بسم الله الرحمن الرحيم حياة السلف بين القول والعمل التواضع وذم الكبر خرج عمر رضي الله عنه في يوم حار واضعا رداءه على رأسه قال فمر به غلام على حمار فقال يا غلام احملني معك قال فوثب الغلام عن الحمار فقال اركب يا أمير المؤمنين قال لا اركب وأركب أنا خلفك تريد أن تحملني على المكان الخشن وتركب على المكان الوطيء ولكن اركب أنت وأكون أنا خلفك قال فدخل المدينة وهو خلفه والناس ينظرون إليه ولما قدم رضي الله عنه الشام عرضت له مخاضة أي مكان ضحل الماء يخوضه الناس مشاتا أو ركبانا فنزل عن بعيره وأخذ بقطامه ونزع موقيه فأخذهما بيديه وخاض الماء فقال أبو عبيدة رضي الله عنه صنعت اليوم صنيعا عظيما عند أهل الأرض فصك عمر في صدره وقال إنه لو غيرك يقول هذا إنكم كنتم أقل الناس وأذل الناس وأضعفه فأعزكم الله بالإسلام فمهما تطلب العز بغيره يذلكم وقال رضي الله عنه على المنبر إن العبد إذا تواضع لله رفع الله حكمته فهو في نفسه صغير أو فقير وفي أنفس الناس كبير وإن العبد إذا تكبر وعدى طوره وضعه الله فهو في نفسه كبير وفي أعين الناس صغير حتى أنه أحقر وأصغر في أعين الناس من الخنزير وعن أبي المنهال رحمه الله قال سألت البراء بن عازب وزيد بن أرقم رضي الله عنهما عن الصرف فكل واحد منهما يقول هذا خير مني وقال عتبة بن غزوان رضي الله عنه أعوذ بالله أن أكون في نفسي عظيما وعند الله صغيرا وأقبل أبو هريرة رضي الله عنه في السوق يحمل حزمة حطب وهو يومئذ خليفة لمروان فقال أوسع الطريق للأمير وخرج عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ذات يوم فاتبعه ناس فقال لهم ألكم حاجة قالوا لا ولكن أردنا أن نمشي معك قال إرجعوا فإنه ذلة للتابع وفتنة للمتبوع وقال رضي الله عنه من تطاول تعظو من خفضه الله ومن وضع نفسه خشوعا رفعه الله عز وجل وعن عائشة رضي الله عنها قالت إنكم لتغفلون أفضل العبادة التواضع وقال رجل لابن عمر رضي الله عنه يا خير الناس وابن خير الناس فقال ما أنا بخير الناس ولابن خير الناس ولكني عبد من عباد الله أرجو الله وأخافه والله لن تزالوا بالرجل حتى تهلكوه وجاءه رجل فسأله عن فريضه فقال له إيتي سعيد بن جبير فإنه أعلم بالحساب مني وعن مجاهد قال صحبت بن عمر رضي الله عنه وإني أريد أن أخدمه فكان هو يخدمني وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال كنت أقرئ رجالا من المهاجرين منهم عبد الرحمن بن عوف قال ابن الجوزي رحمه الله فيه تنبيه على أخذ العلم من أهله وإن صغرت أسنانهم أو قلت أقدارهم وقد كان حكيم بن حزام يقرأ على معاذ بن جبل رضي الله عنهما فقيل له تقرأ على هذا الغلام الخزرجي فقال إنما أهلكنا التكبر وكان بعض السلف رحمه الله يشتري الشيء من السوق فيحمله فيقال هاتي نحمله فيأبى ويقول إنه لا يحب المستكبرين وكان الربيع بن خثيم رحمه الله يكنس الحش بنفسه فقيل له إنك تكفى هذا قال إني أحب أن أخذ بنصيبي من المهنة ولما دفن عمر بن عبد العزيز رحمه الله سليمان بن عبد الملك وخرج من قبره سمع للأرض هدة أو رجة فقال ما هذه فقيل هذه مراكب الخلافة يا أمير المؤمنين قربت إليك لتركبها فقال ما لي ولها نحوها عني قربوا إلي بغلتي فقربت إليه بغلته فركبها فجاءه صاحب الشرطي يسير بين يديه بالحرب فقال تنحى عني ما لي ولك إنما أنا رجل من المسلمين وعن عبد العزيز بن عمر قال قال لي رجاء بن حيوة ما أكمل مروأة أبيك سمرت عنده فعشي السراج وإلى جانبه وصيف النام قلت ألا أنبه قال لا دع قلت أنا أقوم قال لا ليس من مروأة الرجل استخدامه ضيفة فقام إلى بطة الزيت وأصلح السراج ثم رجع وقال قمت وأنا عمر بن عبد العزيز ورجعت وأنا عمر بن عبد العزيز وقال أيضا رحمه الله من كانت معصيته في الشهوة فرجوا له التوبة فإن آدم عصى مشتهيا فغفر له فإذا كانت معصيته في كبر فاخشى على صاحبه اللعنة فإن إبليس عصى مستكبرا فلعن وقال عون بن عبد الله رحمه الله كفى بك من الكبر أن ترى لك فضلا على من هو دونك وقد قيل من تكبر في ولايته ذل في عزله وقال أيوبني السختياني رحمه الله إن قوما يريدون أن يرتفعوا فيأبى الله إلا أن يضعهم وآخرين يريدون أن يتواضعوا ويأبى الله إلا أن يرفعهم وكان الخليل بن أحمد رحمه الله إذا أفاد إنسانا شيئا لم يره بأنه أفاده وأين استفاد من أحد شيئا أراه بأنه استفاد منه وعن عبيد بن جناد قال ما رأيت أحدا مثل بن المبارك رحمه الله إذا ذكر أصحابه فخمهم يقول وأين مثل فلان ورأى سعيد بن جبير رحمه الله أناسا يتبعون فنهاهم وقال إن مشكم هذا مذلة للتابع وفتنة للمتبوع وسئل يوسف بن أسباط رحمه الله ما غاية التواضع قال ألا تلقى أحدا إلا رأيت له الفضل عليك وعن الشافعي رحمه الله قال التواضع من أخلاق الكرام والتكبر من شيم اللئام والتواضع يورث المحبة والقناعة تورث الراحة وقال أرفع الناس قدرا من لا يرا قدرا وأكثرهم فضلا من لا يرا فضله وقال يحيى بن معين ما رأيت مثل أحمد بن حنبل رحمه الله صحبناه خمسين سنة مفتخر علينا بشيء مما كان فيه من الخير وقال أحمد بن الحسن الترمذي رحمه الله رأيت الإمام أحمد رحمه الله يشتري من السوق الخبز ويحمل بنفسه في الزنبيل ورأيته يشتري الباقلا غير مرة ويجعله في زبدية أو شيء آخر فيحمله وهو آخذ بيد عبد الله ابنه وقال صالح كان أبي ربما خرج إلى البقال فيشتري جرزة حطب فيحملها وسئل الفضيل ابن عياض رحمه الله عن التواضع فقال يخضع للحق وينقاد له ويقبله ممن قال وقال بعضهم فلا تحقرن خلقا من الناس عله ولي إله العالمين وما تدري فذو القدر عند الله خاف عن الورى كما خفيت عن علمهم ليلة القدر