WEBVTT

00:00:00.430 --> 00:00:03.430
بسم الله الرحمن الرحيم

00:00:03.430 --> 00:00:08.429
خير القرون مواقفاً ومثالاً

00:00:08.429 --> 00:00:13.429
تبع الرسول إذا سعى أو قالا

00:00:13.429 --> 00:00:15.429
جمعية مودة

00:00:15.429 --> 00:00:17.429
تقدم

00:00:17.429 --> 00:00:21.429
صور من حياة التابعين

00:00:21.429 --> 00:00:25.850
للدكتور عبد الرحمن رأفة الباشا

00:00:25.850 --> 00:00:27.850
رحمه الله

00:00:27.850 --> 00:00:33.340
محمد بن الحنفية

00:00:33.340 --> 00:00:35.630
رحمه الله

00:00:42.729 --> 00:00:47.729
وقعت بين محمد بن الحنفية وآخيه الحسن بن علي جفوة

00:00:47.729 --> 00:00:51.729
فأرسل ابن الحنفية إلى الحسن يقول

00:00:51.729 --> 00:00:53.729
إن الله فضلك علي

00:00:53.729 --> 00:00:59.729
فأمك فاطمة بنت محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم

00:00:59.729 --> 00:01:02.729
وأم مرأة من بني حنيفة

00:01:02.729 --> 00:01:06.730
وجدك لأمك رسول الله وصفوة خلقه

00:01:06.730 --> 00:01:09.730
وجدي لأمي جعفر بن قيس

00:01:09.730 --> 00:01:12.730
فإذا جاءك كتابي هذا

00:01:12.730 --> 00:01:14.730
فتعال إلي وصالحني

00:01:14.730 --> 00:01:18.730
حتى يكون لك الفضل علي في كل شي

00:01:18.730 --> 00:01:21.920
فما إن بلغت رسالته الحسن

00:01:21.920 --> 00:01:25.920
حتى بادر إلى بيته وصالحه

00:01:25.920 --> 00:01:29.019
فمن هذا الأديب الأريب اللبق

00:01:29.019 --> 00:01:31.019
محمد بن الحنفية

00:01:31.019 --> 00:01:36.140
تعال نستعرض قصة حياته من أولها

00:01:36.140 --> 00:01:43.650
تبدو هذه القصة منذ أواخر حياة الرسول صلوات الله وسلامه عليه

00:01:43.650 --> 00:01:45.650
ففي ذات يوم

00:01:45.650 --> 00:01:51.650
كان علي بن وبي طالب في جلسة مع النبي عليه الصلاة والسلام

00:01:51.650 --> 00:01:53.650
فقال يا رسول الله

00:01:53.650 --> 00:01:56.650
أرأيت إن ورد لي ولد من بعدك

00:01:56.650 --> 00:01:58.650
أفأسميه باسمك

00:01:58.650 --> 00:02:00.650
وأوكنيه بكنيتك

00:02:00.650 --> 00:02:02.650
فقال نعم

00:02:02.650 --> 00:02:05.810
ثم دارت الأيام دورتها

00:02:05.810 --> 00:02:11.810
فلحق النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه بالرفيق الأعلى

00:02:11.810 --> 00:02:17.810
وتلته بعد أشهر معدودات ابنته وريحانته فاطمة البتول

00:02:17.810 --> 00:02:20.810
أم الحسن والحسين

00:02:20.810 --> 00:02:23.810
فأصهر علي إلى بني حنيفة

00:02:23.810 --> 00:02:27.810
وتزوج خولة بنت جعفر بن قيس الحنفية

00:02:27.810 --> 00:02:30.810
فولدت له مولودا ذكرا

00:02:30.810 --> 00:02:32.810
فدعاه محمدا

00:02:32.810 --> 00:02:34.810
وكناه بأبي القاسم

00:02:34.810 --> 00:02:38.810
بإذن من رسول الله صلى الله عليه وسلم

00:02:38.810 --> 00:02:43.840
غير أن الناس طفقوا ينادونه محمد بن الحنفية

00:02:43.840 --> 00:02:47.840
تفريقا له عن أخويه الحسن والحسين

00:02:47.840 --> 00:02:49.840
ابني فاطمة الزهرى

00:02:49.840 --> 00:02:52.840
ثم عرف في التاريخ بذلك

00:02:52.840 --> 00:03:00.469
ولد محمد بن الحنفية في أواخر خلافة الصديق رضي الله عنه

