بسم الله الرحمن الرحيم خير القرون مواقفاً ومثالاً تبع الرسول إذا سعى أو قالا جمهية مودة تقدم صور من حياة التابعين للدكتور عبد الرحمن رأفة الباشا رحمه الله محمد بن واسغ للأزدين رحمه الله نحن الآن في سنة سبع وثمانين للهجرة وهذا مفخرة المسلمين القائد الفاتح قتيبة بن مسلم الباهلي ينهد بجيشه اللجب من مدينة مرو متوجهاً إلى منطقة بخارة فقد عقد العزم على أن يفتح ما تبقى من بلاد ما وراء النهر وأن يغزو أطراف الصين وأن يضرب على أهلها الجزية لكن قتيبة بن مسلم ما كاد يعبر نهر سيحون حتى نذر به أهل بخارة فهبوا يدقون طبول الحرب في كل مكان وطفقوا يستصرقون الأقوام الذين حولهم من الصغد والترك والصين وغيرهم وغيرهم فتدفقت عليهم جموع المقاتلين من كل لون وعرق ولغة ودين حتى بلغوا أضعاف أضعاف جيش المسلمين عدة وعددا ثم إنهم بادروا فسدوا في وجوه المسلمين أفواه الطرق وغلقوا دونهم الثغور والمسالك حتى إن قتيبة بن مسلم لم يستطع أن يسرب إليهم سرية صغيرة من سراياه لتتحسس أحوالهم وتأتيه بأخبارهم كما لم يستطع أحد من عيونه المنبثين بينهم أن ينفذ إلي عسكر قتيبة بن مسلم بجيشه بالقرب من مدينة بيكند ثمر في مكانه لا يتقدم ولا يتأخر فأخذ العدو يبرز له مع إشراقة كل صباح بطليعة من طلائعه فتناوش جيشه سحابة النهار كله فإذا جن عليها الليل عادت إلى قواعدها الحصينة الأمينة وقد استمر الأمر على هذه الحال شهرين متتابعين وقتيبة في حيرة من أمره فهو لا يدري أيحجم أم يقدم ثم ما لبثت أن بلغت أخبار قتيبة وجنده أسماع المسلمين في كل مكان فجزع الناس أشد الجزع على الجيش الكبير الذي لم يقهر والقائد العظيم الذي لم يغلب وصدرت التوجيهات إلى الولاة في الأمصار بأن يدعى لجند المسلمين المتربصين في بلاد ما وراء النهر إثر كل صلاة فأخذت مساجد المسلمين تضج من أجلهم بالدعاء وطفقت مآذنهم تعج بالضراعة والابتهال ودأب الأئمة يقنطون في كل صلاة وهب لنجدة الجيش العتيد خلق كثير وكان يتقدمهم التابعي الجليل محمد بن واسع الأزدي كان لقطيبة ابن مسلم الباهلي عين من أبناء العجم مشهود له بالحنكة والحكمة والدهاء يقال له تيذر فاستماله الأعداء إليهم وبذلوا له المال بسخا وطلبوا منه أن يستعمل حيلته وذكاءه في توهين قوى المسلمين وحملهم على مغادرة البلاد من غير حرب دخل تيذر على قتيبة ابن مسلم الباهلي وكان مجلسه حافلا بكبار القواد ووجوه الجند فأخذ مكانه إلى جانبه ثم مال عليه وهمس في أذنه قائلا أخل مجلسك أيها الأمير إذا شئت فأشار قتيبة إلى من في المجلس فانصرفوا جميعا إلا ضرار ابن الحسين فقد استبقاه قتيبة عند ذلك التفت تيذر إلى قتيبة وقال لك عندي أخبار أيها الأمير فقال قتيبة في لهفة هاتها فقال تيذر إن أمير المؤمنين في دمشق قد عزل الحجاج ابن يوسف الثقفي وعزل القواد الذين يتبعونه وأنت واحد منهم وولى على الجيوش قوادا جددا ووجههم إلى أعمالهم وإن خلفك قادم عليك بين عشية وضحاها والرأي عندي أن تنصرف بجيشك عن هذه الديار وأن تعود إلى مرو لتتدبر أمرك بعيدا عن ساحات المعارك ما كاد تيذر يتم كلامه حتى دعى قتيبة ابن مسلم غلامه سياه فلما صار بين يديه قال له إضرب عنق هذا الخائن يا سياه فضرب سياه عنقه وعاد من حيث أتا وهنا التفت قتيبة إلى ضرار ابن حسين وقال ليس في هذه الأرض أحد سمع هذا الخبر غيري وغيرك وإنني أقسم بالله العلي العظيم لأن ظهر هذا الأمر من أحد قبل أن تنقضي حربنا هذه لأولحقنك بهذا الغادر فإذا كانت لك في نفسك حاجة فاحفظ عليك