بسم الله الرحمن الرحيم يسر جمعية مودة أن تقدم لكم صورا من حياة الصحابة لعد الرحمن رأفة الباشا رحمه الله عمير بن سعد رضي الله عنه وقفنا آنفا على صورة فذة وضيأ من حياة الصحابي الجليل عمير بن سعد في صغاره فتعالوا نقف الآن على صورة رائعة مشرقة من حياته في كبره وستجدون أن صورة الثانية لن تقل عن الأولى جلالا وبهاء كان أهل حمص شديد التذمر من ولاتهم كثير الشكوى منهم فما جاءهم من وال إلا وجدوا فيه عيوبا وأحصوا له ذنوبا ورفعوا أمره إلى خليفة المسلمين وتمنوا عليه أن يبدلهم به من هو خير منه فعزم الفاروق رضوان الله عليه أن يبعث إليهم بوال لا يجدون فيه مطعنا ولا يرون في سيرته مغمزا فنثر كنانة رجاله بين يديه وعجم عيدانها عودا عودا فلم يجد خيرا من عمير بن سعد وعلى الرغم من أن عميرا كان إذاك يضرب في أرض الجزيرة من بلاد الشام على رأس جيشه الغاز في سبيل الله فيحرر المدن ويدك المعاقل ويخضع القبائل ويقيم المساجد في كل أرض وطئتها قدما على الرغم من ذلك فقد دعاه أمير المؤمنين وعهد إليه بولاية حمص وأمره بالتوجه إليها فأذعن للأمر على كرهم منه لأنه كان لا يؤثر شيئا على الجهاد في سبيل الله بلغ عمير حمص فدع الناس إلى صلاة جامعة ولما قضيت الصلاة خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه محمد ثم قال أيها الناس إن الإسلام حصن منيع وباب وثيق وحصن الإسلام العدل وبابه الحق فإذا دك الحصن وحطم الباب استبيح حما هذا الدين وإن الإسلام ما يزال منيعا ما اشتد السلطان وليست شدة السلطان ضربا بالسوق ولا قتلا بالسيف ولكن قضاء بالعدل وأخذا بالحق ثم انصرف إلى عمله لينفذ مختطه لهم من دستور في خطبته القصيرة قضى عمير بن سعد حولا كاملا في حمص لم يكتب خلاله لأمير المؤمنين كتابا ولم يبعث إلى بيت مال المسلمين من الفيئ درهما ولا دي نارا فأخذت الشكوك تساور عمر إذ كان شديد الخشية على ولاته من فتنة الإمارة فلا معصوم عنده غير رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لكاتبه أكتب إلى عمير بن سعد وقل له إذا جاءك كتاب أمير المؤمنين فدع حمص وأقبل عليه وحمل معك ما جبيت من فيئ المسلمين تلقى عمير بن سعد كتاب عمر رضي الله عنه وعن عمير فأخذ جراب زاده وحمل على عاتقه قصعته وويعى وضوءه وأمسك بيده حربته وخلف حمص وإمارتها وراءه وانطلق يحث الخطى مشيا على قدميه إلى المدينة فما كاد يبلغ عمير للمدينة حتى كان قد شحب لونه وهزل جسمه وطال شعره وظهرت عليه وعثاء السفر دخل عمير على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فدهش الفاروق من حالته وقال ما بك يا عمير فقال ما بي من شيء يا أمير المؤمنين فأنا صحيح معافى بحمد الله أحمل مع الدنيا كلها وأجرها من قرنيها فقال وما معك من الدنيا وهو يظن أنه يحمل مالا لبيت مال المسلمين فقال معي جرابي وقد وضعت فيه زادي ومعي قصعتي آكل فيها وأغسل عليها رأسي وثيابي ومعي قربة لوضوء وشرابي ثم إن الدنيا كلها يا أمير المؤمنين لبع لمتاعي هذا وفضلة لا حاجة لي ولا لأحد غيري فيها فقال عمر وهل جئت ما شيا قال نعم يا أمير المؤمنين فقال أما أعطيت من الإمارة دابة تركبها فقال هم لم يعطوني وأنا لم أطلب منهم فقال وأينما أتيت به لبيت المال فقال لم آتي بشي فقال ولم فقال لما وصلت إلى حمص جمعت صلحاء أهلها ووليتهم جمع فيئهم فكانوا كلما جمعوا شيئا منه استشرتهم في أمره ووضعته في مواضعه وأنفقته على المستحقين منهم فقال عمر لكاتبه جدد عهدا لعمير على ولاية حمص فقال عمر هيهات فإن ذلك شيء لا