بسم الله الرحمن الرحيم خير القرون مواقفاً ومثالاً تبع الرسول إذا سعى أو قالا جمعية مودة تقدم صور من حياة التابعين للدكتور عبد الرحمن رأفة الباشا رحمه الله طاووس بن كيسان رحمه الله بخمسين نجماً من نجوم الهداية استضاء فغمره السنى وتدفق عليه النور فنور في قلبه ونور في لسانه ونور يسعى بين يديه وعلى خمسين علماً من أعلام مدرسة محمد صلى الله عليه وسلم تخرج فإذا هو صورة لصحابة رسول الله صلوات الله وسلامه عليه في رسوخ الإيمان وصدق اللهجة والتعالي على عرض الدنيا والتفاني في مرضات الله والجهر بكلمة الحق مهما كان ثمن كلمة الحق غالية فلقد علمته المدرسة المحمدية أن الدين النصيحة النصيحة لله وكتابه ورسوله صلى الله عليه وسلم وأئمة المسلمين وعامتهم وهدته التجربة إلى أن الصلاح كله يبدأ عند ولي الأمر وينتهي عنده فإذا صلح الراعي صلحة راعية وأيضا فسد فسدت ذلكم هو ذكوان بن كيسان الملقب بطاووس وهو لقب خلع عليه لأنه كان طاووس الفقهاء والمقدم عليهم في عصره كان طاووس بن كيسان من أهل اليمن وكانت الولاية في اليمن إذاك لمحمد بن يوسف الثقفي أخ الحجاج بن يوسف فقد أرسله الحجاج واليا عليها بعد أن عظم أمره وقويت شوكته واشتدت هيبته اثر قضائه على حركة عبد الله بن الزبير وكان محمد بن يوسف يجمع في ذاته كثيرا من سيئات أخيه الحجاج ولكنه ما كان يتحلى بشيء من حسناته وفي غداة يوم بارد من أيام الشتاء دخل عليه طاووس بن كيسان ومعه وهب بن منبه فلما أخذ مجلسيهما عنده طفق طاووس يعظه ويرغبه ويرهبه والناس جلوس بين يديه فقال الوالي لأحد حجابه يا غلام أحضر طيل سانا وألقه على كتفي أبي عبد الرحمن فعمد الحاجب إلى طيل سان ثمين وألقاه على كتفي طاووس فظل طاووس متدفقا في موعظته وجعل يحرك كتفيه في تؤدا حتى ألقى الطيل سان عن عاتقه وهب واقفا وانصرف فغضب محمد بن يوسف غضبا ظهر في حمرار عينيه وحتقان وجهه غير أنه لم يقل شيئا فلما صار طاووس وصاحبه خارج المجلس قال وهب لطاووس والله لقد كنا في غنا عن إثارة غضبه علينا فماذا كان يضيرك لو أخذت الطيل سان منه ثم بعته وتصدقت بثمنه على الفقراء والمساكين فقال طاووس هو ما تقول لولا أنني خشيت أن يقول العلماء من بعدي نأخذك ما أخذ طاووس ثم لا يصنعون فيما أخذوه ما تقول لما أراد محمد بن يوسف أن يرد لطاووس الحجر من حيث جاء فنصب له شركا من شراكه حيث أعد صرة فيها 700 دينار ذهبا واختار رجلا حاذقا من رجال حاشيته وقال له امضي بهذه الصرة إلى طاووس بن كيسان وحتل عليه في أخذها فإن أخذها منك قلت عطيتك وكسوتك وقربتك فخرج الرجل بالصرة حتى أتى طاووس في قرية كان يقيم بها بالقرب من صنعاء يقال لها الجند فلما صار عنده حياه وآنسه وقال له يا أبا عبد الرحمن هذه نفقة بعث بها الأمير إليك فقال فحتال عليه بكل طريق ليقبلها فأبى وأدلى له بكل حجة فرفض فما كان منه إلا أن اغترم غفلة من طاووس ورمى بالصرة في كوة كانت بجدار البيت وعاد راجعا إلى الأمير وقال لقد أخذ طاووسني الصرة أيها الأمير فسر لذلك محمد بن يوسف فلما مضت على ذلك أيام عدة أرسل