لسانك وعلم أن انتشار هذا الحديث يفت في عضد الجند وينزل بنا هزيمة منكره ثم أذن للناس فدخلوا عليه فلما رأو تيذر مجندلا على الأرض غارقا في دمائه وقفوا واجمين مطرقين مرتاعين فقال لهم قتيبة ما يروعكم من قتل رجل غادر خائن فقالوا كنا نظنه ناصحا للمسلمين فقال بل كان غاشا لهم فأخذه الله بذنبه ثم رفع صوته وقال والآن انصرفوا إلى قتال عدوكم والقوه بقلوب غير القلوب التي كنتم تلقونه بها من قبل صدع الجند بأمر قائدهم قتيبة بن مسلم وعبروا الثغور للقاء العدو فلما تصاف الجيشان رأى المسلمون من كثرة عدوهم ووفرة عدته وعتاده ما ملأ نفوسهم خشية منه وهيبة له وأحس قتيبة بن مسلم بما يعتمل في أفئدة جنده فجعل يطوف بين الكتائب ويشحذ الهمم ويشد العزائم ثم التفت إلى من حوله وقال أين محمد بن واسع الأزدي فقالوا إنه هناك في الميمنة أيها الأمير فقال وما يفعل فقالوا إنه متكئ على رمحه شاخص ببصره يحرك إصبعه نحو السماء أفنناديه لك أيها الأمير فقال بل دعوه ثم أرد فيقول والله إن تلك الإصبع أحب إلي من ألف سيف شهير يحملها ألف شاب طرير أتركوه يدعو فما عرفناه إلا مستجاب الدعاء تزاحف جيش المسلمين وجيش عدوهم كما تتزاحف الأسود الضواري والتق الجمعان كما تلتقي أمواج البحر المتلاطمة في يوم عاصف وأنزل الله على قلوب المسلمين السكينة وأمدهم بروح من عنده فما زالوا يجالدون عدوهم نهارهم كله حتى إذا أقبل الليل زلزل الله أقدام المشركين وقذف في قلوبهم الرعب فمنحوا ظهورهم للمسلمين فركبهم المجاهدون قتلا وأسرا وتشريدا عند ذلك سألوا قتيبة الصلح والفذية فصالحهم كان في جملة أسرى الأعداء رجل خبيث النفس مستطير الشر شديد الأثر في تأليب قومه على المسلمين فقال لقطيبة ابن مسلم أنا أفدي نفسي أيها الأمير فقيل له وكم تبذل فقال خمسة آلاف حريرة صينية ثمنها ألف ألف فالتفت قتيبة إلى وجوه الجند وقال ما ترون فقالوا نرى أن هذا المال سيزيد في غنائم المسلمين ثم إننا بعد أن أحرزنا هذا النصر لم نعد نخشى بأس هذا الرجل وأمثاله فالتفت قتيبة إلى محمد بن واسع الأزدي وقال وما تقول أنت يا أبا عبد الله فقال أيها الأمير إن المسلمين لم يخرجوا من ديارهم لجمع الغنائم وتكديس الأموال وإنما خرجوا مرضاة لله ونشر لدينه في الأرض وقهرا لأعدائه فقال قتيبة جزاك الله خيرا والله لا أدعه يروي عمرأة مسلمة بعد الساعة ولو بذل مال الدنيا فداء لنفسه ثم أمر بقتله لم تقتصر صلة محمد بن واسع الأزدي بأمراء بني أمية على يزيد بن المهلب وقتيبة بن مسلم الباهلي وإنما امتدت إلى غيرهما من الولاة والأمراء وكان من أبرز من اتصل بهم والي البصرة بلال بن أبي بردة ولقد كان له مع هذا الوالي مواقف متداولة مشهورة وأخبار مروية مأثورة من ذلك أنه دخل عليه ذات يوم وهو لابس مدرعة خشنة من الصوف فقال له بلال ما يدعوك إلى لبس هذا الكساء الخشن يا أبا عبد الله فتشاغل عنه الشيخ ولم يجبه فنظر إليه وقال ما لك لا تجيبني يا أبا عبد الله فقال أكره أن أقول زهدا فأزكي نفسي وأكره أن أقول فقرا فأشكو ربي وأنا لا أريد هذا ولا ذاك فقال له ألك من حاجة فنقضيها يا أبا عبد الله فقال أما أنا فما لي من حاجة أسألها أحدا من الناس وإنما أتيتك في حاجة لآخ مسلم فإن أذن الله في قضائها قضيتها وكنت محمودا وإن لم يأذن في قضائها لم تقضها وكنت معذورا فقال بل نقضيها بإذن الله ثم التفت إليه الوالي وقال ما تقول في القضاء والقدر يا أبا عبد الله فقال أيها الأمير إن الله عز وجل لا يسأل عباده يوم القيامة