بسم الله الرحمن الرحيم حياة السلف بين القول والعمل الزهد وذم الدنيا فضل الزهد قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه من زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات وقال أبو واقد الليثي رضي الله عنه تابعنا الأعمال ولم نجد شيئا أبلغ في طلب الآخرة من الزهد في الدنيا وكان أبو الدرداء رضي الله عنه يقول الحمد لله الذي جعل مفر الأغنياء إلينا عند الموت ولا نحب أن نفر إليهم عند الموت إن أحدهم ليقول ليتني صعلوك من صعاليك المهاجرين وقال محمد بن الحنفية رحمه الله من كرمت عليه نفسه لم يكن للدنيا عنده قدر وقال رجل لمحمد بن واسع رحمه الله أوصني قال أوصيك أن تكون ملكا في الدنيا والآخرة قال كيف قال ازهد في الدنيا وعن الفضيل بن عياض رحمه الله أنه قال حرام على قلوبكم أن تصيب حلاوة الإيمان حتى تزهدوا في الدنيا وعن سفيان الثوري رحمه الله قال إذا زهد العبد في الدنيا أنبت الله الحكمة في قلبه وأطلق بها لسانه وبصره عيوب الدنيا وداءها ودواءها معنى الزهد وأنواعه وبيان أخطاء بعض الناس في الزهد قال سفيان الثوري رحمه الله ليس الزهد بأكل الغليظ ولبس الخشن ولكنه قصر الأمل وارتقاب الموت وقيل له رحمه الله أيكون الرجل زاهدا ويكون له المال قال نعم إن كان إذا ابتلي صبر وإذا أعطي شكر وقال أيوب استختياني رحمه الله إن زهد رجل فلا يجعلن زهده عذابا على الناس وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال قلت لأبي حازم رحمه الله يوما إني لأجد شيئا يحزنني قال وما هو يبن أخي قلت حب الدنيا فقال لي اعلم يا ابن أخي أن هذا الشي ما أعاتب نفسي على حب شيء حببه الله تعالى إلي لأن الله عز وجل قد حبب هذه الدنيا إلينا ولكن لتكن معاتبتنا أنفسنا في غير هذا ألا يدعونا حبها إلى أن نأخذ شيئا من شيء يكرهه الله ولا أن نمنع شيئا من شيء أحبه الله فإذا نحن فعلنا ذلك لا يضرنا حبنا إياها وقال سفيان بن عينة رحمه الله ليس من حب الدنيا طلبك منها ما لا بد منه وسئل ابن عينة رحمه الله عن الزهد ما هو قال الزهد فيما حرم الله فأما ما أحل الله فقد أباحه الله فإن النبيين قد نكحوا وركبوا وأكلوا ولكن الله نهاهم عن شيء فانتهوا عنه وكانوا به زهادا وقال أبو سليمان الداراني رحمه الله اختلفوا علينا في الزهد بالعراق فمنهم من قال الزهد في ترك لقاء الناس ومنهم من قال في ترك الشهوات ومنهم من قال في ترك الشبع وكلامهم قريب بعضه من بعض قال وأنا أذهب إلى أن الزهد في ترك ما يشغلك عن الله عز وجل وقال أيضا رحمه الله لا تشهد لأحد بالزهد فإن الزهد في القلب ذم الركون إلى الدنيا والفرح بمتاعها قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه يا معشر المهاجرين لا تكثر الدخول على أهل الدنيا فإنه مسخطة للرزق وقال ابن مسعود رضي الله عنه من أراد الآخرة أضر بالدنيا ومن أراد الدنيا أضر بالآخرة فأضر بالفاني للباقي وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال لا يصيب عبد شيئا من الدنيا إلا نقص من درجاته عند الله عز وجل وإن كان عليه كريما وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال ما ينتظر من الدنيا إلا كل محزن أو فتنة تنتظر وقال أبو حازم رحمه الله عجبا لقوم يعملون لدار يرحلون عنها كل يوم مرحلة ويدعون أن يعملوا لدار يرحلون إليها كل يوم مرحلة وكان بشير بن كعب رحمه الله يقول انطلقوا حتى أريكم الدنيا فيجيء بهم إلى السوق وهي يومئذ مزبلة فيقول انظروا إلى دجاجهم وبطهم وثمارهم وقال الفضيل بن عياض رحمه الله فرحك بالدنيا يذهب بحلاوة العبادة وهمك بالدنيا يذهب بالعبادة كلها وقال أبو حازم رحمه الله إن قليل الدنيا يشغل عن كثير الآخرة وإن كثيرها ينسيك قليلها وإن كنت تطلب من الدنيا ما يكفيك فأدنى ما فيها يجزيك وإن كان لا يغنيك ما يكفيك فليس فيها شيء يغنيك ومر بعض السلف على قوم فقيل