قِصَّةُ مَلِكَةِ سَبَأَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي بعد أن رأت ملكة سبَأ مظاهر عظمة ملك نبي الله سليمان عليه السلام وإحضاره لعرشها من اليمن تيقنت أنها أمام ملك عظيم ونبي مرسل وليس أمام جبار في الأرض فلما قال لها الجند لم تتردد لحظة في دخوله والصرح هو القصر العظيم الذي ستلتقي فيه بنبي الله سليمان عليه السلام ولما اقتربت من مدخل الصرح رأت أن بينها وبين مجلس نبي الله سليمان عليه السلام بقعت ما قيل لها دخول الصرح فلما رأته حسبته لجة فكيف تصرفت هذا الموقف الذي وقفته ملكة سبأ فيه إحراج لكل من يقع فيه فالمكان هو قصر الملك وعادة ما يكون أفضل وأفخم مكان في أي مملكة فكيف إذا كان هذا القصر في مملكة نبي الله سليمان عليه السلام والذي آتاه الله ملكا لم يؤته أحدا من العالمين والضيف ملكة على مملكة عظيمة ذات حضارة عريقة وهذه الملكة لها عرش عظيم تجلس عليه فمثل هذه تتوقع أن تستقبل بأفضل وأبها صورة وستنزل في أجمل مكان وأحسن والموقف بقعة ماء في طريق الملكة لا يمكن تجاوزها إلى مجلس القصر إلا بالخوض فيها والتفسير الأولي للموقف أنه لا بد من الخوض في الماء للوصول إلى مكان لقاء نبي الله سليمان عليه السلام ملك هذه المملكة العظيمة فما الشعور الذي راود ملكة سبأ في هذا الموقف وكيف تصرفت قال تعالى قيل لها دخل الصرح فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها لقد تصرفت بشكل سريع لما رأت الماء فكشفت عن ساقيها ولكن لماذا كشفت عن ساقيها لأنه يصعب الخوض في الماء بثيابها السابغات الساترة وهي ثياب ملكة وليست أي ثياب قد دلنا هذا الموقف من ملكة سبأ على عدة أمور منها أن لباس العظمة الذي تلبسه من كانت في مثل هذا المقام ليس فيه تعري بل هو لباس سابغ ساتر للبدن وغالبا ما يكون له ذيل طويل يجر خلف الملكة ليدل على العظمة والخيالاء أما تعريت البدن أمام الناس فلا يعد من لباس العقلاء أصحاب الحضارة والثقافة ذكورا كانوا أم إناثا وإنما هو من قلة الحياء ومن سيئ الأخلاق فلا تتعري أخت الكريمة ومنها سرعة بديهة هذه الملكة الذكية الفطنة برفع ثيابها للخوض في الماء فلا يصلح أن تخوض بملابسها فتنقل الماء معها بعد ذلك في كل مكان ستجلس فيه في قصر نبي الله سليمان عليه السلام لأن جفاف القدم بعد الخوض في الماء أسرع من جفاف الثياب ومنها أن هذا اللباس الساتر لبدن ملكة سبأ لم يكن على أساس من الدين وإنما هي تقاليد الملك الذي تعيشه ملكة سبأ ولذلك تنازلت عنها بسرعة وكشفت عن ساقيها أمام الرجال وفي جمع عام بخلاف من سترت جسمها ديانة لله فإنها تخوض في الماء بثيابها ولو كان الماء نجسا ولا تكشف عن ساقيها أمام الرجال مؤتمرة بحديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يرويه ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من جر ثوبه من الخيلا لم ينظر الله إليه قالت أم سلم يا رسول الله فكيف تصنع النساء بذيوله قال ترخينه شبرا قالت إذن تنكشف أقدامهن قال ترخينه ذراعا لا تزدن عليه رواه النساء فهذه أم سلمة رضي الله عنها تحاور النبي صلى الله عليه وسلم في طول ذيل الثوب حرصا منها على ستر النساء أقدامهن لما تقرر عندها