بسم الله الرحمن الرحيم خير القرون مواقفاً ومثالاً تبع الرسول إذا سعى أو طالاً جمهية مودة تقدم صور من حياة التابعين للدكتور عبد الرحمن رأفة الباشر رحمه الله طاووس بن كيسان رحمه الله ما كاد خليفة المسلمين سليمان بن عبد الملك يلقي رحاله في أكناف البيت العتيق ويبل أشواقه إلى الكعبة المعظمة حتى التفت إلى حاجبه وقال إبتغي لنا عالم يفقهنا في الدين ويذكرنا في هذا اليوم الأغر من أيام الله عز وجل فمضى الحاجب إلى وجوه أهل الموسم وطفق يسألهم عن بغية أمير المؤمنين فقيل له هذا طاووس بن كيسان سيد فقهاء عصره وأصدقهم لهجة في الدعوة إلى الله فعليك به فأقبل الحاجب على طاووس وقال أجب دعوة أمير المؤمنين أيها الشيخ فاستجاب طاووس له من غير إبطاء ذلك أنه كان يؤمن بأن على الدعاة إلى الله تعالى ألا تعرض لهم فرصة إلا اغتنموها وألا تسنح لهم بادرة إلا ابتدروها وكان يوقن أن أفضل كلمة تقال هي كلمة حق أريد بها تقويم عوجاج ذوي السلطان وتجنيبهم الحيف والجور وتقريبهم من الله تعالى مضى طاووس مع الحاجب فلما دخل على أمير المؤمنين حياه فرد الخليفة التحية بأحسن منها وأكرم استقبال زائره وأدنى مجلسه ثم أخذ يسائله عما أشكل عليه من مناسك الحج وينصت إليه في توقير وإجلال قال طاووس فلما شعرت أن أمير المؤمنين قد بلغ بغيته ولم يبق لديه ما يسأل عنه قلت في نفسي إن هذا المجلس لمجلس يسألك الله عنه يا طاووس ثم توجهت إليه وقلت يا أمير المؤمنين إن صخرة كانت على شفير بئر في قعر جهنم وقد ظلت تهوي في هذه البئر سبعين خريفة حتى بلغت قرارها أتدري لمن أعد الله هذه البئر من آبار جهنم يا أمير المؤمنين فقال من غير رويه لا ثم عاد إلى نفسه وقال ويلك لمن أعدها فقلت أعدها الله جل وعز لمن أشركه في حكمه فجار فأخذت سليمان لذلك رعدة ظننت معها أن روحه ستصعد من بين جنبيه وجعل يبكي ولبكائه نشيج يقطع نياط القلوب فتركته وانصرفت وهو يجزيني خيرا ولما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة بعث إلى طاووس بن كيسان يقول أو صني يا أبا عبد الرحمن فكتب إليه طاووس رسالة في سطر واحد قال فيها إذا أردت أن يكون عملك خيرا كله فاستعمل أهل الخير والسلام فلما قرأ عمر الرسالة قال كفى بها موعظة كفى بها موعظة ولما آلت الخلافة إله شام بن عبد الملك كانت لطاووس بن كيسان معه مواقف مشهورة مأثورة من ذلك أنه شاما قدم البيت الحرام حاجة فلما صار في الحرم قال لخاصته من أهل مكة التمسوا لنا رجلا من صحابة الرسول عليه الصلاة والسلام فقالوا له إن الصحابة يا أمير المؤمنين قد تلاحقوا بربهم حتى لم يبق منهم أحد فقال إذن فمن التابعين فأتي بطاووس بن كيسان فلما دخل عليه خلعن عليه بحاشية بساطه وسلم عليه من غير أن يدعوه بأمير المؤمنين وخاطبه باسمه دون أن يكنيه وجلس قبل أن يأذن له بالجلوس فاستشاطه شام غضبا حتى بدى الغيض في عينيه ذلك أنه رأى في تصرفاته تلك اجتراء عليه ونيلا من هيبته أمام جلسائه ورجال حاشيته بيد أنه ما لبث أن تذكر أنه في حرم الله عز وجل فرجع إلى نفسه وقال لطاووس ما حملك يا طاووس على ما صنعت فقال وما الذي صنعته فعاد إلى الخليفة غضبه وغيظه وقال خلعتنا عليك بحاشية بساطي ولم تسلم علي بإمرة المؤمنين وسميتني باسمي ولم تكنني ثم جلست من غير إذني فقال طاووس بهدو أما خلعنا علي بحاشية بساطك فأنا أخلعهما بين يدي رب العزة كل يوم خمس مرات فلا يعاتبني ولا يغضب علي وأما قولك إني لم أسلم عليك بإمرة المؤمنين فلأن جميع المؤمنين ليسوا راضين بإمرتك وقد خشيت أن أكون كاذبا إذا دعوتك بأمير المؤمنين وأما ما أخذته علي من أني ناديتك باسمك ولم أكنك فقال ناد أنبياءه بأسمائهم فقال يا داوود يا يحيا يا عيسى وكنا أعداءه فقال تبت يدا أبي لهب وتب وأما قولك إني جلست قبل أن تأذن لي فإني سمعت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب يقول إذا أردت أن تنظر إلى رجل من أهل فانظر إلى رجل جالس وحوله قوم قيام بين يديه فكرهت أن تكون ذلك الرجل الذي عد من أهل النار فأطرقه شام إلى