بسم الله الرحمن الرحيم خير القرون مواقفاً ومثالاً تبع الرسول إذا سعى أو قالا جمعية مودة تقدم صور من حياة التابعين للدكتور عبد الرحمن رأفة الباشا رحمه الله محمد بن الحنفية رحمه الله وقعت بين محمد بن الحنفية وآخيه الحسن بن علي جفوة فأرسل ابن الحنفية إلى الحسن يقول إن الله فضلك علي فأمك فاطمة بنت محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم وأم مرأة من بني حنيفة وجدك لأمك رسول الله وصفوة خلقه وجدي لأمي جعفر بن قيس فإذا جاءك كتابي هذا فتعال إلي وصالحني حتى يكون لك الفضل علي في كل شي فما إن بلغت رسالته الحسن حتى بادر إلى بيته وصالحه فمن هذا الأديب الأريب اللبق محمد بن الحنفية تعال نستعرض قصة حياته من أولها تبدو هذه القصة منذ أواخر حياة الرسول صلوات الله وسلامه عليه ففي ذات يوم كان علي بن وبي طالب في جلسة مع النبي عليه الصلاة والسلام فقال يا رسول الله أرأيت إن ورد لي ولد من بعدك أفأسميه باسمك وأوكنيه بكنيتك فقال نعم ثم دارت الأيام دورتها فلحق النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه بالرفيق الأعلى وتلته بعد أشهر معدودات ابنته وريحانته فاطمة البتول أم الحسن والحسين فأصهر علي إلى بني حنيفة وتزوج خولة بنت جعفر بن قيس الحنفية فولدت له مولودا ذكرا فدعاه محمدا وكناه بأبي القاسم بإذن من رسول الله صلى الله عليه وسلم غير أن الناس طفقوا ينادونه محمد بن الحنفية تفريقا له عن أخويه الحسن والحسين ابني فاطمة الزهرى ثم عرف في التاريخ بذلك ولد محمد بن الحنفية في أواخر خلافة الصديق رضي الله عنه ونشأ وتربى في كنف أبيه علي بن أبي طالب وتخرج على يدي فأخذ عنه عبادته وزهادته وورث منه قوته وشجاعته وتلقى منه فصاحته وبلاغته فإذا هو مسعر حرب في ساحات القتال وفارس منبر في محافل الرجال وراهب من رهبان الليل إذا أسدل الظلام سدوله على الكون ونامت العيون ولقد أقحمه أبوه رضوان الله عليه في حروبه التي خاضها وحمله من أعبائها ما لم يحمله لأخويه الحسن والحسين فما لا نت له قناه ولا وهن له عزم ولقد قيل له ذات مرة ما لأبيك يقحمك في المهالك ويولجك في المضايق دون أخويك الحسن والحسين فقال ذلك لأن أخوي ينزلان من أبي منزلة عينيه وأنزل أنا منزلة يديه فهو يقي عينيه بيديه وفي معركة صفين التي دارت رحاها بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما كان محمد بن الحنفية يحمل راية أبيه وفيما كانت رحى الحرب دائرة تطحن الناس من الفريقين طحنا وقعت له قصة رواها بنفسه فقال لقد رأيتنا في صفين وقد التقينا مع أصحاب معاوية فاقتتلنا حتى ظننت أنه لن يبقى منا ومنهم أحد فاستفضعت الأمر واستكبرته ثم ما لبثت أن سمعت صائحا من خلفي يصيح يا معشر المسلمين الله الله يا معشر المسلمين من للنساء والولدان من للدين والأعراض من للروم والديلم يا معشر المسلمين الله الله والبقيا يا معشر المسلمين أي احذروا الله وأبقوا على المسلمين فعاهدت نفسي أن لا يرفع لي سيف في وجه مسلم بعد ذلك اليوم ثم استشهد عري رضوان الله عليه بيد آثمة ظالمة وآل الأمر إلى معاوية بن أبي