أن قدم المرأة من العورة التي لا يجوز إظهارها أمام الرجال فتقول للنبي صلى الله عليه وسلم إن إرخاء الفستان أو العباية أو الجلباب شبرا بعد كعب القدم لا يكفي لستر القدم فأجاز لها وللنساء إرخاء ذيل الثوب إلى ذراع لستر القدم فهذه المرأة المؤمنة الحريصة على ستر قدمها عن الرجال لن تكشفه لهم بحجة بقعة ماء في طريقها ولو كانت هذه البقعة من الماء النجس لما تقرر عندها من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيان حكم ذلك فعن أم ولد لعبد الرحمن بن عوف أنها سألت أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت إن امرأة أطيل ذيلي فأمشي في المكان القذر فقالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يطهره ما بعده وعن امرأة من بني عبد الأشهل قالت قلت يا رسول الله إن لنا طريقا إلى المسجد منتنا فكيف نصنع إذا مطرنا قال أليس بعدها طريق هي أطيب منها قالت قلت بلى قال فهذه بهذه رواه أحمد فخفف النبي صلى الله عليه وسلم على المرأة ورفع عنها الحرج بمرورها على بقعة الماء النجسة أو المنتنة بأنما بعدها بقعة طاهرة كل ذلك محافظة على ستر المرأة ولكي لا تتعذر المرأة بعد ذلك بنجاسة الماء فترفع ثيابها وتكشف قدمها أو ساقها ومنها أنها أحسنت الظن بنبي الله سليمان عليه السلام ولذلك لم تتردد في الدخول إلى الصرح مع أنها رأت ما يستغرب وجوده في طريقها ولكنها أيقنت بعدما رأت من عظمة ملكه أنها في موطن الإكرام عنده وليس في موطن الإهانة وهكذا ينبغي للعاقل الأريب أن يحسن الظن بمن عرف عنه الخير ولو ظهر له في بعض تصرفاته ما يستغرب ولكن ما الذي حدث بعد أن كشفت عن ساقيها ما إن كشفت عن ساقيها لتخوض في الماء الذي ظهر لها حتى قيل لها إنه صرح ممرد من قوارير وهذه آية أخرى من آيات عظمة مملكة نبي الله سليمان عليه السلام وقد يتساءل القارئ لماذا بنا نبي الله سليمان عليه السلام هذا الصرح الممرد من القوارير بهذا الشكل عندما نرجع إلى كتب التفسير نجد في كثير منها روايات إسرائيلية تجيب على هذا السؤال بما يسيء إلى مقام النبوة وإلى مقام نبي الله سليمان عليه السلام وأخلاق النبوة التي اتصف بها ولا يستغرب هذا من روايات اليهود عن أنبيائهم فقد قالوا عنهم أبشع مما قيل في نبي الله سليمان عليه السلام في هذا الموقف بل إن نبي الله سليمان عليه السلام قد افترى عليه الجن والإنس بما ليس فيه كما قال تعالى واتبعوا ما تتل الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت قال السعدي رحمه الله فهذا ما قصه الله علينا من قصة ملكة سبئ وما جرى لها مع سليمان عليه السلام وما عدا ذلك من الفروع المولدة والقصص الإسرائيلية فإنه لا يتعلق بالتفسير لكلام الله وهو من الأمور التي يقف الجزم بها على الدليل المعلوم عن المعصوم والمنقولات في هذا الباب كلها أو أكثرها ليس كذلك فالحزم كل الحزم الإعراض عنها وعدم إدخالها في التفسير والله أعلم ولكن هناك أقوال للمفسرين بعيدة عن مثل هذه الإسرائيليات منها قال الماتريدي رحمه الله أراد أن يريها آية من آيات نبوته حيث اتخذ صرحا ممردا من قوارير يراك الماء للطافته وذلك خارج عن تدبير البشر لتعلم هي أن ذلك تدبير السماء