00:03:00.469 --> 00:03:05.469
ونشأ وتربى في كنف أبيه علي بن أبي طالب

00:03:05.469 --> 00:03:07.469
وتخرج على يدي

00:03:07.469 --> 00:03:10.469
فأخذ عنه عبادته وزهادته

00:03:10.469 --> 00:03:13.469
وورث منه قوته وشجاعته

00:03:13.469 --> 00:03:17.469
وتلقى منه فصاحته وبلاغته

00:03:17.469 --> 00:03:21.469
فإذا هو مسعر حرب في ساحات القتال

00:03:21.469 --> 00:03:24.469
وفارس منبر في محافل الرجال

00:03:24.469 --> 00:03:27.469
وراهب من رهبان الليل

00:03:27.469 --> 00:03:32.469
إذا أسدل الظلام سدوله على الكون ونامت العيون

00:03:32.469 --> 00:03:38.539
ولقد أقحمه أبوه رضوان الله عليه في حروبه التي خاضها

00:03:38.539 --> 00:03:44.539
وحمله من أعبائها ما لم يحمله لأخويه الحسن والحسين

00:03:44.539 --> 00:03:47.539
فما لا نت له قناه

00:03:47.539 --> 00:03:49.539
ولا وهن له عزم

00:03:49.539 --> 00:03:52.539
ولقد قيل له ذات مرة

00:03:52.539 --> 00:03:57.539
ما لأبيك يقحمك في المهالك ويولجك في المضايق

00:03:57.539 --> 00:04:00.539
دون أخويك الحسن والحسين

00:04:00.539 --> 00:04:06.539
فقال ذلك لأن أخوي ينزلان من أبي منزلة عينيه

00:04:06.539 --> 00:04:09.539
وأنزل أنا منزلة يديه

00:04:09.539 --> 00:04:14.139
فهو يقي عينيه بيديه

00:04:14.139 --> 00:04:16.139
وفي معركة صفين

00:04:16.139 --> 00:04:23.139
التي دارت رحاها بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما

00:04:23.139 --> 00:04:27.139
كان محمد بن الحنفية يحمل راية أبيه

00:04:27.139 --> 00:04:33.139
وفيما كانت رحى الحرب دائرة تطحن الناس من الفريقين طحنا

00:04:33.139 --> 00:04:37.139
وقعت له قصة رواها بنفسه فقال

00:04:37.139 --> 00:04:40.139
لقد رأيتنا في صفين

00:04:40.139 --> 00:04:43.139
وقد التقينا مع أصحاب معاوية

00:04:44.139 --> 00:04:49.139
فاقتتلنا حتى ظننت أنه لن يبقى منا ومنهم أحد

00:04:49.139 --> 00:04:52.139
فاستفضعت الأمر واستكبرته

00:04:52.139 --> 00:04:56.139
ثم ما لبثت أن سمعت صائحا من خلفي يصيح

00:04:56.139 --> 00:04:58.139
يا معشر المسلمين

00:04:58.139 --> 00:05:00.139
الله الله

00:05:00.139 --> 00:05:02.139
يا معشر المسلمين

00:05:02.139 --> 00:05:04.139
من للنساء والولدان

00:05:04.139 --> 00:05:07.139
من للدين والأعراض

00:05:07.139 --> 00:05:09.139
من للروم والديلم

00:05:09.139 --> 00:05:11.139
يا معشر المسلمين

00:05:11.139 --> 00:05:15.139
الله الله والبقيا يا معشر المسلمين

00:05:15.139 --> 00:05:19.139
أي احذروا الله وأبقوا على المسلمين

00:05:19.139 --> 00:05:25.139
فعاهدت نفسي أن لا يرفع لي سيف في وجه مسلم بعد ذلك اليوم

00:05:25.139 --> 00:05:32.699
ثم استشهد عري رضوان الله عليه بيد آثمة ظالمة

00:05:32.699 --> 00:05:35.699
وآل الأمر إلى معاوية بن أبي سفيان

00:05:35.699 --> 00:05:41.699
فبايعه محمد بن الحنفية على السمع والطاعة في المنشط والمكره

