بسم الله الرحمن الرحيم خير القرون مواقفاً ومثالاً تبع الرسول إذا سعى أو قالا جمعية مودة تقدم صور من حياة التابعين للدكتور عبد الرحمن رأفة الباشا رحمه الله سالم بن عبد الله بن عمر رحمه الله ها نحن أولاء في خلافة الفاروق رضوان الله عليه وها هي ذي مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم تعج بغنائم الحرب التي أحرزها المسلمون من أسلام يزدجرد آخر ملوك الفرس فلقد كان فيها من تيجان الأكاسرة المرصعة بالجوهر ومناطقهم المرصوفة باللؤلؤ وسيوفهم المحلات بالياقوت والمرجان ما لم تقع عليه عين من قبل وقد كان مع هذه الكنوز الطائلة الهائلة حشد كبير من سبايا الفرس وكان بينهن بنات يزدجرد الثلاث فشراهن علي رضي الله عنه بثمن جزل وعرض عليهن طائفة من ألمع شباب المسلمين فاختارت إحداهن الحسين بن علي سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنجبت له زين العابدين واختارت الثانية محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأنجبت له القاسم أحد فقهاء المدينة السبعة واختارت الثالثة عبدالله بن عمر خليفة المسلمين وأنجبت له سالما حفيد الفاروق وأشبه الناس سمتا به فتعالوا نقف على صور والضاءة من حياة سالم بن عبدالله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعن أبيه وعن جده ولد سالم بن عبدالله في رحاب المدينة المنورة مثوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ودار هجرته وفي أجوائها العبقة بطيوب النبوة المتألقة بسن الوحي درج وشب وفي كنف أبيه العباد الزهاد صوام الهواجر قوام الأسحار تربى وبأخلاقه العمرية تخلق ولقد رأى فيه أبوه من مخايل التقى وعلائم الهدا وأبصر في سلوكه من شمائل الإسلام وأخلاق القرآن فوق ما كان يراه في إخوته فأحبه حبا ملك عليه شغاف قلبه وخالط منه حبات فؤاده حتى لامه اللائمون في ذلك فقال يلومونني في سالم وألومهم وجلدة بين العين والأنف سالم وأقبل عليه يبثه ما وعاه صدره من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ويفقهه في دين الله ويمله من كتاب الله ثم دفع به إلى الحرم الشريف وكان مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ما زال معمورا بطائفة كبيرة من جلة الصحابة فحيثما ألم الفتا بركن من أركانه ألف أمامه نجما فيه ألق من سن النبوة وعبق من طيوب الرسالة الغرى وأينما رمى بطرفه أو ألقى بسمعه أبصر خيرا وسمع برا وبذلك أوتيح له أن يأخذ عن طائفة من جلة الصحابة على رأسهم أبو أيوب الأنصاري وأبو هريرة وأبو رافع وأبو لباب وزيد بن الخطاب وذلك بالإضافة إلى والده عبد الله بن عمر رضي الله عنهم أجمعين فما لبث أن غدا علما من أعلام المسلمين وسيدا جليلا من سادة التابعين وأحد فقهاء المدينة الذين يفزع إليهم المسلمون في دينهم ويأخذون عنهم شريعة ربهم ويرجعون إليهم في معضلات الدين والدنيا وكان الولاة يأمرون قضاتهم إذا عرضت عليهم القضايا أن يدفعوا بها إليهم فإذا جاءتهم المسألة اجتمعوا جميعا ونظروا فيها ثم لا يقضي القضاة إلا برأيهم وكان أسعد الولاة حظة وأطيبهم أحدوثة وأقربهم إلى قلوب الناس وأوثقهم عند الخلفاء من يأخذ بمشورة سالم بن عبد الله ويلتزم بتوجيه أما الذين يخالفون أمره فقد كانت المدينة تنبو بهم ولا تتحملوا ولايتهم من ذلك أن عبد الرحمن بن الضحاك ولي المدينة في خلافة يزيد بن عبد الملك وكانت فاطمة بنت الحسين رضي الله عنه ونظر في الجنة روحه قد ترملت وانقطعت إلى أولادها فتقدم إليها بن الضحاك وخطبها لنفسه فقالت والله ما أبغي الزواج ولقد قعدت على بني ووقفت نفسي عليهم فجعل يلح عليها وهي تحتال في الاعتذار إليه من غير مخاشنة خوفا من شره فلما وجدها تأباه قال لها والله لإن لم ترضينني لك زوجا لأخذن أكبر بنيك ولأجلدنه بتهمة شرب الخمر فاستشارت سالم بن عبد الله في أمرها فأشار عليها بأن تكتب للخليفة كتابا تشكو فيه الوالي وتذكر قرابتها من رسول الله صلوات الله وسلامه عليه ورحمها في آل البيت فكتبت الكتاب وأنفذته مع رسول لها إلى دمشق ما كاد الرسول يمضي بالكتاب حتى جاء أمر الخليفة إلى بن هرمز عامله على دوان المال في المدينة بأن يقدم عليه ليرفع إليه حسابة فقام بن هرمز يودع أصحاب الحقوق عليه فاستأذن على فاطمة بنت