عن القضاء والقدر وإنما يسألهم عن أعمالهم فاستحى منه الوالي ولا ذب الصمت وفيما هو جالس عنده حان موعد غدائه فدعاه الوالي إلى طعامه فأبى ذلك فالح عليه فجعل يتعلل بشت العلل فغضب الوالي وقال أراك تكره أن تصيب شيئا من طعامنا يا أبا عبد الله فقال له لا تقل ذلك أيها الأمير فوالله إن خياركم معشر الأمراء الأحب إلينا من أبنائنا وخاصة أهلنا ولقد دعي محمد بن واسع الأزدي لتولي منصب القضاء أكثر من مرة فأبى ذلك أشد الإباء وعرض نفسه بسبب إبائه للإيذاء من ذلك أن محمد بن المنذر صاحب شرطة البصرة دعاه إليه وقال إن أمير العراق طلب مني أن أدعوك لتولي القضاء فقال أعفوني من ذلك عافاكم الله فعاوده مثنى وثلاث فأصر على إبائه فقال له والله لتتولي أن القضاء أو لأجلدنك ثلاثمائة جلدة ولأعذرنك فقال له إن تفعل فإنك مسلط وإن معذب الدنيا خير من معذب الآخرة فخجل منه وصرفه بالحسنى وقد كان مجلس محمد بن واسع في مسجد البصرة موئلا لطلاب العلم ومنهلا لشدات الحكمة والموعظة وقد حفلت كتب التاريخ والسير بأخبار مجالسه هذه من ذلك أن أحدهم قال له أوصني يا أبا عبد الله فقال أوصيك أن تكون ملكا في الدنيا والآخرة فدهش السائل وقال وكيف لي بذلك يا أبا عبد الله فقال ازهد بعرض الدنيا تكن ملكا هنا بالاستغناء عما في أيدي الناس وملكا هناك بالفوز بما عند الله من حسن الثواب وقال له آخر إني لوحبك في الله يا أبا عبد الله فقال أحبك الله الذي أحبتني من أجله ثم ولا وهو يقول اللهم إني أعوذ بك أن أحب فيك وأنت لي ماقت وكان كل ما سمع ثناء الناس عليه وإطراءهم لتقواه وعبادته يقول لهم لو كان للذنوب رائحة تفوح ما استطاع أحد منكم أن يدنوا مني لما يصيبه من أذى رائحتي وقد كان محمد بن واسع لا يفت أو يحض طلابه على التزام كتاب الله عز وجل والعيش في أكنافه ويقول القرآن بستان المؤمن فأينما حل منه نزل في روضه كما كان يوصيهم بقلة الطعام فيقول من قل طعامه فهم وأفهم وصفا ورق وإن كثرة الطعام لتثقل الرجل عن كثير مما يريد وقد بلغ محمد بن واسع من التقا والورع مبلغا عظيما ورويت له في ذلك أخبار كثيرة من ذلك أنه رؤيا في السوق وهو يعرض للبيع حمارا له فسأله رجل أترضاه لي أيها الشيخ فقال لو رضيته لنفسي ما بعته وقد عاش محمد بن واسع حياته كلها في وجل من ذنوبه وأشفاق من العرض على ربه فكان إذا قيل له كيف أصبحت يا أبا عبد الله أجاب قائلا أصبحت قريبا أجلي بعيدا أملي سيئا عملي فإذا رأى شيئا من الدهشة يبدو على ملامح سائله قال ما ظنكم برجل يقطع إلى الآخرة كل يوم مرحله ولما مرض محمد بن واسع الأزدي مرض الموت تكاثر الناس على عيادته حتى غص منزله بالداخلين عليه والخارجين والقائمين في منزله والقاعدين فمال بشقه على أحد خواصه وقال أخبرني ما يغني عني هؤلاء إذا أخذنا غدا بالنواصي والأقدام وما ينفعونني إذا ألقيت في النار ثم أقبل على ربه وجعل يقول اللهم إني أستغفرك من كل مقام سوء قمت ومن كل مقعد سوء قعدته ومن كل مدخل سوء دخلته ومن كل مخرج سوء خرجته ومن كل عمل سوء عملته ومن كل قول سوء قلته اللهم إني أستغفرك من ذلك كله فاغفره لي وأتوب لك منه فتب علي وألقي إليك بالسلام قبل أن يكون لزاما ثم فاضت روحه إن إصبع محمد بن واسع الأزدي أحب إلي من ألف سيف شهير يحملها ألف شاب طرير قتيبة بن مسلم كانوا هنا يسقون غيما حياتنا فما مو فينا ذكرهم يتعالى رحلوا وألقوا في الظمير سؤالا هل مثلهم نجم سما وتلالا ملأوا الحياة مفاخرا بالفعلهم وزهت بهم دنيا الأنا