1 00:00:00,000 --> 00:00:03,759 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ 2 00:00:03,759 --> 00:00:07,860 قِصَّةُ مَرْيَمَ بْنَةِ عِمْرَانِ 3 00:00:07,860 --> 00:00:10,179 عَلَيْهَا السَّلَامِ 4 00:00:10,179 --> 00:00:15,750 مريمُ تَتَرَبَّى فِي بَيْتِ النُّبُوَّةِ 5 00:00:15,750 --> 00:00:21,820 من مِنَّةِ اللَّهِ عَلَى الفَتَاهِ 6 00:00:21,820 --> 00:00:24,539 أن تَتَرَبَّى فِي بَيْتٍ صَالِحٍ 7 00:00:24,539 --> 00:00:26,940 بَيْنَ أَبَوَيْنِ صَالِحِينِ 8 00:00:27,300 --> 00:00:32,820 أو أن يُهيئَ اللَّهُ لَهَا مَنْ يُرَبِّيهَا مِنَ الصِّغَرِ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ 9 00:00:32,820 --> 00:00:35,619 من إخوانها أو أخواتها 10 00:00:35,619 --> 00:00:38,829 أو من يُسَخِّرُهُ اللَّهُ لَهَا 11 00:00:38,829 --> 00:00:40,590 وهذه النعمة 12 00:00:40,590 --> 00:00:44,710 إنما تستفيد منها الفتاة العاقلة الفطنة 13 00:00:44,710 --> 00:00:49,240 ذات السريرة النقية الصادقة الصالحة 14 00:00:49,240 --> 00:00:51,679 وقد رأينا في هذا الزمان 15 00:00:51,679 --> 00:00:56,469 من تتوفر لها هذه النعمة بتوفيق من الله 16 00:00:56,590 --> 00:01:00,630 لكنها تتمرد عليها بحجة الحرية 17 00:01:00,630 --> 00:01:04,230 التي تدعو إليها الأفكار النسوية 18 00:01:04,230 --> 00:01:06,989 ودعاة إفساد الفتيات 19 00:01:06,989 --> 00:01:09,709 ثم تكون النتيجة المرة 20 00:01:09,709 --> 00:01:11,469 ضياع الفتاة 21 00:01:11,469 --> 00:01:15,870 وخسارة هذه النعمة لعدم شكرها 22 00:01:15,870 --> 00:01:20,030 وقد رأينا من ندمت على سلوكها هذا المسلك 23 00:01:20,030 --> 00:01:23,629 بعد أن رأت الكارثة التي حلت بها 24 00:01:23,629 --> 00:01:28,500 بتمردها على تربية أبويها الصالحين 25 00:01:28,500 --> 00:01:31,299 أما الفتاة العاقلة الفطنة 26 00:01:31,299 --> 00:01:36,500 والتي استفادت من البيئة الصالحة التي هيئها الله لها 27 00:01:36,500 --> 00:01:42,640 فهي تعيش في سعادة لا يعرفها إلا من تذوقها 28 00:01:42,640 --> 00:01:46,000 ومريم ابنة عمران عليه السلام 29 00:01:46,000 --> 00:01:51,620 ممن هيئ الله لها البيئة الصالحة لتتربى فيها 30 00:01:51,620 --> 00:01:56,379 فهي من آل بيت استفاهم الله على العالمين 31 00:01:56,379 --> 00:02:00,260 وتربت في بيت نبي من أنبياء الله 32 00:02:00,260 --> 00:02:04,010 وكانت بين قوم صالحين 33 00:02:04,010 --> 00:02:07,609 وقدر الله لها أن تولد يتيمة 34 00:02:07,609 --> 00:02:11,969 وليتم نعمة أخرى من نعم الله على الفتاة 35 00:02:11,969 --> 00:02:17,729 يعرفها من درس سيرة الأيتام ورعاية الله لهم 36 00:02:17,770 --> 00:02:21,210 وتأملي أخت الكريمة قول الله تعالى 37 00:02:21,210 --> 00:02:26,849 في تعداد نعمه على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم 38 00:02:26,849 --> 00:02:32,699 حيث قال ألم يجدك يتيما فآوا 39 00:02:32,699 --> 00:02:37,740 وحث النبي صلى الله عليه وسلم على كفالة اليتيم 40 00:02:37,740 --> 00:02:42,259 وبين فضلها وأجرها في الآخرة فقال 41 00:02:42,259 --> 00:02:46,419 أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا 42 00:02:46,419 --> 00:02:50,139 وقال بإصبعيه السبابة والوسطى 43 00:02:50,139 --> 00:02:52,659 رواه البخاري 44 00:02:52,659 --> 00:02:56,340 فهذا الثواب العظيم في كفالة اليتيم 45 00:02:56,340 --> 00:03:00,620 يدل على عظم المسؤولية في هذه الكفالة 46 00:03:00,620 --> 00:03:04,780 وأن الكفالة لا تقتصر على بضعة دنانير 47 00:03:04,780 --> 00:03:10,460 يقدمها الكفيل لجهة خيرية تجمع الأموال للأيتام 48 00:03:10,460 --> 00:03:14,020 ثم لا يدري عن اليتيم شيئا 49 00:03:14,060 --> 00:03:20,819 إن الكفالة التي جعل ثوابها الجنة برفقة النبي صلى الله عليه وسلم 50 00:03:20,819 --> 00:03:24,409 شأنها أعظم من ذلك بكثير 51 00:03:24,409 --> 00:03:27,650 فالكفالة هي التربية والرعاية 52 00:03:27,650 --> 00:03:30,330 ومتابعة مصالح اليتيم 53 00:03:30,330 --> 00:03:34,009 والقيام على أمواله وتنميتها 54 00:03:34,009 --> 00:03:39,580 والمحافظة عليها والإنفاق على اليتيم إلا زم الأمر 55 00:03:39,580 --> 00:03:45,460 وهذا المعنى كان واضحا عند الصالحين في زمن مريم ابنة عمران 56 00:03:45,460 --> 00:03:48,819 ولذلك تنافسوا على كفالتها 57 00:03:48,819 --> 00:03:53,099 أيهم يفوز بهذا الثواب والأجر العظيم 58 00:03:53,099 --> 00:03:54,939 قال تعالى 59 00:03:54,939 --> 00:04:03,139 ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك 60 00:04:03,139 --> 00:04:08,259 وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم 61 00:04:08,259 --> 00:04:13,180 أيهم يكفل مريم 62 00:04:13,180 --> 00:04:18,220 وما كنت لديهم إذ يختصمون 63 00:04:19,319 --> 00:04:22,600 قال ابن جرير الطبري رحمه الله 64 00:04:22,600 --> 00:04:24,600 وأما أقلامهم 65 00:04:24,600 --> 00:04:29,519 فسهامهم التي استهم بها المستهمون من بني إسرائيل 66 00:04:29,519 --> 00:04:32,220 على كفالة مريم 67 00:04:32,220 --> 00:04:35,139 وقال ابن عطية رحمه الله 68 00:04:35,139 --> 00:04:37,139 وجمهور العلماء 69 00:04:37,180 --> 00:04:42,110 على أنه استهام لأخذها والمنافسة فيها 70 00:04:42,110 --> 00:04:45,069 وقال ابن كثير رحمه الله 71 00:04:45,069 --> 00:04:49,230 اقترعوا في شأن مريم أيهم يكفلها 72 00:04:49,230 --> 00:04:52,439 وذلك لرغبتهم في الأجر 73 00:04:52,439 --> 00:04:56,079 وكانت النتيجة ما اختاره الله لها 74 00:04:56,079 --> 00:05:00,839 من أن تتربى مريم في بيت نبي من أنبيائه 75 00:05:00,839 --> 00:05:02,439 قال تعالى 76 00:05:02,439 --> 00:05:05,500 وكفلها زكريا 77 00:05:05,540 --> 00:05:08,259 قال ابو زهرة رحمه الله 78 00:05:08,259 --> 00:05:09,860 وكفلها 79 00:05:09,860 --> 00:05:12,660 أي ضمها إلى زكريا 80 00:05:12,660 --> 00:05:16,500 لأن الكفالة في أصل معناها الضم 81 00:05:16,500 --> 00:05:20,300 وقد ضمها إليه لتكون في رعايته 82 00:05:20,300 --> 00:05:23,019 وكان ذلك بإرادة الله 83 00:05:23,019 --> 00:05:26,579 ونتيجة اقتراع كان بينهم 84 00:05:26,579 --> 00:05:31,819 ذلك بأن الصالحين من قومها تنازع في من يكفلها 85 00:05:31,819 --> 00:05:33,180 