00:05:41.699 --> 00:05:44.699
رغبة في رأب الصدع وجمع الشمل

00:05:44.699 --> 00:05:47.699
وعزة الإسلام والمسلمين

00:05:47.699 --> 00:05:53.699
ولقد استشعر معاوية رضي الله عنه صدق هذه البيعة وصفاءها

00:05:53.699 --> 00:05:57.699
واطمأن إلى صاحبها أشد لطمئنان

00:05:57.699 --> 00:06:01.699
مما جعله يستزير محمد بن الحنفية

00:06:01.699 --> 00:06:04.829
فزاره في دمشق أكثر من مرة

00:06:04.829 --> 00:06:06.829
ولأكثر من سبب

00:06:07.829 --> 00:06:11.829
من ذلك أن ملك الروم كتب إلى معاوية يقول

00:06:11.829 --> 00:06:14.829
إن الملوك عندنا تراصل الملوك

00:06:14.829 --> 00:06:18.829
ويطرف بعضهم بعضا بغرائب ما عندهم

00:06:18.829 --> 00:06:23.829
وينافس بعضهم بعضا بعجائب ما في ممالكهم

00:06:23.829 --> 00:06:28.829
فهل تأذن لي بأن يكون بيني وبينك ما يكون بينهم

00:06:28.829 --> 00:06:32.829
فأجابه معاوية بالإيجاب وأذن له

00:06:32.829 --> 00:06:37.829
فوجه إليه ملك الروم رجلين من عجائب الرجال

00:06:37.829 --> 00:06:40.829
أحدهما طويل مفرط في الطول

00:06:40.829 --> 00:06:43.829
جسيم موغل في الجسامة

00:06:43.829 --> 00:06:47.829
حتى لك أنه دوحة باسقة في غابة

00:06:47.829 --> 00:06:49.829
أو بناء مبني

00:06:49.829 --> 00:06:52.990
والثاني قوي غاية القوة

00:06:52.990 --> 00:06:56.990
صلب متين كأنه وحش مفترس

00:06:56.990 --> 00:07:01.060
وبعث إليه معهما رسالة يقول فيها

00:07:02.060 --> 00:07:07.060
أفي مملكتك من يساوي هذين الرجلين طولا وقوة

00:07:07.060 --> 00:07:10.089
فقال معاوية لعمر بن العاص

00:07:10.089 --> 00:07:15.089
أما الطويل فقد وجدت من يكافئه ويزيد عليه

00:07:15.089 --> 00:07:18.089
وهو قيس بن سعد بن عبادة

00:07:18.089 --> 00:07:22.089
وأما القوي فقد احتجت إلى رأيك فيه

00:07:22.089 --> 00:07:26.089
فقال عمر هناك رجلان لهذا الأمر

00:07:26.089 --> 00:07:29.089
غير أنك ليهما عنك بعيد

00:07:29.089 --> 00:07:32.089
هما محمد بن الحنفية

00:07:32.089 --> 00:07:34.120
وعبد الله بن الزبير

00:07:34.120 --> 00:07:36.120
فقال معاوية

00:07:36.120 --> 00:07:40.120
إن محمد بن الحنفية ليس عننا ببعيد

00:07:40.120 --> 00:07:42.120
فقال عمر

00:07:42.120 --> 00:07:48.120
ولكن أتظن أنه يرضى على جلالة قدره وسمو منزلته

00:07:48.120 --> 00:07:52.120
أن يقاوي رجلا من الروم على مرء من الناس

00:07:52.120 --> 00:07:54.120
فقال معاوية

00:07:54.120 --> 00:07:58.120
إنه يفعل ذلك وأكثر من ذلك

00:07:58.120 --> 00:08:01.120
إذا وجد فيه عزًا للإسلام

00:08:01.120 --> 00:08:05.250
ثم إن معاوية دعا كلًا من قيس بن سعد

00:08:05.250 --> 00:08:07.250
ومحمد بن الحنفية

00:08:07.250 --> 00:08:09.310
فلما انعقد المجلس

00:08:09.310 --> 00:08:11.310
قام قيس بن سعد

00:08:11.310 --> 00:08:13.310
فنزع سراويلة

00:08:13.310 --> 00:08:15.310
ورمى بها إلى العلج الرومي

00:08:15.310 --> 00:08:17.310
