بسم الله الرحمن الرحيم خير القرون مواقفاً ومثالاً تبع الرسول إذا سعى أو قالا جمعية مودة تقدم صور من حياة التابعين للدكتور عبد الرحمن رأفة الباشا رحمه الله عامر بن شرحبي رحمه الله لست سنوات خلت من خلافة الفاروق رضوان الله عليه ولد للمسلمين مولود نحيل الجسم ضأيل الجرم ذلك لأن أخاه زاحمه على رحم أمه فلم يدع له مجالاً للنمو لكنه لم يستطع بعد ذلك أن يزاحمه لا هو ولا غيره في مجالات العلم والحلم والحفظ والفهم والعبقرية ذلك هو عامر بن شرحبيل الحميري المعروف بالشعبي نابغة المسلمين في عصره ولد الشعبي في الكوفة وفيها نشأ لكن المدينة المنورة كانت مهوى فؤاده ومطمح نفسه فكان يأمها من حين لآخر ليلقى صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وليأخذ عنهم كما كان الصحابة الكرام يأمون الكوفة ليتخذوها منطلقاً للجهاد في سبيل الله أو داراً لإيقامتهم فأوتيح له أن يلقى نحو من خمسمائة من الصحابة الكرام وأن يروي عن عدد كبير من جلتهم من أمثال علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وزيد بن ثابت وعبادة بن الصامت وأبي موسى الأشعري وأبي سعيد الخدري والنعمان بن بشير وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وعدي بن حاتم وأبي هريرة وعائشة أم المؤمنين وغيرهم وغيرهم رضي الله عنهم أجمعين وقد كان الشعبي فتاً متوقد الذكاء يقظ الفؤاد مرهف الذهن دقيق الفهم آية في قوة الحافظة والذاكرة فقد روي عنه أنه قال ما كتبت سوداء في بيضاء قط ولا حدثني رجل بحديث إلا حفظته ولا سمعت من امرئ كلاماً ثم أحببت أن يعيده علي وقد كان الفتا مولعاً بالعلم مشغوفاً بالمعرفة يبذل في سبيلهم النفس والنفيس ويستسهل من أجلهم المصاعب إذ كان يقول لو أن رجلاً سافر من أقصى الشام إلى أقصى اليمن فحفظ كلمة واحدة تنفعه فيما يستقبل من عمره لرأيت أن سفره لم يضع وقد بلغ من علمه أنه كان يقول أقل شيء تعلمته الشعر ولو شئت لأن شدتكم منه شهراً دون أن أعيد شيئاً مما أنشدته وكانت تعقد له حلقة في جامع الكوفة فيلتف الناس حوله زمراً زمراً وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحيا يروحون ويغدون بين أظهر الناس بل إن عبدالله بن عمر رضي الله عنه سمعه ذات مرة يقص على الناس أخبار المغازي بخفاياها ودقائقها فأرهف إليه سمعه وقال لقد شهدت بعض ما يقصه بعيني وسمعته بأذني ومع ذلك فهو أروا له مني وشواهد سعة علم الشعبي وحضور ذهنه غزيرة وفيرة من ذلك ما رواه عن نفسه قال أتاني رجلان يتفاخران أحدهما من بني عامر والآخر من بني أسد وقد غلب العامري صاحبه وعلى عليه وأخذه من ثوبه وجعل يجره نحوي جرا والأسدي مخذول أمامه يقول له دعني دعني والعامري يقول له والله لا أدعك حتى يحكم الشعبي لي عليك فالتفدت إلى العامري وقلت له دع صاحبك حتى أحكم بينكما ثم نظرت إلى الأسدي وقلت ما لي أراك تتخاذل له ولقد كانت لكم مفاخر ست لم تكن لأحد من العرب أولها أنه كانت منكم امرأة خطبها سيد الخلق محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم فزوجه الله إياها من فوق سبع سماوات وكان السفير بينهما جبريل عليه السلام إنها أم المؤمنين زينب بنت جحش فكانت هذه المأثرة لقومك ولم تكن لأحد من العرب غيركم والثانية أنه كان منكم رجل من أهل الجنة يمشي على الأرض هو عكاشة بن محصن كانت هذه لكم يا بني أسد ولم تكن لسواكم من الناس والثالثة أن أول لواء عقد في الإسلام كان لرجل منكم هو عبد الله بن جحش والرابعة أن أول مغنم قسم في الإسلام كان مغنمه والخامسة أن أول من بايع بيعة الرضوان كان منكم فقد جاء صاحبكم أبو سنان بن وهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال يا رسول الله أبسط يدك أو بايعك قال صلى الله عليه وسلم على ماذا قال على ما في نفسك قال عليه الصلاة والسلام وما في نفسي قال فتح أو شهادة قال نعم فبايعه فجعل الناس يبايعون على بيعة أبي سنان والسادسة أن قومك بني أسد كانوا سبع المهاجرين يوم بدر فبهت العامري وسكت ولا ريب في أن الشعبي أراد أن ينصر الضعيف المغلوب على القوي الغالب ولو كان العامري هو المخذول لذكر له من مآثر قومه ما لم يحط به خبرى ولما آلت الخلافة إلى عبد الملك بن مروان كتب إلى الحجاج عامله على العراق أن يبعث إلي رجلا يصلح للدين والدنيا أتخذه سميرا وجليسا فبعث إليه بالشعبي فجعله من خاصته وأخذ يفزع إلى علمه في المعضلات ويعول على رأيه في الملمات ويبعثه سفيرا بينه وبين الملوك