اثنين من أعوانه ومعهما الرجل الذي حمل إليه الصرة وأمرهما أن يقول له إن رسول الأمير قد أخطأ فدفع إليك المال وهو مرسل لغيرك وقد أتينا لنسترده منك ونحمله إلى صاحبه فقال طاووس ما أخذت من مال الأمير شيئا حتى أرده إليه فقالا بل أخذته فالتفت إلى الرجل الذي حمل إليه الصرة وقال له هل أخذت منك شيئا فأصاب الرجل ذعر وقال كلا وإنما وضعت المال في هذه الكوة في غفلة منك فقال طاووس دونكم الكوة فانظر فيها فوجد فيها الصرة كما هي وقد ضرب عليها العنكبوت بنسجه فأخذها وعاد بها إلى الأمير وكأنما أراد الله عز وجل أن يقتص من محمد بن يوسف على فعلته هذه وأن يجعل قصاصه منه على مرء من الناس ومشهد فكيف وقع ذلك حدث طاووس بن كيسان قال بينا أنا في مكة حاجة بعث إلي الحجاج بن يوسف الثقفي فلما دخلت عليه رحب بي وأدنى مجلسي منه وطرح لي وسادة ودعاني لأن أتكئ عليها ثم راح يسألني عما أشكل عليه من مناسك الحج وغيرها وفيما نحن كذلك سمع الحجاج ملبيا يلبي حول البيت ويرفع صوته بالتلبية وله نبرة تهز القلوب هزا فقال علي بهذا الملب فأتي له به فقال له ممن الرجل فقال من المسلمين فقال لم أسألك عن هذا وإنما سألتك عن البلد فقال من أهل اليمن كيف تركت أميركم يعني أخاه فقال تركته عظيما جسيما لباسا ركابا خراجا واللاجا فقال ليس عن هذا سألتك فقال عم سألتني إذا فقال سألتك عن سيرته فيكم فقال تركته ظلوما غشوما مطيعا للمخلوق عاصيا للخالق فحمر وجه الحجاج خجلا من جلسائه وقال للرجل ما حملك على أن تقول فيه ما قلته وأنت تعلم مكانه مني فقال أتراه بمكانه منك أعز مني بمكاني من الله عز وجل وأنا وافد بيته وقاضي دينه فسكت الحجاج ولم يحر جوابا قال طاووس ثم ما لبث الرجل أنقام وانصرف من غير أن يستأذن أو يؤذن له فقمت في إثره وقلت في نفسي إن الرجل صالح فاتبعه وظفر به قبل أن تغيبه عن عينيك جموع الناس والله قد أتى البيت وتعلق بأستاره ووضع خده على جداره وجعل يقول اللهم بك أعوذ وبجنابك ألوذ اللهم اجعل لي في الإطمئنان إلى جودك والرضى بضمانك مندوحة عن منع الباخلين وغنا عما في أيدي المستأثرين اللهم إني أسألك فرجك القريب ومعروفك القديم وعادتك الحسنة يا رب العالمين ثم ذهبت به موجة من الناس وأخفته عن عيني فأيقنت أنه لا سبيل إلى لقائه بعد ذلك فلما كانت عشية عرفة رأيته وقد أفاض مع الناس فدنوت منه فإذا هو يقول اللهم إن كنت لم تقبل حجي وتعبي ونصبي فلا تحرمني الأجر على مصيبتي بتركك القبول مني ثم ذهب في الناس وستره الظلام عني فلما يعيست من لقائه قلت اللهم قبل دعائي ودعاءه واستجب رجائي ورجاءه وثبت قدمي وقدميه يوم تزل الأقدام معه على حوض الكوثري يا أكرم الأكرمين وأي لا لقاء آخر مع التابعي الجليل ذكوان بن كيسان الملقب بطاووس رضي الله عنه وأرضاه وجعل جنات الخلد مثواه ما رأيت أحدا قط مثل طاووس بن كيسان عمر بن دينار يقول إذا سعى أو قال كانوا هنا يسقون غيما حياتنا فمو وفينا ذكرهم يتعالى رحلوا وألقوا في الظمير سؤالا هل مثلهم نجم سما وتلالا ملأوا الحياة مفاخرا بالفعلهم وزهت بهم دنيا الأنا