بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ إِنَّهَا الْجَنَّةِ مِيَاهُ الْجَنَّةِ وَأَنْهَارُهَا الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد يا أصحاب الجنة من أنهاركم في الجنة أيضا النيل والفرات وهذان النهران ينبعان من أصل شجرة سدرة المنتهى يجريان بشكل ظاهر على أراضي الجنة وينحدران حتى يصل إلى السماء الدنيا ثم ينزلان إلى الأرض فيخرجان ويجريان فيها وهناك نهران آخران أيضا ينبعان من أصل شجرة سدرة المنتهى لكنهما باطنان يجريان داخل أراضي الجنة إذن فالأنهار التي هي من أصل شجرة سدرة المنتهى أربعة أنهار النيل والفرات ونهران آخران باطنان ومن أنهار الجنة أيضا نهراء سيحون وجيحون وهما في الدنيا من أنهار قارة آسيا الوسطى وأطلق المسلمون قديما على البلاد التي خلف هذين النهرين بلاد ما وراء النهر وهذان النهران أصلهما من الجنة ولكنهما تغيرا بعد خروجهما منها كما تغير الحجر الأسود لكن هذان النهران سيحون وجيحون لا ينبعان من شجرة سدرة المنتهى فلذلك فلنير والفرات فضل عليهما وفي الجنة أيضا نهر عظيم قد أعده الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم قال تعالى إنا أعطيناك الكوثر والكوثر من الكثرة وهو الخير الكثير ومنه هذا النهر العظيم وصفة هذا النهر الذي أعطاه الله لنبيه صلى الله عليه وسلم أن حافتاه من الذهب ومن الدر المجوف ومجراه على الدر والياقوت تربته أطيب من المسك وماءه أحلى من العسل وأبيض من الثلج وأنيته موزعة على أطرافه كعدد النجوم ترده طير أعناقها مثل أعناق الجمال وهو نهر يجري على وجه الأرض لا يشقها شقا وإنما يسيح على ظاهرها ثم يصب في حوض النبي صلى الله عليه وسلم ومن أنهار الجنة أيضا نهر يقال له بارق وهو نهر بباب الجنة يجلس عليه وحوله الشهداء في قبة خضرا يا أهل الجنان ومن مصادر المياه في جنانكم أيضا العيون فالإنسان بطبيعته يحب منظر المياه وقد جعل الله في الجنة عيونا كثيرة مختلفة الطعوم والمشارب والأوصاف كما قال تعالى إن المتقين في جنات وعيون وقال إن المتقين في ظلال وعيون وهذه العيون يفجرها عباد الله المؤمنون تفجيرا حيث شاءوا ويسيرونها كيفما أرادوا فإن شاءوا صرفوها إلى البساتين الزاهرات أو إلى الرياضي الناضرات أو بين القصور والمساكن المزخرفات أو إلى أي جهة يرونها من الجهات المونقات ومن صفات هذه العيون أنها جارية قال تعالى فيها عين جارية أي تجري في غير أخدود وقال تعالى أيضا ومائم مسكوب يعني مصبوب سائر في غير أخدود وبما أن المؤمنون في الجنة على درجات فكذلك حصولهم على ماء هذه العيون على درجات فالعنان اللتان تجريان للمقربين والعنان النضاختان لأصحاب اليمين ومن عيون الجنة أيضا السلسبيل قال تعالى ويسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا عينا فيها تسمى سلسبيلا سميت هذه العين سلسبيل وذلك لسلاسة سيلها وحدة جريها فهي قوية في الجري وسرسة في الانسياب وأيضا سميت سلسبيل لسلاستها في الحلق يعني أثناء الشرب فإنها تسري بغاية النعومة والسلاسة وهذه العين هي العين التي يشرب منها أهل الجنة أول ما يدخلونها فبعد أن يتناولوا زيادة كبد الحوت ثم يأكلوا من الثور الذي يرعى في أطراف الجنة يشربون على ذلك من عين السلسبيل وهذا يدل على أن عين السلسبيل من أفضل عيون الجنة ومن عيونها أيضا عين تسنيم التي قال الله تعالى عنها يسقون من رحيق مختوم ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ومزاجه من تسنيم عينا يشرب بها المقربون يا أصحاب الجنة تسقون من رحيق مختوم يعني من خمر الجنة فالرحيق من أسماء الخمر ختامه مسك يعني مخلوط بالمسك فالشراب أبيض مثل الفضة وتختمون شرابكم بالمسك ولو أن رجلا من أهل الدنيا أدخل أصبعه في ذلك المسك ثم أخرجها لم يبقى صاحب روح إلا وجد طيب تلك الرائحة ومزاج هذا الرحيق من تسنيم إذن الشراب الذي هو الخمر يمزج معه من عين تسنيم وهو أشرف شراب أهل الجنة وأعلاه ولهذا قال ومزاجه من تسنيم عينا يشرب بها المقربون إذن فالمقربون يشربون منها صرفا وتمزج لأصحاب اليمين مزجا وأما الكافور فقد يكون اسما لعين في الجنة أو أنه صفة للشراب يعني في طيب رائحتها كالكافور وهذا هو الأرجح قال تعالى إن الأبرار يشربون من كأس إن كان مزاجها كافورا عينا يشرب بها عباد الله يفدرونها تفجيرا شراب لذيذ من خمر قد مزج بكافور أي خلط به ليبرده ويكسر حدته وهذا الكافور في غاية اللذة قد سلم من كل مكدر منغص موجود في كافور الدنيا يسقون فيها من رحيق ختمه بالمسك أوله كمثل الثاني مع خمرة لذت لشاربها بلا غول ولا داء ولا نقصان والخمر في الدنيا فهذا وصفها تغتال عقل الشارب السكراني وبها من الأدواء ما هي أهله ويخاف من عدم لذي الوجدان فنفى لنا الرحمن أجمعها عن الخمر التي في جنة الحيوان وشرابهم من سلسبيل مزجه الكافور ذاك شراب ذي الإحسان هذا وتصريف المآكل منهم عرق يفيض لهم من الأبدان كروايح المسك الذي ما فيه خلط غيره من سائر الألوان فتعود هاتيك البطون ضوامرا تبغي الطعام على مدى الأزمان لا غائط فيها ولا بول ولا مخط ولا بصق من الإنسان ولهم جشاء ريحه مسك يكون به تمام الهضم بالإحسان اللهم ارزقنا الجنة ونعيمها اللهم إنا نسألك الفردوس الأعلى من الجنة بغير حساب ولا عذاب اللهم آمين وللرحلة بقية إنها الجنة