أرسله مرة في مهمة إلى جستنيان ملك الروم فلما وفد عليه واستمع إليه أخذ بذكائه ودهش من دهائه وأعجب بسعة الطلاعه وقوة عارضته فاستبقاه عنده أياما كثيرة على غير عادته مع السفراء فلما ألح عليه بأن يأذن له بالعودة إلى دمشق سأله الملك الرومي أمن أهل بيت الملك أنت فقال لا وإنما أنا رجل من جملة المسلمين فلما أذن له بالرحيل قال له إذا رجعت إلى صاحبك يعني عبد الملك بن مروان وأبلغته جميع ما يريد معرفته فادفع إليه هذه الرقعة فلما عاد الشعبي إلى دمشق بادر إلى لقاء عبد الملك وأفضى إليه بكل ما رآه وسمعه وأجابه عن جميع ما سأله عنه ولما نهض لينصرف قال يا أمير المؤمنين إن ملك الرومي حملني لك هذه الرقعة ودفعها إليه وانصرف فلما قرآها عبد الملك قال لغلمانه ردوه علي فردوه فقال عبد الملك للشعبي أعلمت ما في هذه الرقعة فقال لا يا أمير المؤمنين فقال عبد الملك لقد كتب إلي ملك الرومي يقول عجبت للعرب كيف ملكت عليها رجلا غير هذا الفتا فبادره الشعبي قائلا إنما قال هذا لأنه لم يرك ولو رآك يا أمير المؤمنين لما قاله فقال عبد الملك أفتدري لم كتب إلي ملك الرومي بهذا فقال الشعبي لا يا أمير المؤمنين فقال عبد الملك إنما كتب إلي بذلك لأنه حسدني عليك فأراد أن يغريني بقتلك والتخلص منك فبلغ ذلك ملك الروم فقال لله أبوه والله ما أردت غير ذلك ولقد بلغ الشعبي في العلم منزلة جعلته رابع ثلاثة في عصره فقد كان الزهري يقول العلماء أربعة سعيد بن المسيب في المدينة وعامر الشعبي في الكوفة والحسن البصري في البصرة ومكحول في الشام لكن الشعبي كان لتواضعه يخجل إذا خلع عليه أحد لقب العالم فقد خاطبه أحدهم قائلا أجبني أيها الفقيه العالم فقال ويحك لا تطرنا بما ليس فينا الفقيه من تورع عن محارم الله والعالم من خشي الله وأين نحن من ذلك ولقد سأله آخر عن مسأله فأجاب قال فيها عمر بن الخطاب كذا وقال فيها علي بن أبي طالب كذا فقال له السائل وأنت ماذا تقول يا أبا عمر فابتسم في استحياء وقال وما تصنع بقولي بعد أن سمعت مقالة عمر وعلي وقد كان الشعبي يتحلى بكريم الشمائل وجليل الخصائل من ذلك أنه كان يكره المرا ويتصاون من الخوض فيما لا يعنيه فلقد كلمه أحد أصحابه ذات يوم فقال يا أبا عمر فقال لبيك فقال ما تقول فيما يتكلم فيه الناس من أمر هذه الرجلين فقال الشعبي أي رجلين تعني فقال عثمان وعلي فقال الشعبي إني والله لفي غنى عن أن أجيأ يوم القيامة خصيما لعثمان بن عفان أو لعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما ولقد جمع الشعبي إلى العلم الحلم فقد روي أن رجلا شتمه أقبح الشتم وأسمعه أقذع الكلام فلم يزد على أن قال له إن كنت صادقا فيما ترميني به غفر الله لي وإن كنت كاذبا غفر الله لك ولم يكن الشعبي على جلالة قدره وجزالة فضله يأنف أن يأخذ المعرفة أو يتلقى الحكمة عن أهون الناس شأنا فلقد دأب أعرابي على حضور مجالسه غير أنه كان يلوذ بالصمت دائما فقال له الشعبي ألا تتكلم فقال أسكت فأسلم وأسمع فأعلم وإن حظ المرء من أذنه يعود عليه أما حظه من لسانه فيعود على غيره فظل الشعبي يردد كلمة الأعرابي ممتدت به الحياة ولقد أوتي الشعبي من بلاغة الكلام وحسن التصرف فيه ما لم يؤته إلا القلة النادرة من الفصحاء الأبينا من ذلك أنه كلم أمير العراقين عمر بن هبيرة الفزاري في جماعة حبسهم فقال أيها الأمير إن كنت حبستهم بالباطل فالحق يخرجهم وإن كنت حبستهم بالحق فالعفو يسعهم فأعجب بقوله وأطلقهم كرامة له وعلى الرغم من كمال مروأة الشعبي وعلو منزلته في الدين والعلم فقد كان عذب الروح حلو المفاكهة لا يفوت النكتة إذا لا حت له فقد دخل عليه رجل وهو جالس مع مرأته فقال أيكم الشعبي فقال هذه وأشار إلى مرأته وسأله آخر ماذا كانت تسمى زوجة إبليس فقال ذلك عرص لم نشهد ولعل خير ما يصور خلال الشعبي ما حكاه عن نفسه حيث قال ما حللت حبوتي إلى شيء مما ينظر إليه الناس ولا ضربت غلاما لي قط وما مات ذو قرابة لي وعليه دين إلا قضيته عنه وبعد فقد عمر الشعبي حتى نيف على الثمانين فلما لبى نداء ربه ونعي إلى الحسن البصري قال يرحمه الله فلقد كان واسع العلم عظيم الحلم وإنه من الإسلام بمكان كان الشعبي واسع العلم عظيم الحلم وإنه من الإسلام بمكان الحسن البصري مواقفاً ومثالا تبع الرسول إذا سعى أو قال كانوا هنا يسقون غيم حياتنا فمو وفينا ذكرهم يتعالى رحلوا وألقوا في الظمير سؤالا هل مثلهم نجم سما وتلالا ملأوا الحياة مفاخراً بالفعلهم وزهت بهم دنيا الأنا