الحسين مودعا وقال إني ماض إلى دمشق فهل لك من حاجة فقالت نعم تخبر أمير المؤمنين بما ألقى من ابن الضحاك وما يتعرض به إلي وأنه لا يرعى حرمة لعلماء المدينة وخاصة سالم بن عبد الله فلام بن هرمز نفسه على زيارتها إذ ما كان يريد أن يحمل شكواها من ابن الضحاك إلى الخليفة وصل بن هرمز إلى دمشق في نفس اليوم الذي وصل فيه الرسول الذي يحمل كتاب فاطمة بنت الحسين فلما دخل على الخليفة استخبره عن أحوال المدينة وسأله عن سالم بن عبد الله وصحبه من الفقهاء وقال له هل هناك أمر ذو شأن جدير بأن يعلم أو خبر ذو خطر حري بأن يذكر فلم يذكر له شيئا من قصة فاطمة بنت الحسين ولم يشر بشئ إلى موقف الوالي من سالم بن عبد الله وفيما هو جالس عنده يرفع له حسابه إذ دخل الحاجب وقال أصلح الله الأمير إن بالباب رسول فاطمة بنت الحسين فتغير وجه ابن هرمز وقال أطال الله بقاء الأمير إن فاطمة بنت الحسين حملتني رسالة إليك وأخبره الخبر فما إن سمع الخليفة مقالته حتى نزل عن سريره وقال لا أملك ألم أسألك عن شؤون المدينة وأخبارها أيكون لديك مثل هذا الخبر وتكتمه عني فاعتذر إليه بالنسيان ثم أذن للرسول فأدخل عليه فأخذ الكتاب منه وفضه وجعل يقرأه والشرر يتطاير من عينيه وأخذ يضرب الأرض بخيزران كان في يده وهو يقول لقد اجترأ ابن الضحاك على آل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يصخ لنصح سالم ابن عبد الله فيهم هل من رجل يسمعني صوته وهو يعذب في المدينة وأنا على فراشي هذا في دمشق يعني صوت ابن الضحاك فقيل له نعم يا أمير المؤمنين ليس للمدينة إلا عبد الواحد ابن بشر النظري فوله إياها وهو مقيم الآن في الطائف فقال نعم والله نعم إنه لها ثم دعا بقرطاس وكتب بيده من أمير المؤمنين يزيد ابن عبد الملك إلى عبد الواحد ابن بشر النظري السلام عليك أما بعد فإني قد وليتك المدينة فإذا جاءك كتابي هذا فتوجه إليها وعزل عنها ابن الضحاك وافرض عليه غرامة مقدارها أربعون ألف دينار وعذبه حتى أسمع صوته من المدينة أخذ صاحب البريد الكتاب ومضى يحث الخطى نحو الطائف عن طريق المدينة فلما بلغ المدينة لم يدخل على واليها ابن الضحاك ولم يسلم عليه فأوجس الوالي خيفة في نفسه وأرسل إليه ودعاه إلى بيته وسأله عن سبب قدومه فلم يبح له بشي فرفع ابن الضحاك طرف فراشه وقال أنظر فنظر فإذا كيس قدم لأدنانير فقال هذه ألف دينار ولك علي عهد الله وميثاقه إن أنت أخبرتني عن وجهتك وما في يدك لأدفعنها إليك ولأكتمن ذلك أخبره فدفع إليه المال وقال له تريث هنا ثلاث ليال حتى أصل إلى دمشق ثم أمضي إلى ما أمرت به زم ابن الضحاك ركائبا وغادر المدينة لتوه ومضى يحث المطايا نحو دمشق فلما بلغها دخل على أخي الخليفة مسلمة ابن عبد الملك وكان سيدا أريحيا صاحب نجدة فلما صار بين يديه قال له أنا في جوارك أيها الأمير فقال أبشر بخير وما شأنك فقال إن أمير المؤمنين ناقم علي لهنة بدرت مني أي لزلة فغدا مسلمت على يزيد وقال إن لي لدى أمير المؤمنين حاجة فقال يزيد كل حاجة لك مقضية ما لم تكن في ابن الضحاك فقال والله ما جئتك إلا من أجله فقال والله لا أعفيه أبدا فقال وما ذنبه فقال لقد تعرض لفاطمة بنت الحسين وهددها وتوعدها وأرهقها ولم يصخ لنصح سالم ابن عبد الله في أمرها فهب شعراء المدينة جميعا يهجونه وطفق صلحاؤها وعلماؤها طرا يعيبونه فقال مسلمة أنت وشأنك معه يا أمير المؤمنين فقال يزيد مره أن يعود إلى المدينة لينفذ واليها الجديد أمري فيه ويجعله عبرة لغيره من الولاة فرح أهل المدينة أعظم الفرح بواليهم الجديد فرهم حزمه في تنفيذ أمر الخليفة بابن الضحاك وازدادوا تعلقا به حين وجدوه يذهب مذاهب الخير ولا يقطع أمرا من أمورهم إلا إذا استشار فيه القاسم ابن محمد بن أبي بكر وسالم ابن عبد الله بن عمر فمرحى لخليفة المسلمين يزيد ابن عبد الملك وتجلة للإسلام العظيم الذي أبدع هذه المثل وصنع أولائك الرجال وإلى لقاء آخر مع التابعي الجليل سالم ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب كان سالم ثقة كثير الحديث عاليا في الرجال ورعا ابن سعد كانوا هنا يسقون غيما حياتنا فموا فينا ذكرهم يتعالى رحلوا وألقوا في الضمير سؤالا هل مثلهم نجم سما وتلالا ملأوا الحياة مفاخرا بالفعلهم وزهت فيهم دنيا الأنا