الأرض خجلا ثم رفع رأسه وقال عظني يا أبا عبد الرحمن فقال إني سمعت علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول وعقارب كالبغال تلدغ كل راع لا يعدل في رعيته ثم قام وانصرف وكما كان طاووس يقبل على بعض أولي الأمر تذكيرا لهم وتوجيها فقد كان يعرض عن بعضهم الآخر تبكيتا وتأنيبا حدث ابنه قال خرجنا ذات سنة مع أبي حجاجا من اليمن فنزلنا في بعض المدن وعليها عامل يقال له ابن نجيح وكان من أخبث العمال وأكثرهم جرأا على الحق وأشدهم إيغالا في الباطل فأتينا مسجد البلد نريد أداء المكتوبة فإذا ابن نجيح قد علم بقدوم أبي فجاء إلى المسجد وقعد بين يديه وسلم عليه لم يجبه أبي وأدار له ظهره فأتاه عن يمينه وكلمه فأعرض عنه فعدل إلى يساره وكلمه فأعرض عنه أيضا فلما رأيت ذلك قمت إليه ومددت يدي نحوه وسلمت عليه وقلت له إن أبي لم يعرفك فقال بل إن أباك يعرفني وإن معرفته بي هي التي جعلته يصنع ما رأيت ثم مضى وهو ساكت لا يقول شيئا فلما عدنا إلى المنزل التفت إلي أبي وقال يا لكع تسلق هؤلاء بألسنة حداد في غيبتهم فإذا حضروا خضعت لهم بالقول وهل النفاق غير هذا فطاووس بن كيسان لم يخص الخلفاء والولاة بمواعظه وإنما بذلها لكل من آنس به حاجة إليها أو رغبة فيها من ذلك ما رواه عطاء بن أبي رباح قال رأاني طاووس بن كيسان في موقف لم يرتح له فقال يا عطاء إياك أن ترفع حوائجك إلى من أغلق وأقام دونك حجابة وإن مطلبها ممن أشرع لك أبوابة وطالبك بأن تدعو وهو وعدك بالإجابة وكان يقول لابنه يا بني صاحب العقلاء تنسب إليهم وإن لم تكن منهم ولا تصاحب الجهال فإنك إن صحبتهم نسبت إليهم وعلم أن لكل شيء غاية وأن غاية المرئ تمام دينه وكمال خلقه وقد نشأ ابنه عبدالله على ما رباه عليه أبوه وتخلق بأخلاقه وسار بسيرته من ذلك أن الخليفة العباسي أبا جعفر المنصور استدعى ولده عبدالله بن طاووس فلما دخلوا عليه وأخذوا مجلسيهما عنده التفت الخليفة إلى عبدالله بن طاووس وقال إروي لي شيئا مما كان يحدثك به أبوك فقال حدثني أبي أن أشد الناس عذابا يوم القيامة رجل أشركه الله عز وجل في سلطانه فأدخل الجور في حكمه فلما سمعت مقالته هذه ضممت علي ثيابي خوفا من أن يصيبني شيء من دمه بيد أن أبا جعفر أمسك ساعة لا يتكلم ثم صرفنا بسلام وقد امتدت الحياة بطاووس بن كيسان حتى بلغ المئة أو جاوزها قليلا غير أن الكبر والشيخوخة كان من صفاء ذهنه وحدة خاطره وسرعة بديهته حدث عبد الله الشامي قال أتيت طاووس في بيته لآخذ عنه وأنا لا أعرفه فلما طرقت الباب خرج إلي شيخ كبير فحييته وقلت أأنت طاووس بن كيسان فقال بل أنا ابنه فلا آمن أن يكون الشيخ قد هرم وخرف وإني قصدته من أماكن بعيدة لأفيد من علمه فقال ويحك إن حملت كتاب الله لا يخرفون ادخل عليه فدخلت على طاووس وسلمت وقلت لقد أتيتك طالبا علمك راغبا في نصحك سأوجز سأوجز ما وسعني الإيجاز إن شاء الله فقال أتريد أن أجمع لك صفوة ما في التوراة والزبور والإنجيل والقرآن فقلت نعم فقال خف الله تعالى خوفا بحيث لا يكون شيء أخوف لك منه ورجه رجاء أشد من خوفك إياه حب للناس ما تحب لنفسك وفي ليلة العاشر من ذي الحجة سنة ست ومائة أفاض الشيخ المعمر طاووس بن كيسان مع الحجيج من عرفات إلى المزدلفة للمرة الأربعين فلما حط رحاله في رحابها الطاهرة وأدى المغرب مع العشاء وأسلم جنبه إلى الأرض أتاه اليقين فلقيه بعيدا عن الأهل والوطن تقربا لله ملبيا محرما رجاء لثواب الله خارجا من ذنوبه كما ولدته أمه بفضل الله فلما طلع عليه الصبح وأرادوا دفنه لم يتمكنوا من إخراج جنازته فوجه إليهم أمير مكة حرسا ليذود الناس عن الجنازة حتى يتاح لهم دفنها وقد صلى عليه خلق كثير لا يحصي عددهم إلا الله وكان في جملة المصلين خليفة المسلمين هشام بن عبد الملك رأيتك يا أبا عبد الرحمن في الحلوم والنبي صلى الله عليه وسلم على بابها وهو يقول لك اكشف قناعك وبيّن قراءتك يا طاروس ذكرهم يا تعالى رحلوا وألقوا في الظمير سؤالا هل مثلهم نجم سما وتلالا ملأوا الحياة مفاخرا بالفعلهم وزهت بهم دنيا الأناة