بسم الله الرحمن الرحيم قصة أمنا حوّى العبرة من قصة أمنا حوّى يا حوّى وصلنا إلى نهاية المطاف مع هذه القصة من قصص القرآن الكريم قصة أمنا حوّى بدأنا حلقات القصة في أول يوم من شهر رمضان المبارك ونختم القصة في اليوم السابع والعشرين من الشهر فهي سبعة وعشرون حلقة أسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبلها منا وأن ينفعنا بها جميعا وحلقة اليوم يا حوّى عن العبرة العامة من هذه القصة قال محمد رشيد رضا رحمه الله وأما ملخص ما فيها من العبرة فهو أنه ينبغي لنا أن نعرف أنفسنا بغرائزها واستعدادها للكمال وما يعرض لها دونه من الموانع فيصرفها عنه إلى النقائص وأن أنفع ما يعيننا على تربيتها عهد الله إلينا بأن نعبده وحده وأن لا نعبد معه الشيطان ولا غيره وأن نذكره ولا ننساه فننسى أنفسنا ونغفل عن تزكيتها وصقلها بصقال التوبة كلما عرض لها من وسواس الشيطان ما يلوثها فإنه إن يترك صار صدأً وطبعًا مفسداً لها وما أفسد أنفس البشر ودساها إلا غفلة عقولهم وبصائرهم عنها وتركها كالريشة في مهاب أهواء الشهوات ووساوس شياطين الضلالات فعلى العاقل أن يعرف قيمتها ويحرص عليها أشد من حرصه على ما عساه يملك من نفائس الجواهر وأعلاق الذخائر فإن حرصه على مثل هذا إنما يكون لأجلها وهو يبذله عند الضرورة في أحقر ما لا بد لها منه وذلك بأن يطلب لها أقصى ما تسمو إليه همته من الكمال ويحاسبها كل يوم مرة أو أكثر على ما بذلت من السعي لذلك وعلى مكافحة ما يصدها عنه من الأهواء والوساوس وينصب الميزان القصط لما يشتبه عليها من الآراء والخواطر ليعرف كنها الحق والخير فيلتزمهما وأضدادهما من الشر والباطل فيجتنبهما قال سيد قطب رحمه الله وبعد فإنها ليست قصة إنما هو عرض لحقيقة الإنسان لتعريفه بحقيقة طبيعته ونشأته والعوالم المحيطة به والقدر الذي يصرف حياته والمنهج الذي يرضاه الله له والابتلاء الذي يصادفه والمصير الذي ينتظره إن الحقيقة الأولى التي نستلهمها من قصة النشأة الإنسانية هي كما قلنا من قبل التوافق بين طبيعة الكون ونشأة الكائن الإنساني والتقدير الإلهي المحيط بالكون والإنسان والذي يجعل هذه النشأة قدرا مرسوما لا فلتة عارضة كما يجعل التوافق بينهما هو القاعدة والذين لا يعرفون الله سبحانه ولا يقدرونه حق قدره يقيسون أقداره وأفعاله بمقاييسهم البشرية الصغيرة ونحن بحمد الله وبهدى ننظر إلى هذا الكون الهائل فلا نشعر بالذعر والهلع الذي يقول عنه السيار جيمس جينز إنما نشعر بالرهبة والإجلال لبارئ هذا الكون ونشعر بالعظمة والجمال المتجليين في خلقه ونشعر بالطمأنينة والأنس لهذا الكون الصديق الذي أنشأه الله وأنشأنا فيه عن توافق وتنسيق وتروعنا ضخامته كما تروعنا دقته ولكننا لا نفزع ولا نجزع ولا نشعر بالضياع ولا نتوقع الهلاك فإن ربنا وربه الله ونتعامل معه في يسر ومودة وأنس وثقه ونتوقع أن نجد فيه أرزاقنا وأقواتنا ومعايشنا ومتاعنا ونرجو أن نكون من الشاكرين قال تعالى ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون والحقيقة الثانية المستلهمة من قصة النشأة الإنسانية هي كرامة هذا الكائن الفريد في العوالم الحية وضخامة دوره المنوط به وسعة الآفاق والمجالات التي