سفيان فبايعه محمد بن الحنفية على السمع والطاعة في المنشط والمكره رغبة في رأب الصدع وجمع الشمل وعزة الإسلام والمسلمين ولقد استشعر معاوية رضي الله عنه صدق هذه البيعة وصفاءها واطمأن إلى صاحبها أشد لطمئنان مما جعله يستزير محمد بن الحنفية فزاره في دمشق أكثر من مرة ولأكثر من سبب من ذلك أن ملك الروم كتب إلى معاوية يقول إن الملوك عندنا تراصل الملوك ويطرف بعضهم بعضا بغرائب ما عندهم وينافس بعضهم بعضا بعجائب ما في ممالكهم فهل تأذن لي بأن يكون بيني وبينك ما يكون بينهم فأجابه معاوية بالإيجاب وأذن له فوجه إليه ملك الروم رجلين من عجائب الرجال أحدهما طويل مفرط في الطول جسيم موغل في الجسامة حتى لك أنه دوحة باسقة في غابة أو بناء مبني والثاني قوي غاية القوة صلب متين كأنه وحش مفترس وبعث إليه معهما رسالة يقول فيها أفي مملكتك من يساوي هذين الرجلين طولا وقوة فقال معاوية لعمر بن العاص أما الطويل فقد وجدت من يكافئه ويزيد عليه وهو قيس بن سعد بن عبادة وأما القوي فقد احتجت إلى رأيك فيه فقال عمر هناك رجلان لهذا الأمر غير أنك ليهما عنك بعيد هما محمد بن الحنفية وعبد الله بن الزبير فقال معاوية إن محمد بن الحنفية ليس عننا ببعيد فقال عمر ولكن أتظن أنه يرضى على جلالة قدره وسمو منزلته أن يقاوي رجلا من الروم على مرء من الناس فقال معاوية إنه يفعل ذلك وأكثر من ذلك إذا وجد فيه عزًا للإسلام ثم إن معاوية دعا كلًا من قيس بن سعد ومحمد بن الحنفية فلما انعقد المجلس قام قيس بن سعد فنزع سراويلة ورمى بها إلى العلج الرومي وأمره أن يلبسها فلبسها فغطت إلى ما فوق ثديه فضحك الناس منه وأما محمد بن الحنفية فقال للترجمان قل للرومي إن شاء أن يجلس وأكون أنا قائم ثم يعطيني يده فإما أن أقيمه وإما أن يقعدني وإن شاء فليكن هو القائم وأنا القاعد فاختار الرومي القعود فأخذ محمد بن الحنفية بيده وأقامه وعجز الرومي عن إقعاده فدبت الحمية في صدر الرومي واختار أن يكون هو القائم ومحمد القاعد فأخذ محمد بيده وجذبه جذبة كادت تفصل ساعده عن كتفه وأقعده إلى الأرض فانصرف العلجان الروميان إلى ملكهما مغلوبين مخذولين ثم دارت الأيام دورتها كرة أخرى ولحق معاوية وبنه يزيد ومروان بن الحكم بجوار ربهم وألت زعامة بني أمية إلى عبد الملك بن مروان فنادى بنفسه خليفة للمسلمين فبايعه أهل الشام وكان أهل الحجاز والعراق قد بايعوا لعبد الله بن الزبير وطفق كل منهما يدعو من لم يبايعه لبيعته ويزعم للناس أنه أحق بالخلافة من صاحبه فانشق صف المسلمين كرة أخرى وهنا طلب عبد الله بن الزبير من محمد بن الحنفية أن يبايعه كما بايعه أهل الحجاز غير أن ابن الحنفية لم يكن يخفى عليه أن البيعة تجعل في عنقه لمن يبايعه حقوقا كثيرة منها سل سيفه دونه وقتال مخالفيه وما مخالفوه إلا مسلمين قد اجتهدوا فبايعوا لغير من بايع ولم يكن الرجل العاقل الكامل قد نسي يوم صفين ولم تكن السنون الطويلة قد محت من مسمعيه ذلك الصوت الأجشر الصين الحزين وهو ينادي من خلفه يا معشر المسلمين الله الله يا معشر المسلمين من للنساء والولدان من للدين والأعراض من