خلاصة مفاهيم أهل السنة التربية مستمرة ولا تنتهي من طبيعة النفس البشرية التقلب بين الطاعة والمعصية والهداية والغواية لذا فهي تحتاج إلى متابعة دائمة ولا يكفي وضعها في قال بالهداية والطاعة مرة واحدة ظنا أنها ستنضبط بعدها إلى الأبد بل هي دائمة التخطي لحدود القالب المضبوط مرة تل وأخرى فلا بد في كل مرة من توجيه لإعادة ضبطها وبهذا تتبين مشقة عملية التربية وخطورتها وضرورتها المستديمة فإما هذا الجهد الدائب وإما الضياع هفوات المتربي بين التغاضي والغفلة يصدر أحيانا من المتربي بعض الهفوات التي يكرهها المربي لكنه قد يتغاضى عنها إدراكا منه أن استمرار التنبيه عند كل هفوة قد يحدث رد فعل مضاد من نفور المتلقي وشروده ولا بأس بهذا التغاضي شريطة أن يكون عن الهفوات حتى السيئات البينات وأن يكون بنية الموازنة بين الأوليات والتأجيل لحين نضج المتربي واستيعابه لمكمن الخلل في الهفوة كما ينبغي أن لا يؤدي هذا التغاضي بحال إلى الإهمال والغفلة فإهمال التنبيه ضار كالإلحاح فيه وحكمة المربي التي تدله متى يحسن التغاضي ومتى يحسن التوجيه استعمال كل من اللين والحسم في التربية اللين في موضعه ضروري والحسم في موضعه كذلك ضروري بنفس القدر والمستوى إنما المنهي عن الفضاظة وغلظة القلب التي لا تأتي بخير قال تعالى فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فضا غليض القلب لن فضوا من حولك والحسم لا يعني الغلظة بحال وإنما هو ثبات من المربي على القرار الصائب وإصرار على تنفيذه مع مراعات حسن الطريقة واحتوائها على الرفق والحب وما يحتاجه المربي هو البصيرة بمواطن اللين ومواطن الحسم على قاعدة دائمة من الحب التربية على ضبط الرغبات ضبط الرغبات مقدرة يتدرب الإنسان عليها وعادة يعتادها وكلما تدرب عليها وهو صغير كان أقدر عليها وأكثر تمكن منها ويجدها حاضرة عند الحاجة إليها فلا يمكن للمسلم الدعوة إلى الله تعالى أو الجهاد في سبيله بغير ضبط شهواته ورغباته حتى ولو كانت في دائرة المباح الذي لا إثم فيه في ذاته قال تعالى قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين فكل ما ذكر في الآية هو في أصله مباح ولكنه يصبح محرما وإثما وعودي عن واجب الدعوة والجهاد في سبيل الله وضبط الرغبات لا يعني الحرمان منها إن كانت مباحة وإنما يعني تدريب النفس على الاستغناء عنها عند الحاجة إلى ذلك وعلى هذا فيمكن للمربي أن يتعاهد المتربين بدورات يمنع عنهم فيها بعض رغبات النفس المباحة لفترة محدودة لتعويدهم على الاستغناء عنها عند الحاجة ليست العقوبة أمرا مستنكرا في ذاته ولا محرما ولا ضارا بكيان الفرد أو الطفل كما تزعم بعض مذاهب التربية في الجاهلية المعاصرة فالنبي صلى الله عليه وسلم أمر بتأديب الطفل على ترك الصلاة فقال مرو أبناءكم بالصلاة لسبع سنين واضربوهم عليها لعشر ولكن ما نحتاج إلى تقريره والتأكيد عليه ما يأتي أولا لا ينبغي أن تكون العقوبة بشقيها الحسي والمعنوي أول ما يلجأ إليه المربي إنما ينبغي أن يبدأ بالثواب فإن لم يجد ذلك نفعى انتقل إلى العقاب ويبدأ بالمعنوية قبل الحسية ثانيا تراع الفوارق الفردية بين طفل وآخر وتقرر نوعية العقاب والجرعة اللازمة منه بحكمة فهناك طفل يرى في الإعراض عنه عقوبة رادعة يتأثر لها وجدانه فلم تتجاوز تلك العقوبة ويذهب إلى غيرها بل لم تطيل عليه فترة الإعراض إن كان القليل منه كافيا وطفل آخر لا يرعوي إلا بالعقوبة الحسية فهذا يستعمل معه ما هو ناجع له ثالثا ينبغي أن يراعي المربي أن تكون العقوبة مناسبة للجرم أيضا من حيث الكم فلا تكون لديه جرعة ثابتة من العقوبة يستخدمها لكل حالة على السواء فإن ذلك يغلط طفل بارتكاب المخالفة الكبيرة مادامت عقوبتها تماثل عقوبة صغيرة رابعا كذلك الأولى التهديد بالعقوبة أكثر من إيقاعها بالفعل لأن ذلك يحفظ رهبتها الدائمة في نفس الطفل بخلاف كثرة إيقاعها الذي قد يورث اعتياد الطفل عليها وعدم خشيته منها التربية بالتوجيه والتلقين أولا ضرورة التوجيه والتلقين