّوا أنفسهم الفقراء