أريده ولن أعمل لك ولا لأحد بعدك يا أمير المؤمنين ثم استأذنه بالذهاب إلى قرية في ضواح المدينة يقيم بها أهله فأذن له لم يمضي على ذهاب عمر إلى قريته وقت طويل حتى أراد عمر أن يختبر صاحبه وأن يستوثق من أمره فقال لواحد من ثقاته يدعى الحارث انطلق يا حارث إلى عمير بن سعد وانزل به كأنك ضيف فإن رأيت عليه آثار نعمة فعد كما أتيت وإن وجدت حالا شديدة فأعطيه هذه الدنانير وناوله صرة فيها مئة دينار انطلق الحارث حتى بلغ قرية عمير بن سعد فسأل عنه فدل عليه فلما لقيه قال السلام عليك ورحمة الله فقال وعليك السلام ورحمة الله وبركاته من أين قدمت فقال من المدينة فقال كيف تركت المسلمين فقال بخير فقال كيف أمير المؤمنين فقال صحيح صالح فقال أليس يقيم الحدود فقال بلى ولقد ضرب ابن له لفاحشة أتاها فمات من الضرب فقال اللهم أعن عمر فإني لا أعلمه إلا شديد الحب لك أقام الحارث في ضيافة عمير بن سعد ثلاث ليال فكان يخرج له في كل ليلة قرصا من الشعير فلما كان اليوم الثالث قال للحارث رجل من القوم لقد أجهدت عميرا وأهله فليس لهم إلا هذا القرص الذي يؤثرونك به على أنفسهم وقد أضر بهم الجوع والجهد فإن رأيت أن تتحول عنهم إلي فافعل عند ذلك أخرج الحارث الدنانير ودفعها إلى عمير فقال عمير ما هذه فقال الحارث بعث بها إليك أمير المؤمنين فقال ردها إليه وقرأ عليه السلام وقل له لا حاجة لعمير بها فصاحت امرأته وكانت تسمع ما يدور بين زوجها وضيفه وقالت خذها يا عمير فإن احتجت إليها أنفقتها وإلا وضعتها في مواضعها فالمحتاجون هنا كثير فلما سمع الحارث قولها القد نانير بين يدي عمير وانصرف فأخذها عمير وجعلها في صرار صغيرة ولم يبت ليلته تلك إلا بعد أن وزعها بين ذوي الحاجات وخص منهم أبنها الشهداء عاد الحارث إلى المدينة فقال له عمر ما رأيت يا حارث فقال حالا شديدة يا أمير المؤمنين فقال أدفعت إليه الدنانير فقال نعم يا أمير المؤمنين فقال وما صنع بها فقال لا أدري وما أظنه يبقي لنفسه منها درهما واحدة فكتب الفاروق إلى عمير يقول إذا جاءك كتابي هذا فلا تضعه من يدك حتى تقبل علي توجه عمير بن سعد إلى المدينة فدخل على أمير المؤمنين فحياه عمر ورحب به وأدنى مجلسة ثم قال له ما صنعت بدنانير يا عمير فقال وما عليك منها يا عمر بعد أن خرجت لي عنها فقال عزمت عليك أن تخبرني بما صنعت بها فقال ادخرتها لنفسي لأن تفع بها في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون فدمعت عينا عمر وقال أشهد أنك من الذين يؤثرون على أنفسهم ولو كانت بهم خصاصة ثم أمر له بوسق من طعام وثوبين فقال أما الطعام فلا حاجة لنا به يا أمير المؤمنين فقد تركت عند أهلي صاعين من شعير وإلى أن أكلهما يكون الله عز وجل قد جاءنا بالرزق وأما الثوبان فآخذهما لأم فلان يعني زوجته فقد بلي ثوبها وكاد التعرى لم يمضي طويل وقت على ذلك اللقاء بين الفاروق وصاحبه حتى أذن الله لعمير بن سعد بأن يلحق بنبيه وقرة عينه محمد بن عبد الله بعد أن طالت أشواقه إلى لقائه فمضى عمير في طريق الآخرة وادع النفس واثق الخطو لا يثقر كاهله شيء من أحمال الدنيا ولا يؤد ظهره عبء من أثقالها مضى ليس معه إلا نوره وهداه وورعه وتقاه فلما بلغ الفاروق نعيه وشح الحزن وجهه واعتصر الأساف آدة وقال وددت أن لي رجالا مثل عمير بن سعد أستعين بهم في أعمال المسلمين رضي الله عن عمير بن سعد وأرضاه فقد كان نمطا فريدا بين الرجال وتلميذا متفوقا في مدرسة محمد بن عبد الله عمير بن سعد نسيج وحده عمر بن الخطاب واسعفني أفض في مدحهم هل يمزي