لا تكفي القدوة وحدها في عملية التربية ولا تفي بكل المطلوب فيها فالرسول صلى الله عليه وسلم وهو القدوة العظمى للبشرية لم يكتفي بسلوكه في تربية أصحابه بل كان دائم التوجيه والتلقين لهم حتى تكونت ثروة هائلة من الأحاديث التي أضحت أحد المصدرين الرئيسين للتشريع كما أن القرآن الكريم كله توجيه وتلقين فلا بد في التربية من الجمع بين القدوة والتلقين ثانيا مصدر التوجيه والتلقين تبين من النقطة السابقة أن مصدر التوجيه والتلقين ينبغي أن يكون الكتاب والسنة وعليه فلا نأخذ توجيهاتنا لأطفالنا في القيم أو التصورات أو الأخلاق وأنماط السلوك من الجاهلية المحيطة بنا في كل الأرض وليس معنى ذلك أن نغلق عقولنا عن تجارب البشرية المفيدة فالحكمة ضالة المؤمن فحيث وجدها فهو أحق بها ولكن المقصود أن نحذر أن تفتننا الجاهلية عن ما أنزل إلينا أو عن بعضه قال تعالى وأنحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك فمؤدى ذلك أن لا نستقي الأصول إلا من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم أما التطبيقات أي طريقة التنفيذ والأداء فلا بأس باقتباس أي طريقة أو أسلوب نافع مادام لا يتعارض مع الأصول المستمدة من الكتاب والسنة مع يقيننا الجازم أن الجاهلية لا تملك من ناحية الأصول إلا أمرين إما قيما ومبادئ مشابهة لما في الإسلام فلنأخذها إذن من مصدرها الرباني الأصيل وإما قيما مخالفة للإسلام فلا يمكن بحال أن يتحقق منها الخير وإن بدت للوهلة الأولى لامعة براقه توجيه الطاقات والعواطف يوجه الإسلام طاقات الإنسان وانفعلاته وعواطفه المتعددة وجهتها الصحيحة ويفرغها في مجالها المطلوب لتؤتي ثمارها فإذا تجمعت مثلا طاقة الكره لدى الإنسان وهي طاقة فطرية فإن الإسلام يوجهها إلى كره الشيطان وأعوانه وأي لا كل شر ينشئونه وكذلك يفرغ الإسلام طاقة الحب في حب الله وحب المؤمنين والخير والحلال وقل مثل ذلك في سائر الطاقات كالجهاد والزرع والإنتاج والتعمير حيث يفرغ الإسلام ذلك كله في فعل الخير وهدم الباطل فيحفظ النفس بذلك من أن تحرفها طاقاتها وتصيبها بالاضطراب والشرور العلم المجرد من التربية وتزكية النفس يصبح حجة على صاحبه أكثر من أن يكون نافعا بل ربما جر صاحبه إلى الإفساد في الأرض بدلا من إصلاحها فلذلك ينبغي أن يربط الطلاب في مراحل التعليم بالأهداف العالية النبيلة ويجنب الغايات الهابطة وتوافها الأمور فينبغي أن تعد مناهج التعليم وفق هذه الرؤية خاصة في مجال ما يسمى بالعلوم النظرية كعلوم التاريخ واللغة والأدب والتربية في التاريخ مثلا يدرس الطلاب سيرة أبطال أمة الإسلام وتبرز مواطن القدوة في سيرتهم ويذكر أهل الشر مع بيان مكامن شرورهم وانحرافاتهم وآثارها السيئات على الأمة من باب التبصير بسبيل المجرمين التربية الجماعية رغم أن التربية الفردية لها أهميتها ودورها في إعداد الأفراد المتميزين إلا أنها لا تكفي أبدا وحدها بل لا بد من التربية الجماعية أو تربية الفرد داخل مجموع لأن النفس البشرية كما بينا في طبيعة المتربي لها نزعتان أصيلتان نزعة فردية وأخرى جماعية وهو فرد في مجموع وعلى هذا فلن ينشأ الفرد نشأة سوية إلا إذا راعينا ما فيه من الجوانب التي لا تنضج ولا تعمل إلا داخل جماعة فيها أفراد آخرون فالمدرسة وما فيها من أنشطة طلابية نوع من التربية الجماعية وكذلك حلقات التحفيظ في المساجد وما يصاحب ذلك من رحلات ومعسكرات تربوية نوع من التربية الجماعية يتدرب فيها المتلقي على التعايش الصحيح مع الآخرين وكيفية التعامل الإيجابي معهم وتكوين الأهداف المشتركة وتحقيق العمل الجماعي الذي يثمر كثيرا في مجالات لا يمكن تحقيقها من خلال العمل الفردي البيئة المؤثرة في التربية يتأثر الطفل أو المتربي عموما بالبيئة من حوله فيؤثر فيه كل من البيت والشارع والمدرسة والمجتمع فإذا أردنا أن تكون العملية التربوية ناجحة ومثمرة فلا بد من أن يكون لدينا البيت المسلم والشارع المسلم والمدرسة المسلمة والمجتمع المسلم والإعلام الإسلامي