خلاصة مفاهيم أهل السنة الشمول والكمال الدين يشمل الجانب الاعتقادي والجانب التعبدي والجانب السلوكي لا ينفك بعضها عن بعض لأنه من عند الله عز وجل العليم الخبير العالم بما كان وما سيكون وبما يصلح لعباده في دنياهم وأخراهم فيشرعه لهم وبما يضرهم فينهاهم عنه وذلك في كل زمان ومكان فجاء شاملا لكل ما يحتاجونه مراعيا في ذلك طبيعتهم البشرية وطاقتهم قال تعالى ما فرطنا في الكتاب من شيء وقال سبحانه اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا والإسلام نظام متكامل تعمل نصوصه وتوجيهاته وشرائعه كلها متحدة ولا يؤخذ أجزاء وتفاريق وهو يضع نظومه لتعمل كلها في وقت واحد فتتكامل وتتناسق العالمية الإنسانية ولكونه شاملا من عند الله عز وجل جاء لكل الناس وليس لطائفة دون طائفة لذا كان محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء ولا نبي بعده لأنه أرسل للناس كافة وبشريعة كاملة صالحة لكل زمان ومكان قال تعالى وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين وقال عز وجل وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون فكان هذا الدين مهيمنا وظاهرا على جميع الأديان قال تعالى وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه وقال ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون الإسلام منهج حياه الإسلام منهج حياه لأنه منهج شامل فهو لم يأتي لتنظيم شأن واحد من شؤونها ويترك بقية الشؤون بل جاء بمنهج ينظم الحياة كلها ولا يخرج عنه شأن واحد من شؤونها ففيه كل ما يحتاجه البشر في نظمهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وفي حالات السلم والحرب وغيرها من شؤون الحياة والإسلام منهج حياة لأنه منهج واقعي يراعي في كل تنظيماته آنفة الذكر واقع بشرية الناس وطبائع نفوسهم فلا يكلفهم بما يخالف نفوسهم وبشريتهم وهو كذلك منهج حياة لأنه الدين الوحيد الذي يعطي الإنسان التصور الصحيح لهذا الوجود والحياة ومكانة الإنسان فيه وغايته ومصيره ويعطيه النظام الذي يدير به شؤون حياته فيه بسعادة وعدل وتوازن العدل والتوازن في هذا الدين وهذه من أعظم وأرقى خصائص هذا الدين إذ لا يغلب جانبا على آخر بل هو متوازن عدل خيار من أخذ به استقامت حياته على الميزان العدل فلا إفراط ولا تفريط بل هو وسط في كل شعائره وشرائعه قال تعالى وكذلك جعلناكم أمة وسطا وقال سبحانه الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان وقال تعالى ووضع الميزان وبهذا وخصائصه الأخرى يعلو ويرقى إلى القمة في التصور والأخلاق بينما تهبط وتسفل المناهج الجاهرية البشرية إلى القاع ويظهر عوارها وتناقضها وفسادها لأنها مقطوعة عن المصدر المبرأ من الجهل والظلم والهواء العليم الحكيم ألا يعلم من خلق وهو اللقيف الخبير التوحيد وهذه أم الخصائص فلكونه قائما على توحيد الله عز وجل وإفراده بالعبادة والتلقي لا شريك له جاءت مفاهيمه كلها نظيفة يجد فيها المسلم الراحة والطمأنينة وينعكس كل هذا على نظافة التصور ونظافة السلوك وصحة الموازين والأحكام وجميع ما يحتاجه في شؤون حياته ويسلم مما يتخبط فيه المشركون والكفار من عبادة غير الله تعالى من أصنام وأشخاص أو نظم يتخذونها أربابا من دون الله تعالى طبيعة هذا الدين هو دين يقوم على قاعدة الألوهية الواحدة في كل شعائره وتشريعاته وتنظيماته فهو المنهج الذي يحكم الحياة كلها بجميع نواحيها منطلقا من قاعدة الوحدانية والعبودية لله وحده وفي ظل هذا المنهج يمكن أن يخضع جماعات متنوعة لمنهجه العام ونظامه القائم على أساس العبودية لله وحده ولولم تعتنق هذه الجماعات عقيدة الإسلام المنهج التغييري لهذا الدين وليس الترقيعي الإسلام منهج فريد للحياة غير الذي عرفه العالم في فترة الفصام النكد إنه منهج شامل متكامل أصيل لم يأتي لمجرد تعديل وترقيع لبعض المخالفات إنه تصور وعقيدة ينبثق عنها منهج حياة ونظام شامل لجميع شؤونها ومن ثم فهو الكفء بمهمة إعادة نشأة الحياة البشرية على قاعدة العبودية لله وحده لا شريك له المنهج والنظام الناس في كل نظام غير النظام الإسلامي الرباني يعبد بعضهم بعضا في صورة من الصور وفي المنهج الإسلامي وحده يتحرر الناس من عبادة بعضهم لبعض إلى عبادة الله وحده والتلقي منه وحده والخضوع له وحده قال تعالى قل إن صلاتي ونسكي ومحيايا ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين شريعة الله تعالى إنها تعني كل ما شرعه الله عز وجل لتنظيم الحياة البشرية وهذا يتمثل في أصول الاعتقاد وأصول الأخلاق والسلوك وأصول الحكم وأصول الاقتصاد وأصول