وأمره أن يلبسها

00:08:17.310 --> 00:08:19.310
فلبسها

00:08:19.310 --> 00:08:22.310
فغطت إلى ما فوق ثديه

00:08:22.310 --> 00:08:24.410
فضحك الناس منه

00:08:24.410 --> 00:08:26.410
وأما محمد بن الحنفية

00:08:26.410 --> 00:08:28.410
فقال للترجمان

00:08:28.410 --> 00:08:29.410
قل للرومي

00:08:29.410 --> 00:08:33.409
إن شاء أن يجلس وأكون أنا قائم

00:08:33.409 --> 00:08:35.409
ثم يعطيني يده

00:08:35.409 --> 00:08:39.409
فإما أن أقيمه وإما أن يقعدني

00:08:39.409 --> 00:08:40.409
وإن شاء

00:08:40.409 --> 00:08:43.409
فليكن هو القائم وأنا القاعد

00:08:43.409 --> 00:08:46.409
فاختار الرومي القعود

00:08:46.409 --> 00:08:50.409
فأخذ محمد بن الحنفية بيده وأقامه

00:08:50.409 --> 00:08:52.409
وعجز الرومي عن إقعاده

00:08:52.409 --> 00:08:55.409
فدبت الحمية في صدر الرومي

00:08:55.409 --> 00:08:58.409
واختار أن يكون هو القائم

00:08:58.409 --> 00:09:00.409
ومحمد القاعد

00:09:00.409 --> 00:09:02.409
فأخذ محمد بيده

00:09:02.409 --> 00:09:04.409
وجذبه جذبة

00:09:04.409 --> 00:09:07.409
كادت تفصل ساعده عن كتفه

00:09:07.409 --> 00:09:09.409
وأقعده إلى الأرض

00:09:09.409 --> 00:09:11.470
فانصرف العلجان الروميان

00:09:11.470 --> 00:09:17.100
إلى ملكهما مغلوبين مخذولين

00:09:17.100 --> 00:09:21.100
ثم دارت الأيام دورتها كرة أخرى

00:09:21.100 --> 00:09:24.100
ولحق معاوية وبنه يزيد

00:09:24.100 --> 00:09:27.100
ومروان بن الحكم بجوار ربهم

00:09:27.100 --> 00:09:32.100
وألت زعامة بني أمية إلى عبد الملك بن مروان

00:09:32.100 --> 00:09:35.100
فنادى بنفسه خليفة للمسلمين

00:09:35.100 --> 00:09:38.139
فبايعه أهل الشام

00:09:38.139 --> 00:09:41.139
وكان أهل الحجاز والعراق

00:09:41.139 --> 00:09:44.139
قد بايعوا لعبد الله بن الزبير

00:09:44.139 --> 00:09:48.139
وطفق كل منهما يدعو من لم يبايعه لبيعته

00:09:48.139 --> 00:09:53.139
ويزعم للناس أنه أحق بالخلافة من صاحبه

00:09:53.139 --> 00:09:56.139
فانشق صف المسلمين كرة أخرى

00:09:56.139 --> 00:09:59.139
وهنا طلب عبد الله بن الزبير

00:09:59.139 --> 00:10:02.139
من محمد بن الحنفية أن يبايعه

00:10:02.139 --> 00:10:05.139
كما بايعه أهل الحجاز

00:10:05.139 --> 00:10:08.139
غير أن ابن الحنفية لم يكن يخفى عليه

00:10:08.139 --> 00:10:11.139
أن البيعة تجعل في عنقه

00:10:11.139 --> 00:10:14.169
لمن يبايعه حقوقا كثيرة

00:10:14.169 --> 00:10:17.169
منها سل سيفه دونه

00:10:17.169 --> 00:10:19.169
وقتال مخالفيه

00:10:19.169 --> 00:10:22.169
وما مخالفوه إلا مسلمين قد اجتهدوا

00:10:22.169 --> 00:10:25.169
فبايعوا لغير من بايع

00:10:25.169 --> 00:10:28.169
ولم يكن الرجل العاقل الكامل

00:10:28.169 --> 00:10:30.169
قد نسي يوم صفين

00:10:30.169 --> 00:10:32.169
ولم تكن السنون الطويلة

00:10:32.169 --> 00:10:34.169
قد محت من مسمعيه ذلك

00:10:34.169 --> 00:10:37.169