للروم والديلم نعم لم يكن قد نسي شيئا من ذلك قط فقال لعبد الله بن الزبير إنك لتعلم علما اليقين أنه ليس لي في هذا الأمر أرب ولا مطلب وإنما أنا رجل من المسلمين فإذا اجتمعت كلمتهم عليك أو على عبد الملك بايعت من اجتمعت كلمتهم عليه أما الآن فلا أبايعك ولا أبايعه فجعل عبد الله يعاشره ويلاينه تارة ويعرض عنه ويجافيه تارة أخرى غير أن محمد بن الحنفية ما لبثان ضم إليه رجال كثيرون رأوا رأية وأسلموا قيادهم إليه حتى بلغوا سبعة آلاف رجل ممن آثروا اعتزال الفتنة وأبوا أن يجعلوا من أنفسهم مطبا لنارها المتقدة وكان كلما ازداد أتباع بن الحنفية عددا ازداد ابن الزبير منه غيضا وألح عليه في طلب البيعة فلما يأيس من ذلك أمره هو ومن معه من بني هاشم وغيرهم أن يلزموا شعبهم بمكة وجعل عليهم الرقباء ثم قال لهم الله لتبايعن أو لو حرقنكم بالنار ثم حبسهم في بيوتهم وجمع لهم الحطب وأحاط به المنازل إلى أن بلغ رؤوس الجدران حتى إنه لو أشعل منه حطبة واحدة لأحرقهم جميعا عند ذلك قام إليه جماعة من أتباعه وقالوا دعنا نقتل ابن الزبير ونرح الناس منه قال أفنوقد بأيدينا نار الفتنة التي من أجلها اعتزلنا ونقتل رجلا من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبناء صحابته لا والله لا نفعل شيئا يغضب الله ورسوله ولما بلغ عبد الملك بن مروان ما يعانيه محمد بن الحنفية ومن معه من بأس عبد الله بن الزبير فأرسل إليه كتابا مع رسول من عنده لو كتبه لأحد أبنائه لما كان أرق لهجة ولا ألطف خطابا وكان مما جاء فيه لقد بلغني أن ابن الزبير قد ضيق عليك وعلى من معك الخناق وقطع رحمك واستخف بحقك وهذه بلاد الشام مفتوحة أمامك تستقبلك أنت ومن معك على الرحب والسعه فانزل فيها حيث تشاء تلقى بالأهل أهلا وبالجيران أحبابا وستجدنا عارفين لحقك مقدرين لفضلك واصلين لرحمك إن شاء الله سار محمد بن الحنفية ومن معه ميممين وجوههم شطر بلاد الشام فلما بلغوا أي له استقروا فيها فأنزلهم أهلها أكرم منزل وجاوروهم أحسن جوار وأحبوا محمد بن الحنفية وعظموه لما رأوا من عمق عبادته وصدق زهادته فطفق يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويقيم فيهم الشعائر ويصلح لهم ذات البين ولا يدعو أحدا من الناس يظلم أحدا فلما بلغ ذلك عبد الملك بن مروان شق عليه الأمر واستشار خاصته فقالوا له ما نرى أن تسمح له بأن يقيم في ملكك وسيرته كما علمت فإما أن يبايعلك وإما أن يعود من حيث جاء فكتب إليه عبد الملك يقول إنك قدمت بلادي فنزلت في طرف منها وهذه الحرب قائمة بيني وبين عبد الله بن الزبير وأنت رجل لك بين المسلمين ذكر ومكان وقد رأيت أن لا تقيم في أرضي إلا إذا باعتني فإن باعتني فلك مني مائة سفينة قدمت علي أمس من القلزم فخذها بما فيها ومن فيها ولك معها ألف ألف درهم معما تفرضه من فريضة لنفسك ولأولادك ولذوي قرابتك ومواليك ومن معك وإن أبيت فتحول عني إلى مكان لا سلطان لي عليه فكتب إليه محمد بن الحنفية يقول من محمد بن علي إلى عبد الملك بن مروان سلام عليك وإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو إليك أما بعد