فاقترعوا 86 00:05:33,220 --> 00:05:37,019 وكانت القرعة لنبي الله زكريا 87 00:05:37,019 --> 00:05:39,459 ولذا قال سبحانه 88 00:05:39,459 --> 00:05:47,620 ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك 89 00:05:47,620 --> 00:05:52,779 وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم 90 00:05:52,779 --> 00:05:57,699 أيهم يكفل مريم 91 00:05:57,699 --> 00:06:02,860 وما كنت لديهم إذ يختصمون 92 00:06:03,819 --> 00:06:08,500 فكانت تلك القديسة الطاهرة في رعاية نبي 93 00:06:08,500 --> 00:06:11,220 وتربت في مهد النبوة 94 00:06:11,220 --> 00:06:16,100 لتكون هي وبنها آية للعالمين 95 00:06:16,100 --> 00:06:19,699 وكفالة نبي الله زكريا لمريم 96 00:06:19,699 --> 00:06:23,060 جعلها تتربى في بيت النبوة 97 00:06:23,060 --> 00:06:30,269 وتأخذ من أخلاق وعبادة النبي الكريم زكريا عليه الصلاة والسلام 98 00:06:30,269 --> 00:06:33,629 قال الطاهر بن عاشور رحمه الله 99 00:06:33,670 --> 00:06:36,110 وكفلها زكريا 100 00:06:36,110 --> 00:06:39,149 عد هذا في فضائل مريم 101 00:06:39,149 --> 00:06:42,670 لأنه من جملة ما يزيد فضلها 102 00:06:42,670 --> 00:06:48,420 لأن أبى التربية يكسب خلقه وصلاحه مرباه 103 00:06:48,420 --> 00:06:51,139 وقال السعدي رحمه الله 104 00:06:51,139 --> 00:06:57,779 فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نبات حسنا 105 00:06:57,819 --> 00:07:00,740 أي ربيت تربية عجيبة 106 00:07:00,740 --> 00:07:04,139 دينية أخلاقية أدبية 107 00:07:04,139 --> 00:07:06,540 كملت بها أحوالها 108 00:07:06,540 --> 00:07:09,939 وصلحت بها أقوالها وأفعالها 109 00:07:09,939 --> 00:07:12,699 ونمى فيها كمالها 110 00:07:12,699 --> 00:07:16,459 ويسر الله لها زكريا كافلا 111 00:07:16,459 --> 00:07:19,740 وهذا من منة الله على العبد 112 00:07:19,740 --> 00:07:25,579 أن يجعل من يتولى تربيته من الكاملين المصلحين 113 00:07:25,620 --> 00:07:28,500 وهنا سؤال يطرح نفسه 114 00:07:28,500 --> 00:07:32,579 لماذا تسابق القوم في كفالة مريم 115 00:07:32,579 --> 00:07:34,100 والجواب 116 00:07:34,100 --> 00:07:41,019 لأنهم أدركوا جميعا أن الفتاة بحاجة إلى رجل يحميها ويرعاها 117 00:07:41,019 --> 00:07:45,490 ولو كانت هذه الفتاة مريم عليه السلام 118 00:07:45,490 --> 00:07:48,290 قال ابن تيمية رحمه الله 119 00:07:48,290 --> 00:07:50,089 فهذه مريم 120 00:07:50,089 --> 00:07:53,569 احتاجت إلى من يكفلها ويحضنها 121 00:07:53,569 --> 00:07:56,649 حتى أسرعوا إلى كفالتها 122 00:07:56,649 --> 00:07:59,490 فكيف غيرها من النساء 123 00:07:59,490 --> 00:08:02,649 وهذا أمر معروف بالتجربة 124 00:08:02,649 --> 00:08:08,649 أن المرأة تحتاج من الحفظ وصيانة ما لا يحتاج إليه الصبي 125 00:08:08,649 --> 00:08:11,689 وكل ما كان أستر لها وأصوى 126 00:08:11,689 --> 00:08:13,810 كان أصلح لها 127 00:08:13,810 --> 00:08:16,649 ولهذا كان لباسها المشروع 128 00:08:16,649 --> 00:08:18,769 لباسا يسترها 129 00:08:18,769 --> 00:08:22,649 ولعن من يلبس لباس الرجال 130 00:08:22,689 --> 00:08:24,290 من واجب الرجل 131 00:08:24,290 --> 00:08:28,209 تفقد أحوال الفتاة التي تحت رعايته 132 00:08:28,209 --> 00:08:31,889 ويستفسر عما يشكل عليه من أمرها 133 00:08:31,889 --> 00:08:36,039 كما فعل زكريا مع مريم عليه السلام 134 00:08:36,039 --> 00:08:38,019 قال تعالى 135 00:08:38,019 --> 00:08:42,580 فتقبلها ربها بقبول حسن 136 00:08:42,580 --> 00:08:50,340 وأنبتها نباتا حسنا 137 00:08:50,340 --> 00:08:53,019 وكفلها زكريا 138 00:08:53,019 --> 00:08:57,419 كلما دخل عليها زكريا المحراب 139 00:08:57,419 --> 00:09:00,820 وجد عندها رزقا 140 00:09:00,820 --> 00:09:05,340 قال يا مريم أنا لك هذا 141 00:09:05,340 --> 00:09:09,179 قالت هو من عند الله 142 00:09:09,179 --> 00:09:19,019 إن الله يرزق من يشاء بغير حساب 143 00:09:19,019 --> 00:09:21,779 وقال السعدي رحمه الله 144 00:09:21,779 --> 00:09:24,659 كلما دخل عليها زكريا المحراب 145 00:09:24,659 --> 00:09:27,299 وجد عندها رزقا 146 00:09:27,299 --> 00:09:30,379 أي من غير كسب ولا تعب 147 00:09:30,379 --> 00:09:33,419 بل رزق ساقه الله إليها 148 00:09:33,419 --> 00:09:36,659 وكرامة أكرمها الله بها 149 00:09:36,659 --> 00:09:38,980 فيقول لها زكريا 150 00:09:38,980 --> 00:09:41,100 أنا لك هذا 151 00:09:41,100 --> 00:09:43,700 قالت هو من عند الله 152 00:09:43,700 --> 00:09:45,940 فضلا وإحسانا 153 00:09:45,940 --> 00:09:50,779 إن الله يرزق من يشاء بغير حساب 154 00:09:50,779 --> 00:09:55,139 أي من غير حسبان من العبد ولا كسب 155 00:09:55,139 --> 00:09:58,059 وقال أبو زهرة رحمه الله 156 00:09:58,059 --> 00:10:01,299 عجب نبي الله من هذا الرزق 157 00:10:01,299 --> 00:10:02,860 وما كان العجب 158 00:10:02,860 --> 00:10:05,940 إلا لأنه لا يعرف سببه 159 00:10:05,940 --> 00:10:09,460 ولو كان يعرف أنها هبات تأتيها 160 00:10:09,460 --> 00:10:11,419 ما ثار عجبه 161 00:10:11,460 --> 00:10:16,500 ولقد كانت إجابتها إجابة الربانيين الأبرار 162 00:10:16,500 --> 00:10:19,179 قالت هو من عند الله 163 00:10:19,179 --> 00:10:21,659 أكدت أنه رزق الله 164 00:10:21,659 --> 00:10:24,379 ولذلك أتت بالضمير 165 00:10:24,379 --> 00:10:27,820 ثم أكدت ذلك بما يزيل العجب 166 00:10:27,820 --> 00:10:29,259 فقالت 167 00:10:29,259 --> 00:10:34,440 إن الله يرزق من يشاء بغير حساب 168 00:10:34,440 --> 00:10:38,840 أي أن رزق الله كثير غير محدود بحد 169 00:10:38,840 --> 00:10:41,320 ولا مقدر بقدر 170 00:10:41,320 --> 00:10:44,120 ولذا لا يحده الحساب 171 00:10:44,120 --> 00:10:48,659 ولا تجري عليه الأعداد التي تنتهي 172 00:10:48,659 --> 00:10:54,659 ولا ينبغي للفتاة أن تتضجر من تفقد وليها لأحوالها 173 00:10:54,659 --> 00:10:58,059 بل الواجب عليها أن تفرح بذلك 174 00:10:58,059 --> 00:11:03,990 لأن هذا التفقد دليل على اهتمام ورعاية الولي لها 175 00:11:03,990 --> 00:11:10,299 ولكن ما الرزق الذي كان يأتي مريم عليه السلام 176 00:11:10,340 --> 00:11:13,899 نكمل في لقاء قادم إن شاء الله 177 00:11:13,899 --> 00:11:16,899 والحمد لله رب العالمين