الصوت الأجشر الصين الحزين

00:10:37.169 --> 00:10:40.169
وهو ينادي من خلفه

00:10:40.169 --> 00:10:42.169
يا معشر المسلمين

00:10:42.169 --> 00:10:45.169
الله الله يا معشر المسلمين

00:10:45.169 --> 00:10:48.169
من للنساء والولدان

00:10:48.169 --> 00:10:50.169
من للدين والأعراض

00:10:50.169 --> 00:10:52.169
من للروم والديلم

00:10:52.169 --> 00:10:53.169
نعم

00:10:53.169 --> 00:10:57.259
لم يكن قد نسي شيئا من ذلك قط

00:10:57.259 --> 00:11:00.259
فقال لعبد الله بن الزبير

00:11:00.259 --> 00:11:02.259
إنك لتعلم علما اليقين

00:11:02.259 --> 00:11:06.259
أنه ليس لي في هذا الأمر أرب ولا مطلب

00:11:06.259 --> 00:11:09.259
وإنما أنا رجل من المسلمين

00:11:09.259 --> 00:11:11.259
فإذا اجتمعت كلمتهم عليك

00:11:11.259 --> 00:11:13.259
أو على عبد الملك

00:11:13.259 --> 00:11:16.259
بايعت من اجتمعت كلمتهم عليه

00:11:16.259 --> 00:11:17.259
أما الآن

00:11:17.259 --> 00:11:20.259
فلا أبايعك ولا أبايعه

00:11:20.259 --> 00:11:23.259
فجعل عبد الله يعاشره

00:11:23.259 --> 00:11:25.259
ويلاينه تارة

00:11:25.259 --> 00:11:28.259
ويعرض عنه ويجافيه تارة أخرى

00:11:28.259 --> 00:11:31.330
غير أن محمد بن الحنفية

00:11:31.330 --> 00:11:34.330
ما لبثان ضم إليه رجال كثيرون

00:11:34.330 --> 00:11:36.330
رأوا رأية

00:11:36.330 --> 00:11:38.330
وأسلموا قيادهم إليه

00:11:38.330 --> 00:11:41.330
حتى بلغوا سبعة آلاف رجل

00:11:41.330 --> 00:11:43.330
ممن آثروا اعتزال الفتنة

00:11:43.330 --> 00:11:46.330
وأبوا أن يجعلوا من أنفسهم

00:11:46.330 --> 00:11:49.330
مطبا لنارها المتقدة

00:11:49.330 --> 00:11:53.330
وكان كلما ازداد أتباع بن الحنفية عددا

00:11:53.330 --> 00:11:56.330
ازداد ابن الزبير منه غيضا

00:11:56.330 --> 00:11:59.419
وألح عليه في طلب البيعة

00:11:59.419 --> 00:12:01.419
فلما يأيس من ذلك

00:12:01.419 --> 00:12:05.419
أمره هو ومن معه من بني هاشم وغيرهم

00:12:05.419 --> 00:12:08.419
أن يلزموا شعبهم بمكة

00:12:08.419 --> 00:12:10.419
وجعل عليهم الرقباء

00:12:10.419 --> 00:12:12.419
ثم قال لهم

00:12:12.419 --> 00:12:16.419
الله لتبايعن أو لو حرقنكم بالنار

00:12:16.419 --> 00:12:19.419
ثم حبسهم في بيوتهم

00:12:19.419 --> 00:12:21.419
وجمع لهم الحطب

00:12:21.419 --> 00:12:25.419
وأحاط به المنازل إلى أن بلغ رؤوس الجدران

00:12:25.419 --> 00:12:29.419
حتى إنه لو أشعل منه حطبة واحدة

00:12:29.419 --> 00:12:31.519
لأحرقهم جميعا

00:12:31.519 --> 00:12:35.519
عند ذلك قام إليه جماعة من أتباعه

00:12:35.519 --> 00:12:38.519
وقالوا دعنا نقتل ابن الزبير

00:12:38.519 --> 00:12:40.549
ونرح الناس منه

00:12:40.549 --> 00:12:46.549
قال أفنوقد بأيدينا نار الفتنة التي من أجلها اعتزلنا

00:12:46.549 --> 00:12:51.549
ونقتل رجلا من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم

00:12:51.549 --> 00:12:53.549
وأبناء صحابته

00:12:53.549 --> 00:13:00.309
لا والله لا نفعل شيئا يغضب الله ورسوله

00:13:00.309 --> 00:13:03.309
ولما بلغ عبد الملك بن مروان

00:13:03.309 --> 00:13:06.309
ما يعانيه محمد بن الحنفية

00:13:06.309 --> 00:13:09.309
ومن معه من بأس عبد الله بن الزبير

00:13:10.309 --> 00:13:15.309
فأرسل إليه كتابا مع رسول من عنده

00:13:15.309 --> 00:13:18.309
لو كتبه لأحد أبنائه

00:13:18.309 --> 00:13:22.309
لما كان أرق لهجة ولا ألطف خطابا

00:13:22.309 --> 00:13:24.309
وكان مما جاء فيه

00:13:24.309 --> 00:13:30.309
لقد بلغني أن ابن الزبير قد ضيق عليك وعلى من معك الخناق

00:13:30.309 --> 00:13:33.309
وقطع رحمك واستخف بحقك

00:13:33.309 --> 00:13:37.309
وهذه بلاد الشام مفتوحة أمامك

00:13:37.309 --> 00:13:41.309
تستقبلك أنت ومن معك على الرحب والسعه

00:13:41.309 --> 00:13:44.309
فانزل فيها حيث تشاء

00:13:44.309 --> 00:13:46.309
تلقى بالأهل أهلا

00:13:46.309 --> 00:13:48.309
وبالجيران أحبابا

00:13:48.309 --> 00:13:51.309
وستجدنا عارفين لحقك

00:13:51.309 --> 00:13:53.309
مقدرين لفضلك

00:13:53.309 --> 00:13:56.309
واصلين لرحمك إن شاء الله

00:13:56.309 --> 00:14:02.299
سار محمد بن الحنفية ومن معه

00:14:02.299 --> 00:14:05.299
ميممين وجوههم شطر بلاد الشام

00:14:06.299 --> 00:14:10.299
فلما بلغوا أي له استقروا فيها

00:14:10.299 --> 00:14:13.299
فأنزلهم أهلها أكرم منزل

00:14:13.299 --> 00:14:15.299
وجاوروهم أحسن جوار

00:14:15.299 --> 00:14:19.299
وأحبوا محمد بن الحنفية وعظموه

00:14:19.299 --> 00:14:23.299
لما رأوا من عمق عبادته وصدق زهادته

00:14:23.299 --> 00:14:27.299
فطفق يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر

00:14:27.299 --> 00:14:29.299
ويقيم فيهم الشعائر

00:14:29.299 --> 00:14:32.299
ويصلح لهم ذات البين

00:14:32.299 --> 00:14:36.460
ولا يدعو أحدا من الناس يظلم أحدا

00:14:36.460 --> 00:14:39.460
فلما بلغ ذلك عبد الملك بن مروان

00:14:39.460 --> 00:14:41.460
شق عليه الأمر

00:14:41.460 --> 00:14:43.460
واستشار خاصته

00:14:43.460 --> 00:14:45.460
فقالوا له

00:14:45.460 --> 00:14:49.460
ما نرى أن تسمح له بأن يقيم في ملكك

00:14:49.460 --> 00:14:51.460
وسيرته كما علمت

00:14:51.460 --> 00:14:53.460
فإما أن يبايعلك

00:14:53.460 --> 00:14:56.460
وإما أن يعود من حيث جاء

00:14:56.460 --> 00:14:59.580
فكتب إليه عبد الملك يقول

00:15:00.580 --> 00:15:04.580
إنك قدمت بلادي فنزلت في طرف منها

00:15:04.580 --> 00:15:09.580
وهذه الحرب قائمة بيني وبين عبد الله بن الزبير

00:15:09.580 --> 00:15:13.580
وأنت رجل لك بين المسلمين ذكر ومكان

00:15:13.580 --> 00:15:18.580
وقد رأيت أن لا تقيم في أرضي إلا إذا باعتني

00:15:18.580 --> 00:15:20.580
فإن باعتني

00:15:20.580 --> 00:15:24.580
فلك مني مائة سفينة قدمت علي أمس

00:15:24.580 --> 00:15:26.580
من القلزم

00:15:26.580 --> 00:15:28.580
فخذها بما فيها ومن فيها

00:15:28.580 --> 00:15:31.580
ولك معها ألف ألف درهم

00:15:31.580 --> 00:15:35.580
معما تفرضه من فريضة لنفسك ولأولادك

00:15:35.580 --> 00:15:39.580
ولذوي قرابتك ومواليك ومن معك

00:15:39.580 --> 00:15:41.580
وإن أبيت

00:15:41.580 --> 00:15:45.580
فتحول عني إلى مكان لا سلطان لي عليه

00:15:45.580 --> 00:15:49.809
فكتب إليه محمد بن الحنفية يقول

00:15:49.809 --> 00:15:53.809
من محمد بن علي إلى عبد الملك بن مروان

00:15:53.809 --> 00:15:55.809
سلام عليك

00:15:56.870 --> 00:16:00.870
وإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو إليك