هؤلاء زهاد فقال ما قدر الدنيا حتى يحمد من زهاد فيها وقال بعض السلف إبن آدم إنما أنت جيفة منتنة طيب نسيمك ما ركب فيك من روح الحياة فلو قد نزع منك روحك ألفيت جثة ملقاه وجيفة منتنة وجسد خاويا وقد جيف بعد طيب ريحه واستوحش منه بعد الأنس بقربه فأي الخليقة ابن آدم منك أجهل وأي الخليقة منك أعجب إذا كنت تعلم أن هذا مصيرك وأن التراب مقيلك ثم أنت بعد هذا لطول جهلك تقر بالدنيا عينا وقال الحسن البصري رحمه الله يبن آدم بع دنياك بآخرتك تربحهما جميعا ولا تبيعن آخرتك بدنياك فتخسرهما جميعا وكان رحمه الله إذا ذكر صاحب الدنيا يقول والله ما بقيت له ولا بقي لها ولا سلم من تبعتها ولا شرها ولا حسابها ولقد أخرج منها في خرقة وسئل سهل ابن عبد الله رحمه الله بما يسهل على العبد ترك الدنيا وكل الشهوات قال بتشاغله بما أمر به وقال الفضيل ابن عياض رحمه الله الدخول في الدنيا هين لكن التخلص منها شديد وقال رحمه الله ما رأيت أحدا عظم الدنيا فقرت عينه فيها ولن تفع بها وما حقرها أحد إلا تمتع بها وكان عروة ابن الزبير رحمه الله إذا دخل على أهل الدنيا فرأى من دنياهم طرفا فإذا رجع إلى أهله فدخل الدار قرأ ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى وأمر أهلك بالصلاة واستبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى قال الصلاة الصلاة رحمكم الله وكان يقول إذا رأى أحدكم من زينة الدنيا وزهرتها فليأتي أهله فليأمرهم بالصلاة وليستبر عليها فإن الله يقول ولا تمدن عينيك ثم قرأ إلى آخر الآية وقال أحمد بن أبي الحواري رحمه الله من نظر إلى الدنيا نظر إرادة وحب أخرج الله نور اليقين والزهد من قلبه وقال بعضهم إذا أبقت الدنيا على المرء دينه فما فات من شيء فليس بضائر فما تعدل الدنيا جناح بعوضة ولا وزن ريش من جناح لطائر فما رضي الدنيا ثوابا لمؤمن وما رضي الدنيا عقابا لكافر وقال يحيى بن معاد رحمه الله لا يزال دينك متمزقا ما دام قلبك بحب الدنيا متعلقا وعن بلال بن سعد رحمه الله قال والله لكفى به ذنبا أن الله يزهدنا في الدنيا ونحن نرغب فيها وقال إبراهيم بن أدهم رحمه الله ليس من أعلام الحب أن تحب ما يبغض حبيبك ذم مولانا الدنيا فمدحناها وأبغضها فأحببناها وزهدنا فيها فآثرناها ورغبنا في طلبها وعدكم خراب الدنيا فحصنتموها ونهيتم عن طلبها فطلبتموها وأنذرتم الكنوز فكنزتموها وقال أبو معاوية الأسود رحمه الله الخلق كلهم برهم وفاجرهم يسعون في أقل من جناح ذباب فقال له رجل ما أقل من جناح ذباب قال الدنيا وقال بشر بن الحارث رحمه الله من سأل الله تعالى الدنيا فإنما يسأله طول الوقوف وقال بعض الحكماء أجبت ممن الدنيا مولية عنه والآخرة مقبلة إليه يشتغل بالمدبرة ويعرض عن المقبلة وعن الحسن البصري رحمه الله أنه كان إذا تلا هذه الآية فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور قال من قال ذا من خلقها ومن هو أعلم بها قال إياكم وما شغل من الدنيا فإن الدنيا كثيرة الأشغال لا يفتح رجل على نفسه باب شغل إلا أوشك ذلك الباب أن يفتح عليه عشرة أبواب وقال رحمه الله مسكين بن آدم رضي بدار حلالها حساب وحرامها عذاب إن أخذه من حله حوسب بنعيمه وإن أخذه من حرام عذب به ابن آدم يستقل ماله ولا يستقل عمله وقال رحمه الله لا تخرج نفس ابن آدم من الدنيا إلا بحسرات ثلاث أنه لم يشبع مما جمع ولم يدرك ما أمل ولم يحسن الزاد لما قدم عليه وقال رحمه الله إذا رأيت الرجل ينافسك في الدنيا فنافسه في الآخرة وقال أبو سليمان الداراني رحمه الله لا يصبر عن شهوات الدنيا إلا من كان في قلبه ما يشغله من الآخرة وقال بعض العلماء من زهد في الدنيا ملكها ومن رغب فيها عبدها فمن شاء فليعش فيها ملكا ومن شاء فليعش فيها عبدا وقال الإمام مالك رحمه الله إن بغيتك منها ما يكفيك فأقل عيشها يغنيك وما قل وكفى خير مما كثر وألها حياة السلام بين القول والعمل