فلعلك تتخوف مني وكنت أحسب أنك عارف بحقيقة موقفي من هذا الأمر ووالله لو اجتمعت علي هذه الأمة كلها إلا أهل قرية واحدة ما قبلته ولا قاتلتهم عليه ولقد نزلت بمكة فأراد عبد الله بن الزبير أن أبايعه فلما أبيت أساء جواري ثم كتبت إلي تدعوني إلى الإقامة ببلاد الشام فنزلت ببلدة في أطراف أرضك لرخص أسعارها وبعدها عن مركز سلطانك فكتبت إلي بما كتبت به ونحن منصرفون عنك إن شاء الله إن صرف محمد بن الحنفية برجاله وأهله عن بلاد الشام وطفق كل ما نزل بمنزل يزعج عنه ويدعى إلى الرحيل منه وكأنه لم تكفيه همومه كلها فشاء الله أن يختبره بهموم أخرى أشد وقعا وأثقل وطأه ذلك أن جماعة من أتباعه ممن في قلوبهم مرض وآخرون ممن في عقولهم غفلة جعلوا يقولون إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أودع صدر علي وآله كثيرا من أسرار العلم وقواعد الدين وكنوز الشريعة وأنه خص آل البيت بما لم يطلع غيرهم عليه فأدرك الرجل العالم العامل الأريب ما يحمله هذا الكلام في طياته من انحراف وما يمكن أن يجره على الإسلام والمسلمين من مخاطر وأضرار فجمع الناس وقام فيهم خطيبا فحمد الله جل وعز وأثنى عليه وصلى على نبيه محمد صلوات الله وسلامه عليه ثم قال يزعم بعض الناس أن عندنا معشر آل البيت علما قصنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يطلع عليه أحدا غيرنا وإنا والله ما ورثنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ما بين هذه اللوحين وأشار إلى المصحف وإن من زعم أن عندنا شيئا نقرأه إلا كتاب الله فقد كذب وكان بعض أتباعه يسلمون عليه فيقولون السلام عليك يا مهدي فيقول نعم أنا مهدي إلى الخير وأنتم مهديون إليه إن شاء الله ولكن إذا سلم علي أحدكم فليسمني باسمي وليقول السلام عليك يا محمد لم تطل حيرة محمد بن الحنفية في المكان الذي يستقر فيه هو ومن معه فقد شاء الله أن يقضي الحجاج بن يوسف الثقافي على عبد الله بن الزبير وأن يبايع الناس جميعا لعبد الملك بن مروان فما كان منه إلا أن كتب إلى عبد الملك يقول إلى عبد الله عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين من محمد بن علي أما بعد فإني لما رأيت هذا الأمر أفضى إليك وبايعك الناس كنتك رجل منهم فبايعتك لواليك في الحجاز وبعثت إليك ببيعتي هذه مكتوبة والسلام عليك فلما قرأ عبد الملك الكتاب على أصحابه قالوا لو أراد أن يشق عصى الطاعة ويحدث في الأمر فتقا لقدر على ذلك ولما كان لك عليه من سبيل فاكتب إليه بالعهد والميثاق والأمان وذمة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ألا يزعج أو يهاج هو أو أحد من أصحابه فكتب إليه بذلك وكتب إلى الحجاج يأمره بتعظيمه ورعاية حرمته والمبالغة في إكرامه غير أن محمد بن الحنفية لم يعيش بعد ذلك طويلا فقد اختاره الله إلى جواره راضيا مرضيا نور الله لمحمد بن الحنفية في قبره ونظر الله في الجنة روحه فقد كان ممن لا يريدون فسادا في الأرض ولا علوا بين الناس لا أعلم أحدا أخذ عن علي وأفاد منه أكثر من محمد بن الحنفية ابن الجنيد ملأوا الحياة مفاخرا بفعلهم وزهت بهم دنيا الأنا