لا تدبير البشر أو أن يكون أراد بذلك والله أعلم أن يريها عظم ملكه وسلطانه لتعلم أنه يفعل ما يشاء قادر على ذلك لا ينفعها سوى الطاعة له والإجابة والخضوع لله والإسلام له وقال الرازي رحمه الله اعلم أنه تعالى لما حكى إقامتها على الكفر مع كل ما تقدم من الدلائل ذكر أن سليمان عليه السلام أظهر من الأمر ما صار داعيا لها إلى الإسلام وهو قوله قيل له دخل الصرح والصرح القصر وقال أيضا وإنما فعل ذلك ليزيدها استعظاما لأمره وتحققا لنبوته وقد أثر ما صنع نبي الله سليمان عليه السلام من الصرح وغيره في ملكة سباء فأعلنت إسلامها قالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين فاعترفت بخطائها في عبادتها وسجودها للشمس ثم أعلنت استسلامها لله رب العالمين وهذه هي آداب التوبة الاعتراف بالخطأ والاستسلام لأمر الله وحكمه وفي قولها وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين فائدة مهمة لكل فتاة كريمة وهي أن التدينا ليس من أجل تيسير الزواج ولا من أجل محبة الزوج ونيل رضاه وإنما هو لله عز وجل لأنما بني على محبة الزوج ورضاه سرعان ما يتغير إذا وقع خصام مع الزوج وقد مرت بي نماذج متعددة لفتيات على مستوى من التدين والالتزام بأوامر الله في بداية حياتهن الزوجية مع أزواج صالحين متمسكين بدين الله داعين إليه ولكن مع استمرارية الحياة الزوجية وحصول بعض المنغصات فيها وجدنا منهن من تترك ما كانت تدعو إليه وتلتزمه من أحكام الشرع بسبب خلافها مع زوجها وخاصة في مسألة اللباس الشرعي خارج البيت أو أمام النساء وفي مجامعهن أو في مسألة الاختلاط بالرجال في مجال الأعمال المختلطة أو في تجمعات العائلة أو في ارتيادها للمقاه العامة في المجمعات التجارية مع صديقاتها وما تفعل ذلك إغاضة لزوجها الرافض لمثل هذه التصرفات ثم تصف زوجها بأنه متشدد جاء في حقبة متشددة ونحن الآن في انفتاح لا يصلح له هذا التشدد وأن الفتاوى تغيرت وانتهى التشدد فيها وقد فصلت هذا الموضوع في مقال خلافك مع زوجك لا يغير مبادئك ارجع إليه إن شئتي أخ الكريم أختي الكريمة هذه هي خاتمة قصة ملكة سبع مع نبي الله سليمان عليه السلام وفيها من العبر ما فيها والهدف من ذكر هذه القصص هو أخذ العبرة وقد قال الطاهر بن عاشور رحمه الله ومكان العبرة منها الاتعاض بحال هذه الملكة إذ لم يصدها علو شأنها وعظمة سلطانها مع ما أوتيته من سلامة الفطرة وذكاء العقل عن أن تنظر في دلاء لصدق الداعي إلى التوحيد وتوقن بفساد الشرك وتعترف بالوحدانية لله فما يكون إصرار المشركين على شركهم بعد أن جاءهم الهدي الإسلامي إلا لسخافة أحلامهم أو لعمايتهم عن الحق وتمسكهم بالباطل وتصل بهم فيه وإذا كانت هناك كلمة أختم بها حلقات هذه السلسلة من قصة ملكة سبع مع نبي الله سليمان عليه السلام فهي إن أهم صفة يتحلى بها المؤمن والمؤمنة في حياتهما هي الاستسلام لله رب العالمين جعلني الله وإياكم ممن استسلم لرب العالمين واتبع شرعه وانقاد لأمره وانتهى عما نهى الله عنه نلقاكم إن شاء الله في قصة أخرى من قصص المرأة في القرآن الكريم في قادم الأيام بإذن الله إن أحيان الله وإياكم وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين