بسم الله الرحمن الرحيم جمعية مودة تقدم حدث في رمضان لعد الرحمن رأفة الباشا هدم مدينة عسقلان في غرة شهر رمضان سنة 587 كان بطل من أبطال المسلمين يمسك معولا كبيرا بكلتا يديه القويتين ويهوي به على حصون مدينة من مدن أمته ودرة ثمينة من درر مملكته وكان معه أبناؤه وإخوته وقواته وأجناده وجموع غفيرة من أبناء شعبه وفي يد كل منهم معول ينهال به على جانب من جوانب المدينة أما صاحب المعول الكبير فهو البطل العظيم صلاح الدين وأما المدينة المنكوبة فهي عسقلان لم تكن عسقلان آنئذ كفرا من الكفور النائية نزح عنه أصحابه وتركوه لعوامل الطبيعة فهدمته وخربته ولم تكن قرية من القرى الصغيرة المتداعية التي يهون على النفوس أن تخرج عنها وعلى الأيدي أن تمتد إليها بالهدم وإنما كانت مدينة من كبريات مدن فلسطين تقع بين غزة وبيت جبرين وتربض على ساحر البحر الأبيض المتوسط شامخة الذرى منيعة الحصون وتقفك المارد في وسط الطريق بين مصر والشام وتطلك الديدبان الحذر على مشارف البحر وكانت عسقلان تجمع إلى الجلال الجمال فهي تمتلك بالإضافة إلى حصونها الممردة وبروجها المشيدة آيات بينات من البهاء والحسن حتى دعاها المؤرخون بعروس الشام وهو لقب ضنو به فلم يخلعوه إلا عليها وعلى دمشق و لهدم عسقلان بيد صلاح الدين قصة طويلة مثيرة تبدأ منذ عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه وتستمر إلى يومنا هذا فتح المسلمون مدينة عسقلان في عهد الفاروق رضي الله عنه وذلك حين أرسل إلى معاوية بن أبي سفيان يأمره بفتح عسقلان وما جاورها من مدن الساحل فصدع معاوية بالأمر وفتح المدينة الحصينة وأقام عليها حفظة يحرسونها من هجماة الروم ثم طفقت أم عسقلان جماعات إثر جماعات من الصحابة الكرام والتابعين العظام حتى غدت حاضرة من حواضر العلم والدين وموئلا للحفاظ والمحدثين وظلت عسقلان الحصينة في أيدي المسلمين قال خمسة قرون وربع القرن تمسك بزمام الطريق بين مصر والشام وتسد منافذ البحر في وجه كل عدوان وفي سنة خمسمائة وثمان وأربعين جرفها الغزو الصليبي في جملة ما جرفه من بلاد المسلمين فكان سقوطها وسقوط أختها عكا في يد الفرنجة شجا في حلوق المسلمين وقذا في عيون المجاهدين ذلك لأن من ملك عكا وعسقلان ملك بيت المقدس وقطع الطريق بين مصر والشام ظلت عسقلان وعكا في يد الصليبيين زهاء خمسة وثلاثين عاما حتى كتب الله لهما أن تفتحى على يدي بطل الإسلام والمسلمين صلاح الدين ويوم فتح صلاح الدين مدينة عسقلان ضحكت الأمال في صدره وتملكه من السرور ما لم يتملكه بفتح قبله ولا غرو فعسقلان ستدنيه من الأمنية العظمى وهي أمنية فتح بيت المقدس وقد أرسل صلاح الدين رسالة إلى أهله في مصر اثر فتح عسقلان قال فيها بعد حمد الله والثناء عليه بما هو أهله ونازلنا عسقلان وهي المعقل المنيع والحصن الحصين والجبل الرفيع وفيها من القوة ما تتقاصر الأمال عن نيل مثله فافتتحناها بعد أربعة عشر يوما من نزولنا عليها فنصبت أعلام التوحيد على أسوارها وعمرت بالمسلمين ديارها وكبر المؤذنون في سائر أقطارها والعزم معقود على التوجه إلى القدس فإذا فتح الله ونصر ملنا إلى مدينة صور والسلام عليكم أدرك صلاح الدين بعد فتح عسقلان أن بابا من أبواب الخير قد فتح له وأن عليه أن يلجه وكان يردد قول الرسول عليه الصلاة والسلام من فتح له باب إلى الخير فلينتهزه فإنه لا يدري متى يغلق دونه عند ذلك كمع ساكره المتفرقة وضم قواه المشتتة وجمع صفوة أجناده وخيرة قواده ونهد إلى الفتح الكبير وفي يوم الأحد الخامس عشر من رجب سنة 583 للهجرة نزل صلاح الدين على الصليبيين في القدس نزول المنون وفي السابع والعشرين منه حرر البطل المدينة من أيدي الصليبيين وأنزل الصليب الأكبر من فوق الصخرة المشرفة بعد أن ظل في قبضة الصليبيين نيفا وتسعين عاما أثار سقوط القدس ثائرة أوروبا فقامت ولم تقعد وهز الحادث الكبير كرسيا البابا فهب ينذر بالويل والثبور ويدعو إلى الجهاد المقدس فاندفع الرجال من كل صوب وتدفقت الأموال من كل جيب وانهال السلاح من كل درب وكان الطريق إلى القدس إنما هو عكا وعسقلان هاجم الصليبيون عكا هجوما لم يشهد له التاريخ مثيلا ودافع عنها المسلمون دفاعا لم يشهد له التاريخ مثيلا وقف صلاح الدين وحده في وجه أوروبا كلها فناله ونال عسكره من الجهد ما لا قبل لهم بمثله وأدرك أنه منهزم لا محالة إذا لم تمتد إليه يد العون من خليفة المسلمين فبعث رسالة من ميادين الجهاد إلى الخليفة الوادع المطمئن في بغداد قال فيها لقد أثرت فينا وفي جندنا المدة الطويلة والنفقة الثقيلة والكفار يمدهم البحر يمدهم البحر بمراكب أكثر من أمواجه وجنود أوفر من أجاجه فإذا قتل المسلمون واحدا منهم في البر بعث البحر بدلا منه ألفا وأذا أبيد منهم صف أتوا بعشرين صفا ثم قال لقد خرج إلينا عاهل الألمان وملوك الصلبان وجموع ما وراء البحر وحشود أجناس الكفر وقد حرم باباهم عليهم كل مباح واستخرج من صناديقهم كل مذخور وألبسهم أثواب الحداد وألزمهم خطة الجهاد حتى يستخلصوا من أيدينا مقبرة المسيح ويستنقذوا منا كنيسة القيامة ثم أتبع يقول وإن هذا يقضي علينا أن نستفرغ عزائم الرجال ونستنفذ خزائنا الأموال ويوجب على خليفة المسلمين أن يحفظ على رعيته قبلتهم وأن يزيح عنهم علتهم ثم قال رب إني لا أملك إلا نفسي وآخي وهو ذا أخي قد لحق بجوارك وهاهم أولاء أولادي وقد أبرزت صفحات وجوههم لعدوك وهان علي حبا بك أن أرى المكروه فيهم ثم استصرخ الخليفة قائلا يا عصبة محمد الرسول الله صلى الله عليه وسلم أخلفه في أمته ووفه الحق فيهم ولا تؤخر عنا النجدة فإن منفعة الغوث إنما تكون قبل العقب ثم ختم رسالته الحزينة قائلا وبعد فإن فينا وإن عض الزمان بقي وإننا لنعاهد الله على أن نبقى قائمين حتى ننصر أو نعذر وعلى ألا يصل أحد إلى ذرية أحمد ما بقي في ذرية بني أيوب واحد يذكر لم تجد رسالة صلاح الدين عند الخليفة ورجاله أذنا صاغية ولم تلق منهم أفئدة واعية وظل المسلمون ينافحون عن عكا حتى سقطت في أيدي الصليبيين بعد أن فلت السيوف وكلت السواعد وخارت العزائم وكان يوما على المسلمين عظيمة لم يضع الصليبيون الفرصة فوجه جيوشهم وجهة عسقلان وما بعد عسقلان القدس ووجد صلاح الدين نفسه عاجزا عن صد الصليبيين عن عسقلان وأن عليه أن يتخذ القرار الحازمة في الموقف الحاسم واتخاذ القرارات الحازمة في المواقف الحاسمة أمر لا يقوى عليه إلا عظماء الرجال فلقد اتخذ عمر بن الخطاب القرار الحازمة في الموقف الحاسم يوم بايع أبا بكر في السقيفة فحسم الشر وأقر الأمر واتخذ أبو بكر القرار الحاسمة في الموقف الحاسم حين عقد العزم على محاربة مانع الزكاه فصان الإسلام وحفظ الدين واتخذ صلاح الدين القرار الحازم في الموقف الحاسم فقرر هدم عسقلان وإزالتها من الوجود حتى لا يتخذها العدو حصناً وسكناً ومنطلقاً لقد كان صعباً على صلاح الدين أن يتخذ قراره لو لم يكن في مستوى القائد المفوض المطاع وكان صعباً على المسلمين أن ينفذوه لو لم يكونوا في مستوى القائد لقد قال صلاح الدين يوم أصدر قراره والله لأن أفقد أولادي جميعاً أحب إلي من أن أهدم حجراً واحداً من عسقلان ولكن في ذلك مصلحة للإسلام والمسلمين وفي أواخر شعبان أرسل صلاح الدين جيشه ليعوق زحف الصليبيين نحو عسقلان وفي غرة رمضان رفع معاوله ليهدم المدينة الكبيرة العريقة ومعه جموع غفيرة من المسلمين ثم دار الزمان دورته فدفعت سيوف المسلمين فلول الصليبيين إلى البحر وأعاد أبناء صلاح الدين بناء عسقلان وأسكنوها أبناءهم وذراريهم وظلت في أيدي المسلمين إلى أن أخذها منهم اليهود وأطلقوا عليها اسم أسدود والمدينة المنكوبة بغزاتها الجدد تنتظر اليوم القائد المحرر والبطل المنقذ فهنيئاً لمن سيكون على يديه الخلاص