بسم الله الرحمن الرحيم قصة أمنا حوّا يا حوّا لا تقتربي من الحرام يا حوّا يجادل بعض الناس في مسألة التحريم والتحليل فيطالب بنص قرآني في كل مسألة يقال عنها أنها حرام ولأن هؤلاء في الحقيقة ممن أغواهم الشيطان وصدهم عن السبيل فقد بلغ بهم الحال إلى أن ينكروا تحريم الله للخمر مع وجود الآية الصريحة في القرآن والسبب هو عدم فهمهم لكلام الله ولغة العرب ولنا في قصة أمنا حوّا عبرة في فهم ألفاظ القرآن والأبعاد التربوية التي تتضمنها قال تعالى ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلى فكلى من حيث شئتما ولا تقربى هذه الشجرة فتكونا من الظالمين فنهاهما عن الاختراب ولم ينهىهما عن الأكل منها فهل يجوز لهم الأكل منها قال الطاهر بن عاشور رحمه الله وقوله ولا تقربى هذه الشجرة أشد في التحذير من أن ينهى عن الأكل منها لأن النهي عن قربانها سد لذريعة الأكل منها وهذا يعني أن المنع من مقدمات الشيء منع من الوقوع في الشيء نفسه وهنا مكمن الخطر يا حوّا مقدمات الحرام قد لا يظهر لك أنها توقعك في الحرام ولكنها تجرك بعد ذلك جرا إلى الحرام ولذلك قال العلماء بسد ذرائع المحرمات حماية لعرضك قال محمد رشيد رضا رحمه الله النهي عن قرب الشيء أبلغ من النهي عنه كما بيّناه في تفسير تلك حدود الله فلا تقربوها فهو يقتضي البعد عن موارد الشبهات التي تغري به وتفضي إليه ورعا واحتياطا ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحماة يوشك أن يقع فيه كما ورد في الحديث وهذا معنى آخر يرشد إليه الشيخ رشيد رضا وهو البعد عن الشبهات عملا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم فإذا اشتبه عليك أمر يا حواء فاتركيه ففي الحلال البيّن كفاية وغنية من المشتبهات والحرام يا حواء إنما نهيت أمكي عن الأكل من شجرة معينة وأبيح لها كل ما في الجنة ولكن الشيطان صرف نظرها عن الحلال الواسع وركزه على الحرام الضيق فانتبه لأسلوب الشيطان قال سيد قطب رحمه الله يسكت القرآن عن تحديد هذه الشجرة لأن تحديد جنسها لا يزيد شيئا في حكمة حضرها مما يرجح أن الحضر في ذاته هو المقصود لقد أذن الله لهما بالمتاع الحلال ووصاهما بالامتناع عن المحظور ولا بد من محظور يتعلم منه هذا الجنس أن يقف عند حد وأن يدرب المركوز في طبعه من الإرادة التي يضبط بها رغباته وشهواته ويستعلي بها على هذه الرغبات والشهوات فيظل حاكما لها لا محكوما بها كالحيوان فهذه هي خاصية الإنسان التي يفترق بها عن الحيوان ويتحقق بها فيه معنى الإنسان يا حواء إن التحريم فيه اختبار لقوة الإرادة عندك فاحرصي على النجاح فيه قال أبو زهرة رحمه الله ناد الله تعالى آدم باسمه تكريما له أباح له ليسكن هو وزوجه حواء الجنة وأن يأكل منها من حيث شاء من ثمارها في أي ناحية شاء منها ولكن حرم عليهما شجرة معينة اختبارا لقوة أنفسهما وإرادتهما وردهما إغواء إبليس لهما حيثما أراد وبين أنهما إذا أكل منها كانا من الظالمين لعصيان أمر ربهما و لضعف إرادتهما وأول الظلم ضعف إرادة الظالم وكان نهي الله تعالى لهما ألا يقربى من هذه الشجرة و النهي عن القرب نهي عن الأتل بالأولى ولا نعلم ما هذه الشجرة فلا نحاول أن نعرفها ما دام الله تعالى لم يسمها ولكن إبليس وجد الباب الذي يدخل منه ليوسوس لهما وهذه بعض الأمثلة التي حرمت علينا من باب سد الذريعة لألا نقع في الحرام قال تعالى قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن قال ابن القيم رحمه الله فلما كان غض البصر أصلًا لحفظ الفرج بدأ بذكره ولما كان تحريمه تحريم الوسائل فيباح للمصلحة الراجحة ويحرم إذا خيف منه الفساد ولم يعارضه مصلحة أرجح من تلك المفسدة لم يأمر سبحانه بغضه مطلقا بل أمر بالغض منه وأما حفظ الفرج فواجب بكل حال لا يباح إلا بحقه فلذلك عمل أمر بحفظه وقد جعل الله سبحانه العين مرآة القلب فإذا غض العبد بصره غض القلب شهوته وإرادته وإذا أطلق بصره أطلق القلب شهوته فلا تطلقي بصرك يا حواء فتقعي في المحظور ومثال آخر وقع للنبي صلى الله عليه وسلم مع زوجه صفية قال عنه ابن القيم رحمه الله ولما جاءت صفية رضي الله عنها تزوره صلى الله عليه وسلم وهو معتكف قام معها ليوصلها إلى بيتها فرآهما رجلان من الأنصار فقال على رسلكما إنها صفية بنت حيي فقال سبحان الله يا رسول الله فقال إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم إني خشيت أن يقذف في قلوبكما شرا فسد الذريعة إلى ظنهم السوء بإعلامهما أنها صفية فلا تذهبي يا حواء إلى مواقن الشبهات فيساء بك الظن ولا تتزيني بطريقة توهم من يراك أنك تتزينين بالحرام ومثال أخير هو من مصائب هذا الزمان في بعض المجتمعات وهو تزويج المرأة نفسها بدون ولي قال ابن القيم رحمه الله ومنع هبة المرأة نفسها لغير النبي صلى الله عليه وسلم وسر ذلك أن في ضد ذلك والإخلال به ذريعة إلى وقوع السفاح بصورة النكاح كما في الأثر إن الزانية هي التي تزوج نفسها فإنه لا تشاء زانية تقول زوجتك نفسي بكذا سرا من وليها بغير شهود ولا إعلان ولا وليمة ولا دف ولا صوت إلا فعلت ومعلوم قطعا أن مفسدة الزنا لا تنتفي بقولها أنكحتك نفسي أو زوجتك نفسي أو أبحتك مني كذا وكذا فلو انتفت مفسدة الزنا بذلك لكان هذا من أيسر الأمور عليها وعلى الرجل فعظم الشارع أمر هذا العقد وسد الذريعة إلى مشابهته للزنا بكل طريق نكمل في لقاء قادم إن شاء الله والحمد لله رب العالمين