المعرفة قال سبحانه ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها وبهذا يتبين أن تعريف الشريعة بأنها الأحكام والحدود تعريف ناقص وأن الشريعة هي الحاكمة الناسخة لما قبلها المفضلة عليها الفساد رأس الفساد عبادة غير الله عز وجل والحيدة عن منهجه الذي اختاره ليحكم حياة البشر ويصرفها هذا مفرق الطريق الذي ينتهي إلى الفساد حتما فما يمكن أن يصلح أمر هذه الأرض ومن عليها ومنهج الله بعيد عن تصريفها وشريعة الله مقصات عن حياتها إذاك هو الفساد الشامل للنفوس والأحوال وللحياة والمعاش وللأرض كلها وما عليها من أناس وأشياء ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون مفرق الطريق بين هذا الدين وسائر المناهج إن مفرق الطريق يكمن في أن الناس في نظام الحياة الإسلامي يعبدون إلهاً واحدا يفردونه بالربوبية والألوهية والقوامة بكل مفهومها فيتلقون منه وحده التصورات والقيم والموازين والشرائع والنظم والتوجيهات والأخلاق والآداب بينما هم في سائر النظم الأخرى يعبدون آلهة وأرباباً متفرقين يجعلون لهم القوامة عليهم من دون الله ويتلقون منهم التصورات والمفاهيم والأنظمة والقوانين والآداب والأخلاق فيمنحونهم بهذا التلقي حق الألوهية والربوبية في حين أنهم مثلهم عبيد كما أنهم عبيد متى يكون الناس في دين الله عز وجل إذا كان المنهج الذي يصرف حياة الناس كلها يتلقى من عند الله عز وجل ومنبثقاً من تصور اعتقادي رباني فإنهم بذلك في دين الله وإن كان المنهج الذي يصرف حياتهم من صنع الملك أو الرئيس أو الأمير أو شيخ القبيلة أو الشعب ومنبثقاً من مذهب وتصور بشري فهم ليسوا في دين الله وإنما في دين الملك أو دين الأمير أو دين القبيلة أو دين الشعب قال تعالى عن النظام الذي كان في عهد الملك الذي كان يوسف عليه السلام عزيزاً عنده ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك أي في نظامه وشريعته وحدة الشخصية الإنسانية ووحدة منهجها إن الشخصية الإنسانية وحدة واحدة في طبيعتها وكينونتها لا ينبغي أن تؤدي كل وظائفها على هذا الأساس ولا تستقيم الشخصية في حركتها ولا تتناسق خطواتها إلا حين يحكمها منهج واحد منبثق في أصله من تصور واحد أما حين يحكمها في ضميرها ووجدانها شريعة ثم يحكم واقعها ونشاطها شريعة أخرى فما في الواقع من تصور البشر وما في الوجدان من وحي الله فإن هذه الشخصية تصاب بما يشبه داء الفصام وتعيش حالة صراع نفسي وحالة تمزق بين واقعها الشعوري القلبي وواقعها العملي في الحياة وهذا ما نشاهده اليوم في أرقى بلدان أوروبا وأمريكا من الشقاء والقلق والانتحارات وهذا حال كل من يعيش مثل هذا الفصام النكد إن دين الله لا يصلح خادما يقف بحضرة أسياده يوجهونه حيث يريدون يطردونه من حضرتهم فين صرف ويقف وراء الباب في ستارة الخدم رهن الإشارة لاستدعائه للخدمة إذا أرادوا فيلب النداء كما يفعله من باع دينه من المنتسبين للعلم كلا إن دين الله لا يرضى إلا أن يكون سيدا مهيمنا قويا عزيزا متصرفا حاكما لا محكوما قائدا لا مقودا يربأ بنفسه أن يكون مطية يركبه الطواغيت ويوظفونه لتبرير ظلمهم وطغيانهم ويومئذ فقط يؤدي دوره كاملا كما أراد الله عز وجل دور السيد المدبر لا دور الخادم الملبي علاقة الدين بالعلم والعقل والحضارة إن الدين الحق ليس عدوا للعلم والحضارة والعقل إنما هو إطار لكل ذلك إطارها ومحورها الذي يحكم كل شؤون الحياة وقد كان دين الإسلام هو الإعلان الشامل لحرية العقل البشري تجاه الكون المادي وقوانينه التي سخرها الله عز وجل لهذا الإنسان أما الدين الباطل كدين الكنيسة وخرافاتها في القرون الوسطى التي كانت فعلا عدوة للعلم والعقل فهو الذي يتسبب في تعميم أمثال العلمانيين والشيوعيين الملاحدة بفكرة أن أي دين هو معادل للعلم والعقل والحضارة فالمفهوم الصحيح لعلاقة الدين الإسلامي بالعلم والعقل يبطل شبه المنافقين والعلمانيين الداحظة التي يدعون فيها نسبة أي تخلف للأمة إلى التمسك بالدين والثبات على ما كان عليه سلف الأمة المتمسك بالشرع عقيدة وأخلاق وقد قال الله عز وجل في أمثال هؤلاء وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فما لهاؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا والحاصل في الأمة هو عكس ما يفترون به إذ إنها لما كانت متمسكة بدينها وحكمة لشرع ربها مجاهدة في سبيله كانت أرقى الأمم وأعظمها حضارة وتقدما في جميع ميادين الحياة ولما تخلت عن دينها وأعرضت عن شرع ربها والجهاد في سبيله أصبحت متخلفة وذنبا لغيرها فسبب تخلف الأمة إذن هو ترك الدين لتتمسك به خلاصة مفاهيم أهل السنة