يتحرك فيها وتنوع العوالم التي يتعامل معها في حدود عبوديته لله وحده مما يتناقض تماماً مع المذاهب الحسية الوضعية المادية التي تهدر قيمته كعامل أساسي مؤثر في الكون حيث تسند الأهمية كلها للمادة وتأثيراتها الحتمية وكذلك تظهر ضخامة الدور الذي أعطاه بارئه له فإن عمارة كوكب وسيادته بخلافة الله فيه أيًا كان حجم هذا الكوكب إنها لأمر عظيم والذي يتضح من القصة ومن مجموعة النصوص القرآنية أنه كذلك خلق متفرد لا في الأرض وحدها ولكن في الكون كله فالعوالم الأخرى من ملائكة وجن وما لا يعلمه إلا الله من الخلق لها وظائف أخرى كما أنها خلقت من طبائع أخرى تناسب هذه الوظائف وتفرد الإنسان وحده بخصائصه هذه ووظائفه يدل على ذلك قول الله تعالى إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبينا أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا وإذا فهو متفرد في الكون كله بخصائص ومنها الظلم والجهل إلى جانب الاختيار النسبي والاستعداد للمعرفة المترقية والإرادة الذاتية والمقدرة على العدل والعلم بقدر المقدرة على الظلم والجهل فهذا الازدواج ذاته هو ميزته التي تفرده هذه الأهمية التي تخلعها القصة ومجموع النصوص القرآنية على هذا الكائن الإنساني لا تقتصر على دوره في خلافة الأرض بهذه الخصائص المتفردة ولكن صورتها تكمل بتأمل الآفاق والمجالات التي يتحرك فيها والعوالم التي يتعامل معها إنه يتعامل تعاملا مباشرا مع ربه الجليل سبحانه هو الذي أنشأه بيده وأعلن ميلاده في الملأ الأعلى وفي الوجود كله بنطقه وخوله الجنة يأكل منها حيث يشاء إلا الشجرة المحظورة ثم خوله خلافة الأرض بعد ذلك بأمره وعلمه أساس المعرفة كما في آية البقرة وعلم آدم الأسماء كلها وهو ما نرجح أنه القدرة على الرمز باللفظ والاسم للمدلول والمسمى وهي القاعدة التي يقوم عليها إمكان تبادل المعرفة وتعميمها في الجنس كله كما قلنا في سورة البقرة وأوصاه وصيته في الجنة وبعدها وأودعه لاستعدادات الخاصة التي تفرد جنسه بخصائصه وأرسل له الرسول منه بهدا وكتب على نفسه الرحمة أن يقيل عثرته ويقبل توبته إلى آخر نعمة الله على هذا الكائن المتفرد في الكون كله إنه يعرج إلى السماوات العلا ويتجاوز مراتب الملائكة حين يخلص عبوديته لله ويترقى فيها إلى منتهاها كما أنه يهبط إلى ما دون مستوى البهيمة حين يتخذ إلهه هواه ويتخلى عن خصائص إنسانيته ويتمرع في الوحل الحيواني وبين هذه المجالين أبعاد أضخم مما بين السماوات والأرض في عالم الحس وأبعد مدا وليس هذا كله لغير الإنسان كما تلهمه هذه القصة وبقية النصوص الأخرى وقال والحقيقة الثالثة أن هذا الكائن على كل تفرده هذا أو بسبب تفرده هذا ضعيف في بعض جوان بتكوينه حتى لا يمكن قيادته إلى الشر والارتكاس إلى الدرك الأسفل من خطام شهواته وفي أولها ضعفه تجاه حب البقاء وضعفه تجاه حب الملك وهو يكون في أشد حالات ضعفه وأدناها حين يبعد عن هدى الله ويستسلم لهواه أو يستسلم لعدوه العنيد الذي أخذ على عاتقه إغواءه في جهد ناصب لا يكل ولا يدع وسيلة من الوسائل وقد اقتضت رحمة الله به من ثم ألا يتركه لفطرته وحدها ولا لعقله وحده وأن يرسل إليه الرسل للإنذار والتذكير كما سيجيء في آية تالية في معرض التعقيب على القصة وهذه هي صخرة النجاة بالنسبة له النجاة من شهواته بالتخلص من هواه والفرار إلى الله والنجاة من عدوه الذي يخنص ويتوارى عند ذكره لربه وتذكر رحمته وغضبه وثوابه وعقابه وهذه كلها مقويات لإرادته حتى يستعلي على ضعفه وشهواته وقد كان أول تدريب له في الجنة هو فرض المحظور عليه لتقوية هذه الإرادة وإبرازها في مواجهة الإغراء والضعف وإذا كان قد فشل في التجربة الأولى فقد كانت هذه التجربة رصيدا له فيما سيأتي ومن رحمة الله به كذلك أن جعل باب التوبة مفتوحا له في كل لحظة فإذا نسي ثم تذكر وأذا عثر ثم نهض وأذا غوى ثم تاب وجد الباب مفتوحا له وقبل الله توبته وأقال عثرته فإذا استقام على طريقه بدل الله سيئاته حسنات وضاعف له ما شاء ولم يجعل خطيئته الأولى لعنة مكتوبة عليه وعلى ذريته فليست هناك خطيئة أبدية وليست هناك خطيئة موروثة ولا تزر وازرة وزر أخرى وقال والحقيقة الرابعة هي جدية المعركة مع الشيطان وأصالتها واستمرارها وضراوتها لقد بدى من سياق القصة إصرار هذا العدو العنيد على ملاحقة الإنسان في كل حالة وعلى إتيانه من كل صوب وجهه وعلى اتباعه في كل ساعة ولحظة قال لقد اختار اللعين أن يزاول هذا الكيد وأن ينظر لمزاولته على المدى الطويل اختار هذا على أن يضرع إلى الله أن يغفر له خطيئته في معصيته عيانا وقد سمع أمره مواجهة ثم بين أنه سيقعد لهم على طريق الله لا يمكنهم من سلوكه وهو إنما يأتيهم من ناحية نقط الضعف فيهم ومداخل الشهوة ولا عاصم لهم منه إلا بالتقوي بالإيمان والذكر والتقوي على إغوائه ووسوسته والاستعلاء على الشهوات وإخضاع الهوى لهدى الله والمعركة مع الشيطان هي المعركة الرئيسية إنها المعركة مع الهوى باتباع الهدى والمعركة مع الشهوات باستعلاء الإرادة والمعركة مع الشر والفساد في الأرض الذي يقود الشيطان أولياءه إليه باتباع شريعة الله المصلحة للأرض والمعركة في الضمير والمعركة في الحياة الواقعية متصلتان لا منفصلتان فالشيطان وراءهما جميعا والطواغيت التي تقوم في الأرض لتخضع الناس لحاكميتها وشرعها وقيمها وموازينها وتستبعد حاكمية الله وشرعه والقيم والموازين المنبثقة من دينه إنما هي شياطين الإنس التي توحي لها شياطين الجن والمعركة معها هي المعركة مع الشيطان نفسه وليست بعيدة عنها وهكذا تتركز المعركة الكبرى الطويلة الضارية في المعركة مع الشيطان ذاته ومع أوليائه ويشعر المسلم وهو يخوض المعركة مع هواه وشهواته وهو يخوضها كذلك مع أولياء الشيطان من الطواغيت في الأرض وأتباعهم وأذنابهم وهو يخوضها مع الشر والفساد والانحلال الذي ينشئونه في الأرض من حولهم يشعر المسلم وهو يخوض هذه المعاركة كلها أنه إنما يخوض معركة واحدة جدية صارمة ضارية لأن عدوه فيها مصر ماض في طريقه وأن الجهاد من ثم ماض إلى يوم القيامة في كل صوره ومجالاته وأنه سيأتيهم من كل جهة يصرفهم عن هداه نسأل الله أن يحفظنا من كيد شياطين الجن والانس وأن يهدينا إلى سواء السبيل وأن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه وأن يرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه انتهت القصة بفضل من الله عز وجل والحمد لله رب العالمين قصة أمنا حوا