00:16:00.870 --> 00:16:02.870
أما بعد

00:16:02.870 --> 00:16:05.870
فلعلك تتخوف مني

00:16:05.870 --> 00:16:10.870
وكنت أحسب أنك عارف بحقيقة موقفي من هذا الأمر

00:16:10.870 --> 00:16:14.870
ووالله لو اجتمعت علي هذه الأمة كلها

00:16:14.870 --> 00:16:18.870
إلا أهل قرية واحدة ما قبلته

00:16:18.870 --> 00:16:20.870
ولا قاتلتهم عليه

00:16:20.870 --> 00:16:22.940
ولقد نزلت بمكة

00:16:22.940 --> 00:16:26.940
فأراد عبد الله بن الزبير أن أبايعه

00:16:26.940 --> 00:16:29.940
فلما أبيت أساء جواري

00:16:29.940 --> 00:16:34.940
ثم كتبت إلي تدعوني إلى الإقامة ببلاد الشام

00:16:34.940 --> 00:16:37.940
فنزلت ببلدة في أطراف أرضك

00:16:37.940 --> 00:16:41.940
لرخص أسعارها وبعدها عن مركز سلطانك

00:16:41.940 --> 00:16:44.970
فكتبت إلي بما كتبت به

00:16:44.970 --> 00:16:48.970
ونحن منصرفون عنك إن شاء الله

00:16:48.970 --> 00:16:55.289
إن صرف محمد بن الحنفية برجاله وأهله عن بلاد الشام

00:16:55.289 --> 00:16:59.289
وطفق كل ما نزل بمنزل يزعج عنه

00:16:59.289 --> 00:17:01.289
ويدعى إلى الرحيل منه

00:17:01.289 --> 00:17:06.859
وكأنه لم تكفيه همومه كلها

00:17:06.859 --> 00:17:10.859
فشاء الله أن يختبره بهموم أخرى

00:17:10.859 --> 00:17:13.859
أشد وقعا وأثقل وطأه

00:17:13.859 --> 00:17:18.859
ذلك أن جماعة من أتباعه ممن في قلوبهم مرض

00:17:18.859 --> 00:17:21.859
وآخرون ممن في عقولهم غفلة

00:17:21.859 --> 00:17:23.859
جعلوا يقولون

00:17:23.859 --> 00:17:26.859
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم

00:17:26.859 --> 00:17:31.859
أودع صدر علي وآله كثيرا من أسرار العلم

00:17:31.859 --> 00:17:34.859
وقواعد الدين وكنوز الشريعة

00:17:34.859 --> 00:17:38.859
وأنه خص آل البيت بما لم يطلع غيرهم عليه

00:17:38.859 --> 00:17:42.859
فأدرك الرجل العالم العامل الأريب

00:17:42.859 --> 00:17:46.859
ما يحمله هذا الكلام في طياته من انحراف

00:17:46.859 --> 00:17:52.859
وما يمكن أن يجره على الإسلام والمسلمين من مخاطر وأضرار

00:17:52.859 --> 00:17:55.859
فجمع الناس وقام فيهم خطيبا

00:17:55.859 --> 00:17:59.859
فحمد الله جل وعز وأثنى عليه

00:17:59.859 --> 00:18:04.859
وصلى على نبيه محمد صلوات الله وسلامه عليه

00:18:04.859 --> 00:18:06.859
ثم قال

00:18:06.859 --> 00:18:10.859
يزعم بعض الناس أن عندنا معشر آل البيت علما

00:18:10.859 --> 00:18:14.859
قصنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم

00:18:14.859 --> 00:18:17.859
ولم يطلع عليه أحدا غيرنا

00:18:17.859 --> 00:18:22.859
وإنا والله ما ورثنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم

00:18:22.859 --> 00:18:25.859
إلا ما بين هذه اللوحين

00:18:25.859 --> 00:18:27.859
وأشار إلى المصحف

00:18:27.859 --> 00:18:32.859
وإن من زعم أن عندنا شيئا نقرأه إلا كتاب الله

00:18:32.859 --> 00:18:36.299
فقد كذب

00:18:36.299 --> 00:18:40.299
وكان بعض أتباعه يسلمون عليه فيقولون

00:18:40.299 --> 00:18:43.299
السلام عليك يا مهدي

00:18:43.299 --> 00:18:45.299
فيقول

00:18:45.299 --> 00:18:48.299
نعم أنا مهدي إلى الخير

00:18:48.299 --> 00:18:51.299
وأنتم مهديون إليه إن شاء الله

00:18:51.299 --> 00:18:54.299
ولكن إذا سلم علي أحدكم

00:18:54.299 --> 00:18:56.299
فليسمني باسمي

00:18:56.299 --> 00:19:01.700
وليقول السلام عليك يا محمد

00:19:01.700 --> 00:19:08.700
لم تطل حيرة محمد بن الحنفية في المكان الذي يستقر فيه هو ومن معه

00:19:08.700 --> 00:19:12.700
فقد شاء الله أن يقضي الحجاج بن يوسف الثقافي

00:19:12.700 --> 00:19:14.700
على عبد الله بن الزبير

00:19:14.700 --> 00:19:19.700
وأن يبايع الناس جميعا لعبد الملك بن مروان

00:19:19.700 --> 00:19:23.700
فما كان منه إلا أن كتب إلى عبد الملك يقول

00:19:23.700 --> 00:19:28.700
إلى عبد الله عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين

00:19:28.700 --> 00:19:31.740
من محمد بن علي

00:19:31.740 --> 00:19:32.740
أما بعد

00:19:32.740 --> 00:19:36.740
فإني لما رأيت هذا الأمر أفضى إليك

00:19:36.740 --> 00:19:38.740
وبايعك الناس

00:19:38.740 --> 00:19:40.740
كنتك رجل منهم

00:19:40.740 --> 00:19:43.740
فبايعتك لواليك في الحجاز

00:19:43.740 --> 00:19:47.740
وبعثت إليك ببيعتي هذه مكتوبة

00:19:47.740 --> 00:19:49.799
والسلام عليك

00:19:49.799 --> 00:19:53.799
فلما قرأ عبد الملك الكتاب على أصحابه

00:19:53.799 --> 00:19:54.799
قالوا

00:19:54.799 --> 00:19:59.799
لو أراد أن يشق عصى الطاعة ويحدث في الأمر فتقا

00:19:59.799 --> 00:20:01.799
لقدر على ذلك

00:20:01.799 --> 00:20:04.799
ولما كان لك عليه من سبيل

00:20:04.799 --> 00:20:07.799
فاكتب إليه بالعهد والميثاق والأمان

00:20:07.799 --> 00:20:12.799
وذمة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم

00:20:12.799 --> 00:20:16.799
ألا يزعج أو يهاج هو أو أحد من أصحابه

00:20:16.799 --> 00:20:18.799
فكتب إليه بذلك

00:20:18.799 --> 00:20:22.799
وكتب إلى الحجاج يأمره بتعظيمه

00:20:22.799 --> 00:20:26.799
ورعاية حرمته والمبالغة في إكرامه

00:20:26.799 --> 00:20:31.799
غير أن محمد بن الحنفية لم يعيش بعد ذلك طويلا

00:20:31.799 --> 00:20:36.799
فقد اختاره الله إلى جواره راضيا مرضيا

00:20:36.799 --> 00:20:42.210
نور الله لمحمد بن الحنفية في قبره

00:20:42.210 --> 00:20:45.210
ونظر الله في الجنة روحه

00:20:45.210 --> 00:20:49.210
فقد كان ممن لا يريدون فسادا في الأرض

00:20:49.210 --> 00:20:52.210
ولا علوا بين الناس

00:20:52.210 --> 00:21:02.069
لا أعلم أحدا أخذ عن علي وأفاد منه

00:21:02.069 --> 00:21:06.359
أكثر من محمد بن الحنفية

00:21:06.359 --> 00:21:08.779
ابن الجنيد

00:21:39.500 --> 00:21:44.500
ملأوا الحياة مفاخرا بفعلهم

00:21:44.500 --> 00:21:48.569
وزهت بهم دنيا الأنا
